تحتل دول الخليج موقعاً جيواستراتيجياً بالغ الأهمية، يضعها ضمن الامتداد الجغرافي الذي يربط منطقة المحيطين الهندي والهادئ بالقارتين الأوروبية والإفريقية.
وقد تعززت هذه المركزية التي تتسم بها دول الخليج بفعل التحولات الكبرى التي شهدها العقد الأخير على وجه الخصوص، بدءاً من تداعيات «الربيع العربي»، مروراً بتفشي جائحة كورونا (كوفيد-19)، ثم الغزو الروسي لأوكرانيا، وصولاً -في الآونة الأخيرة- إلى الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، والحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران.
وفي ظل عالم متعدد الأقطاب يتسم بتنافس محموم بين القوى الكبرى، وتوسع هائل في التسلح، وصعود قوى آسيوية على أعتاب منطقة الشرق الأوسط، أصبحت دول الخليج فاعلاً لا غنى عنه عند تقاطع الديناميكيات والتحولات الإقليمية والعالمية.
ويُعد انخراط دول الخليج في مشاريع مثل المبادرة الصينية «طريق الحرير الجديد» -التي تعرف أيضا باسم «مبادرة» الحزام والطريق- دليلاً على طموحها لترسيخ مكانتها كمنصات اقتصادية ولوجستية عالمية.
وفي ظل ما يُنظر إليه على أنه انسحاب أمريكي من منطقة الشرق الأوسط، أظهرت دول الخليج مرونة عالية في إدارة تحالفاتها، من خلال تبني استراتيجيات دبلوماسية قائمة على «التحوط» أو «تعدد التحالفات».
وإلى جانب الصين -التي تُعد شريكاً تجارياً رئيسياً- تتجه دول الخليج نحو قوى آسيوية أخرى (مثل الهند، ودول رابطة «آسيان»، واليابان، وكوريا الجنوبية)، وكذلك نحو مجموعة «بريكس+» (BRICS+)، بحثاً عن ركائز استراتيجية جديدة ومحركات للنمو.
وفي هذا السياق، تُمثّل روسيا أيضاً «عنصراً ضمن استراتيجيات دول الخليج القائمة على تعدد التحالفات». ويتضمن هذا التوجه «الجيوسياسي» أيضا، عند النظر إليه من الزاوية الإقليمية، أصبح الاستثمار في الرياضة أيضا أداةً فريدةً للقوة، سواء في منطقة الشرق الأوسط أو على الصعيد العالمي.
وفي التوجه ذاته، تبرز استراتيجيات «التحوط» وما يتفرع عنها كوسيلة مهمة تتيح لدول منطقة الخليج بناء أدوات استراتيجية تهدف إلى حماية مصالحها الوطنية وتعزيزها.
منذ أواخر فبراير 2026، تمر دول الخليج بمرحلة من عدم الاستقرار غير المسبوقة، تكشف عن هشاشة الوضع الإقليمي، حيث تظهر حالة «عدم التماثل» التي تتسم بها استراتيجيات «تعدد التحالفات» (أو تعدد الاصطفافات) هذه.
على الصعيد الإقليمي، أدت الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، التي جاءت إثر أحداث 7 أكتوبر 2023م، والسياسة الإقليمية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية، والتحولات التي شهدتها سوريا، إلى تداعيات أثرت في التوازنات الإقليمية، التي تتسم بدورها بكثير من الهشاشة.
لا شك أن الحروب التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط قد خلقت تحديات وإشكالية تواجهها دول الخليج حتى اليوم، منها التأكد من فشل مختلف الاستراتيجيات الهادفة إلى تحقيق التقارب مع إيران، وهي الاستراتيجيات التي انطلقت منذ سنة 2021 على وجه الخصوص، التي أفضت على سبيل المثال إلى الاتفاق المبرم بين المملكة العربية السعودية وإيران في شهر مارس من سنة 2023م. ولا شك أن هذه التحديات ناجمة في جوانب كبيرة منها عن تباين عميق في تحليل التحديات ما بين اللاعبين الإقليميين في منطقة الشرق الأوسط المثخنة بالصراعات والمصالح المتضاربة.
ولا شك أيضا أن الحرب ضد إيران، التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، قد سرعت ظهور تحولات جيوسياسية دفعت دول الخليج إلى إعادة النظر في مرونتها الاستراتيجية، وهو تحول يتجلى في ثلاثة مسارات مترابطة: إعادة التسلح وتكييف القدرات العسكرية، وتسريع تطوير الصناعات العسكرية، فضلاً عن تعزيز التنسيق الإقليمي وتنويع الشراكات الدولية.
وفيما يتعلق بالاستقلال الاستراتيجي، وبعيداً عن المشاريع المتعلقة بالقدرات والاقتصاد، يمكن النظر إلى بناء قطاع الصناعات الدفاعية في الخليج بوصفه يتيح «أدوات قوة متعددة المستويات»؛ وهو ما ينبغي ألا يصرف النظر عن ضرورة التفكير في إيجاد هياكل أمنية أخرى أكثر فعالية وشمولاً.
وعلى الضفة الغربية للبحر الأحمر، تشهد منطقة «القرن الإفريقي» أيضاً تلاقي استراتيجيات قد تكون متنافسة في بعض الأحيان، وتتداخل مع عوامل ومنطق داخلي خاص بالمنطقة.
كما كشفت الحرب ضد إيران عن أهمية المضائق البحرية -كمضيق هرمز- وحرية الملاحة في الممرات البحرية، وذلك نظراً إلى دورها الحيوي في استقرار اقتصادات دول الخليج وازدهارها وحماية مصالحها الجوهرية. وتواجه دول الخليج اليوم ضرورة ملحة لتعزيز مرونتها الاقتصادية والهيكلية، في ظل بيئة تفرض عليها قيوداً جيوسياسية قوية.
وتجد دول الشرق الأوسط، بما فيها دول الخليج، نفسها اليوم أمام تحديات جسيمة تحدد مستقبل استقرارها وازدهارها؛ ومن أبرز هذه التحديات تأمين الموارد الطبيعية وتحقيق الأمن الغذائي، فضلاً عن التناقضات التي تفرضها عملية التكيف مع تداعيات التغير المناخي (مثل الإجهاد المائي والتصحر).
ويظل الأمن الغذائي -الذي برزت أهميته بشكل جلي خلال أزمة 2007-2008، ثم خلال الأزمة الصحية العالمية الناجمة عن جائحة كوفيد-19 ركيزةً أساسية في الاستراتيجيات الوطنية لهذه الدول. ومع ذلك، فإنه يظل نقطة ضعف مستمرة، ولا سيما في ظل الاضطرابات اللوجستية التي تسببت فيها الحروب؛ علماً أن دول الخليج تحتل وحدها موقعاً محورياً في تزويد قطاع الزراعة العالمي بالأسمدة.
إن الصدمة الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران تسلط الضوء على استمرار نقاط الضعف الإقليمية؛ إذ لا تزال دول المنطقة على وجه الخصوص عرضة للاضطرابات في سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، ولتقلبات الأسواق الدولية، ولحالة من عدم اليقين في المعاملات التجارية.
تواجه منطقة الخليج، في أفق عام 2026، تحولات جيوسياسية وتحديات استراتيجية؛ وهو ما يستدعي مقاربة هذه القضايا من خلال ثلاثة محاور رئيسية: أولاً، تحليل الرهانات الأمنية والدبلوماسية الشاملة؛ وثانياً، استكشاف مدى انعكاس بعض القضايا الجيوسياسية في دول الجوار على المنطقة؛ وثالثاً، تفكيك الرهانات الداخلية وتلك التي تتجاوز حدود الدول لتشمل المنطقة ككل.
في خضم هذه التحولات الجيوسياسية الإقليمية، بات من الأهمية بمكان لدول الخليج العمل على تعزيز علاقاتها الدبلوماسية وتحالفاتها الاستراتيجية والاقتصادية ما يصب في مصالحها الوطنية والمشتركة، الآنية والمستقبلية.
خلاصة الأمر، ستظل دول الخليج العربية، بما لديها من ثقل وأوراق مهمة، تمثل جهات فاعلة محورية في إعادة التشكيلات الجيوسياسية المعاصرة، في ظل سياق يتسم باحتدام التنافس بين القوى، وتفكك التوازنات الإقليمية، وتراكم تداعيات الأزمات، للحفاظ على هامش مناورتها مع تعزيز دورها كمنصات اقتصادية واستراتيجية لا غنى عنها.
{ كاتب ومحلل سياسي فرنسي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك