لم يعد ممكنا التعامل مع أزمات الشرق الأوسط الراهنة باعتبارها سلسلة من المواجهات المنفصلة التي يمكن احتواء كل منها على حدة، أو افتراض أن التهدئة بين بعض الأطراف كافية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة.
فالحروب المتعاقبة، والاعتداءات على الدول العربية، ومحاولات فرض الوقائع بالقوة، وتوظيف المليشيات المسلحة في الصراعات الإقليمية، فضلًا عن تهديد حرية الملاحة في الممرات الدولية، تكشف جميعها عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام الأمني في الشرق الأوسط وبغياب قواعد ملزمة تحكم سلوك دوله.
ومن ثم، فإن التحدي المطروح أمام العرب اليوم لا يقتصر على كيفية التعامل مع السلوك الإيراني المزعزع للاستقرار، بل يمتد أيضًا إلى السياسات الإسرائيلية القائمة على استخدام القوة العسكرية وتوسيع نطاق العمليات الحربية وفرض معادلات أمنية وسياسية أحادية على الجوار العربي.
إن إدراك هذه الحقيقة يقتضي تجاوز التصورات التي تختزل أمن الشرق الأوسط في مواجهة عربية إيرانية، أو تفترض أن التقارب مع إسرائيل يمكن أن يوفر بديلًا عن معالجة مصادر التهديد الأخرى. فالأمن العربي لا يمكن أن يقوم على تجاهل المخاطر التي تمثلها إيران، كما لا يمكن أن يستقر من خلال التسليم بحرية إسرائيل في استخدام القوة ضد الدول والمجتمعات العربية أو فرض رؤيتها للأمن الإقليمي.
وما تحتاج إليه الدول العربية هو بلورة مفهوم مستقل لأمنها القومي، يستند إلى حماية السيادة ووحدة الدول وحرمة أراضيها، ويواجه الاعتداءات بصرف النظر عن هوية مرتكبيها، ويجمع بين بناء القدرة على الردع والعمل على إنشاء ترتيبات للأمن الجماعي تحول دون تكرار الحروب.
لقد أسهم السلوك الإيراني خلال السنوات الأخيرة في تقويض الثقة بين طهران وجوارها العربي المباشر. فالاعتداءات التي طالت دول الخليج، والتعامل مع مضيق هرمز باعتباره أداة ضغط يمكن استخدامها لفرض الإرادة الإيرانية، واستمرار دعم جماعات مسلحة تتدخل في شؤون الدول العربية أو تهدد أمنها، كلها عوامل تجعل من الصعب استعادة علاقات طبيعية بين إيران وجيرانها من دون تغيير ملموس في السياسات الإيرانية. فمضيق هرمز ممر دولي لا يجوز إخضاع حرية الملاحة فيه للحسابات السياسية لدولة واحدة، كما أن أمن السعودية ودول الخليج لا يمكن أن يظل رهينة للتهديدات التي تمارسها جماعات مسلحة مرتبطة بإيران أو تتحرك في إطار حساباتها الإقليمية.
لكن الاعتراف بهذه المخاطر لا ينبغي أن يقود إلى إغفال الوجه الآخر للأزمة. فإسرائيل بدورها تتعامل مع التفوق العسكري واستخدام القوة باعتبارهما وسيلتين أساسيتين لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. وقد أظهرت الحروب في غزة ولبنان، والعمليات العسكرية التي امتدت إلى ساحات إقليمية أخرى، أن إسرائيل لا تكتفى بالدفاع عن أراضيها في مواجهة التهديدات، بل تسعى أيضا إلى فرض وقائع ميدانية وسياسية تتجاوز حدود المواجهة المباشرة. ويضاف إلى ذلك استمرار الاحتلال وغياب تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، بما يبقي أحد أهم مصادر الصراع مفتوحا ويحول دون بناء علاقات إقليمية مستقرة على أساس الاعتراف المتبادل بالحقوق والمصالح.
ولا يعني وضع إيران وإسرائيل في معادلة واحدة تجاهل الفروق بين سياساتهما أو مساواة كل أفعالهما من الناحية القانونية والسياسية. فلكل دولة أدواتها وحساباتها ومسؤولياتها، ويتعين تقييم كل اعتداء وفق وقائعه والقواعد الدولية المنطبقة عليه. غير أن المنظور العربي للأمن لا يمكن أن يسمح لأي طرف، إيرانيًا كان أو إسرائيليًا، باحتكار تعريف التهديدات وتحديد الوسائل المقبولة لمواجهتها. فالمشكلة الجوهرية هي غياب قواعد إقليمية ملزمة تمنع استخدام القوة لفرض الإرادة، وتحول دون التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتضمن احترام السيادة وحرية الملاحة وحقوق الشعوب.
ومن هنا تبرز ضرورة انتقال العرب من الاعتماد على الوساطة وحدها إلى الجمع بينها وبين الردع. لقد أظهرت تجارب التهدئة أن الحوار يمكن أن يفتح مساحات لتخفيف التوتر، كما حدث مع استئناف العلاقات السعودية الإيرانية عام 2023، لكنه لا يستطيع وحده تغيير حسابات الأطراف التي تعتقد أن استخدام القوة أو التهديد بها سيحقق لها مكاسب أكبر من التفاوض. وبالمثل، فإن مسارات التطبيع أو التفاهمات الأمنية مع إسرائيل لا تضمن بذاتها احترام المصالح العربية، إذا لم تقترن بالتزامات واضحة بشأن عدم الاعتداء، واحترام سيادة الدول، وإنهاء الاحتلال، وتسوية القضية الفلسطينية.
فالردع المطلوب عربيًا ليس دعوة إلى حرب مفتوحة مع إيران أو إسرائيل، ولا مشروعًا لبناء محور عسكري مغلق يستهدف دولة بعينها. إنه قدرة جماعية على منع الاعتداءات، وحماية الأراضي والمنشآت الحيوية والممرات البحرية، ورفع كلفة اللجوء إلى القوة، وتأكيد أن الدول العربية ليست ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وكلما امتلك العرب أدوات أكثر فاعلية للتنسيق الدفاعي، أصبحوا أقدر على التفاوض من موقع أكثر توازنًا، وأقل تعرضًا لضغوط القوى الإقليمية والدولية.
وتكتسب في هذا السياق التفاهمات الدفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان أهمية تتجاوز أطرافها المباشرة. فالتعاون بين هذه الدول يفتح المجال أمام توزيع أوسع لمسؤولية حماية الأمن الإقليمي، ويحد من الاعتماد الحصري على الضمانات الأمريكية. غير أن قيمة هذه التفاهمات لن تتحدد بمجرد إعلان الالتزامات الدفاعية، وإنما بقدرتها على تطوير آليات للتشاور وتبادل المعلومات والتنسيق العسكري وحماية المجالين الجوي والبحري، وبمدى التزامها بأهداف دفاعية واضحة لا تقود إلى توسيع الصراع. والأهم أن تكون هذه الترتيبات جزءا من رؤية عربية وإقليمية أوسع، لا بديلا عن العمل العربي المشترك.
وتتحمل مصر والسعودية مسؤولية خاصة في بلورة هذه الرؤية. فالسعودية، بحكم موقعها وثقلها في الخليج والعالم العربي والإسلامي، معنية بمباشرة ببناء قدرة إقليمية تمنع تكرار الاعتداءات على أراضيها وتحمى أمن الممرات البحرية المحيطة بها. أما مصر، فإن أمن الخليج والبحر الأحمر وحرية الملاحة في قناة السويس ترتبط جميعها ارتباطا مباشرا بأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. ولذلك فإن دعم القاهرة لأمن السعودية في مواجهة الاعتداءات الحوثية لا ينبغي النظر إليه باعتباره استجابة ظرفية، بل تعبيرا عن ضرورة بناء مسؤولية عربية مشتركة عن حماية الدول والممرات الحيوية.
ويمكن لهذا التعاون المصري السعودي أن يشكل نواة لتحرك عربي أوسع، يتضمن تنسيق القدرات الدفاعية، وتطوير وسائل الإنذار المبكر، وحماية المنشآت الاستراتيجية، وتعزيز أمن البحر الأحمر من باب المندب إلى قناة السويس.
كما ينبغي أن يمتد إلى بلورة قواعد سياسية مشتركة للتعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية والإيرانية، بما يمنع ازدواجية المعايير في تعريف الأمن العربي، ويحفظ للدول العربية حقها في اتخاذ المواقف المناسبة وفق القانون الدولي ومصالحها الوطنية.
لكن الردع الجماعي، مهما بلغت أهميته، لن يكون كافيًا إذا لم يقترن بمشروع للأمن الجماعي. فالمنطقة تحتاج إلى عملية سياسية إقليمية تتوافق فيها الدول على مبادئ واضحة: عدم الاعتداء، واحترام السيادة ووحدة الأراضي، ومنع استخدام المليشيات لتهديد الدول الأخرى، وضمان حرية الملاحة، والامتناع عن فرض الوقائع بالقوة.
في الحالة الإسرائيلية، لا يمكن فصل أي ترتيب أمني مستدام عن القضية الفلسطينية. فالأمن الذي يُبنى على استمرار الاحتلال، وإنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية، والاعتماد المتكرر على القوة العسكرية، سيظل أمنا هشا، حتى لو أبرمت إسرائيل تفاهمات ثنائية مع بعض الدول العربية. وفي الحالة الإيرانية، لا يمكن الحديث عن استعادة الثقة من دون وقف الاعتداءات واحترام حرية الملاحة والتوقف عن استخدام الجماعات المسلحة لتهديد أمن الجوار العربي. وبذلك تصبح قواعد الأمن الجماعي إطارًا لمساءلة جميع الأطراف عن سلوكها، لا وسيلة لمنح أي منها شرعية مجانية أو إعفاءها من التزاماته.
إن مسؤولية العرب اليوم هي الانتقال من إدارة الأزمات إلى المشاركة الفاعلة في صياغة قواعد النظام الإقليمي. فلا الوساطة وحدها تحمي الدول من الاعتداءات المتكررة، ولا الردع العسكري وحده يضمن سلامًا مستدامًا. المطلوب هو الجمع بين قدرة دفاعية جماعية تحمي المصالح العربية، ودبلوماسية نشطة تفتح أبواب التفاوض، ومشروع سياسي يضع قيودًا على استخدام القوة ويضمن احترام الحقوق والسيادة.
وعلى مصر والسعودية أن تقودا هذا التحرك انطلاقًا من إدراك أن الأمن العربي لا يتحقق بمواجهة إيران وحدها، ولا بالتكيف مع السياسات الإسرائيلية، ولا بالاعتماد على المظلة الأمريكية بمفردها، إنه يتطلب بناء قدرة عربية مستقلة على الردع، وشبكة من الشراكات الإقليمية والدولية، ومسارا للأمن الجماعي يضع إيران وإسرائيل وسائر دول المنطقة أمام القواعد نفسها. فالمعيار الذي ينبغي أن يحكم العلاقات الإقليمية ليس هوية الدولة أو تحالفاتها، وإنما احترامها سيادة الآخرين وامتناعها عن الاعتداء والتزامها بالقانون الدولي.
وعندئذ فقط يمكن الانتقال من توازنات القوة المتقلبة إلى نظام إقليمي أكثر استقرارا، لا يُترك فيه الأمن العربي رهينة لقرارات طهران أو تل أبيب أو واشنطن، بل يصبح ثمرة قدرة عربية على حماية المصالح، وفرض احترام السيادة، والتفاوض من موقع القوة، والمشاركة في بناء أمن جماعي لا يستثني أحدًا ولا يمنح أحدًا حق فرض إرادته على الآخرين.
{ أستاذ العلوم السياسية
في جامعة القاهرة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك