العدد : ١٧٧٥٧ - الأربعاء ٠٤ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٧ - الأربعاء ٠٤ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تحديات الأمن العربي في مواجهة إيران وإسرائيل

بقلم: د. عمرو حمزاوي

الثلاثاء ٠٣ نوفمبر ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬يعد‭ ‬ممكنا‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬أزمات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الراهنة‭ ‬باعتبارها‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬المواجهات‭ ‬المنفصلة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬احتواء‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬حدة،‭ ‬أو‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬التهدئة‭ ‬بين‭ ‬بعض‭ ‬الأطراف‭ ‬كافية‭ ‬لإعادة‭ ‬الاستقرار‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭. ‬

فالحروب‭ ‬المتعاقبة،‭ ‬والاعتداءات‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬ومحاولات‭ ‬فرض‭ ‬الوقائع‭ ‬بالقوة،‭ ‬وتوظيف‭ ‬المليشيات‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تهديد‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬الدولية،‭ ‬تكشف‭ ‬جميعها‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬أعمق‭ ‬تتعلق‭ ‬بطبيعة‭ ‬النظام‭ ‬الأمني‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وبغياب‭ ‬قواعد‭ ‬ملزمة‭ ‬تحكم‭ ‬سلوك‭ ‬دوله‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬المطروح‭ ‬أمام‭ ‬العرب‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬السلوك‭ ‬الإيراني‭ ‬المزعزع‭ ‬للاستقرار،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬السياسات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬وتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬العمليات‭ ‬الحربية‭ ‬وفرض‭ ‬معادلات‭ ‬أمنية‭ ‬وسياسية‭ ‬أحادية‭ ‬على‭ ‬الجوار‭ ‬العربي‭.‬

إن‭ ‬إدراك‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬يقتضي‭ ‬تجاوز‭ ‬التصورات‭ ‬التي‭ ‬تختزل‭ ‬أمن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬عربية‭ ‬إيرانية،‭ ‬أو‭ ‬تفترض‭ ‬أن‭ ‬التقارب‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يوفر‭ ‬بديلًا‭ ‬عن‭ ‬معالجة‭ ‬مصادر‭ ‬التهديد‭ ‬الأخرى‭. ‬فالأمن‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬تجاهل‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬تمثلها‭ ‬إيران،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستقر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التسليم‭ ‬بحرية‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬ضد‭ ‬الدول‭ ‬والمجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬رؤيتها‭ ‬للأمن‭ ‬الإقليمي‭.‬

‭ ‬وما‭ ‬تحتاج‭ ‬إليه‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬هو‭ ‬بلورة‭ ‬مفهوم‭ ‬مستقل‭ ‬لأمنها‭ ‬القومي،‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬السيادة‭ ‬ووحدة‭ ‬الدول‭ ‬وحرمة‭ ‬أراضيها،‭ ‬ويواجه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬هوية‭ ‬مرتكبيها،‭ ‬ويجمع‭ ‬بين‭ ‬بناء‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الردع‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬ترتيبات‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬تكرار‭ ‬الحروب‭.‬

لقد‭ ‬أسهم‭ ‬السلوك‭ ‬الإيراني‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬تقويض‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬طهران‭ ‬وجوارها‭ ‬العربي‭ ‬المباشر‭. ‬فالاعتداءات‭ ‬التي‭ ‬طالت‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬باعتباره‭ ‬أداة‭ ‬ضغط‭ ‬يمكن‭ ‬استخدامها‭ ‬لفرض‭ ‬الإرادة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬واستمرار‭ ‬دعم‭ ‬جماعات‭ ‬مسلحة‭ ‬تتدخل‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬أو‭ ‬تهدد‭ ‬أمنها،‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬استعادة‭ ‬علاقات‭ ‬طبيعية‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬وجيرانها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تغيير‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الإيرانية‭.‬‭ ‬فمضيق‭ ‬هرمز‭ ‬ممر‭ ‬دولي‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬إخضاع‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬فيه‭ ‬للحسابات‭ ‬السياسية‭ ‬لدولة‭ ‬واحدة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أمن‭ ‬السعودية‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬رهينة‭ ‬للتهديدات‭ ‬التي‭ ‬تمارسها‭ ‬جماعات‭ ‬مسلحة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بإيران‭ ‬أو‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬حساباتها‭ ‬الإقليمية‭.‬

لكن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بهذه‭ ‬المخاطر‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬إغفال‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬للأزمة‭. ‬فإسرائيل‭ ‬بدورها‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬واستخدام‭ ‬القوة‭ ‬باعتبارهما‭ ‬وسيلتين‭ ‬أساسيتين‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬البيئة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬ولبنان،‭ ‬والعمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬إقليمية‭ ‬أخرى،‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تكتفى‭ ‬بالدفاع‭ ‬عن‭ ‬أراضيها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التهديدات،‭ ‬بل‭ ‬تسعى‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬وقائع‭ ‬ميدانية‭ ‬وسياسية‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬المواجهة‭ ‬المباشرة‭. ‬ويضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬استمرار‭ ‬الاحتلال‭ ‬وغياب‭ ‬تسوية‭ ‬عادلة‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬بما‭ ‬يبقي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬الصراع‭ ‬مفتوحا‭ ‬ويحول‭ ‬دون‭ ‬بناء‭ ‬علاقات‭ ‬إقليمية‭ ‬مستقرة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الاعتراف‭ ‬المتبادل‭ ‬بالحقوق‭ ‬والمصالح‭.‬

ولا‭ ‬يعني‭ ‬وضع‭ ‬إيران‭ ‬وإسرائيل‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬واحدة‭ ‬تجاهل‭ ‬الفروق‭ ‬بين‭ ‬سياساتهما‭ ‬أو‭ ‬مساواة‭ ‬كل‭ ‬أفعالهما‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬القانونية‭ ‬والسياسية‭. ‬فلكل‭ ‬دولة‭ ‬أدواتها‭ ‬وحساباتها‭ ‬ومسؤولياتها،‭ ‬ويتعين‭ ‬تقييم‭ ‬كل‭ ‬اعتداء‭ ‬وفق‭ ‬وقائعه‭ ‬والقواعد‭ ‬الدولية‭ ‬المنطبقة‭ ‬عليه‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المنظور‭ ‬العربي‭ ‬للأمن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يسمح‭ ‬لأي‭ ‬طرف،‭ ‬إيرانيًا‭ ‬كان‭ ‬أو‭ ‬إسرائيليًا،‭ ‬باحتكار‭ ‬تعريف‭ ‬التهديدات‭ ‬وتحديد‭ ‬الوسائل‭ ‬المقبولة‭ ‬لمواجهتها‭. ‬فالمشكلة‭ ‬الجوهرية‭ ‬هي‭ ‬غياب‭ ‬قواعد‭ ‬إقليمية‭ ‬ملزمة‭ ‬تمنع‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬لفرض‭ ‬الإرادة،‭ ‬وتحول‭ ‬دون‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬للدول،‭ ‬وتضمن‭ ‬احترام‭ ‬السيادة‭ ‬وحرية‭ ‬الملاحة‭ ‬وحقوق‭ ‬الشعوب‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬ضرورة‭ ‬انتقال‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الوساطة‭ ‬وحدها‭ ‬إلى‭ ‬الجمع‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الردع‭. ‬لقد‭ ‬أظهرت‭ ‬تجارب‭ ‬التهدئة‭ ‬أن‭ ‬الحوار‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬مساحات‭ ‬لتخفيف‭ ‬التوتر،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬استئناف‭ ‬العلاقات‭ ‬السعودية‭ ‬الإيرانية‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬وحده‭ ‬تغيير‭ ‬حسابات‭ ‬الأطراف‭ ‬التي‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬أو‭ ‬التهديد‭ ‬بها‭ ‬سيحقق‭ ‬لها‭ ‬مكاسب‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬التفاوض‭. ‬وبالمثل،‭ ‬فإن‭ ‬مسارات‭ ‬التطبيع‭ ‬أو‭ ‬التفاهمات‭ ‬الأمنية‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تضمن‭ ‬بذاتها‭ ‬احترام‭ ‬المصالح‭ ‬العربية،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تقترن‭ ‬بالتزامات‭ ‬واضحة‭ ‬بشأن‭ ‬عدم‭ ‬الاعتداء،‭ ‬واحترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول،‭ ‬وإنهاء‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وتسوية‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭.‬

فالردع‭ ‬المطلوب‭ ‬عربيًا‭ ‬ليس‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬مفتوحة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ولا‭ ‬مشروعًا‭ ‬لبناء‭ ‬محور‭ ‬عسكري‭ ‬مغلق‭ ‬يستهدف‭ ‬دولة‭ ‬بعينها‭. ‬إنه‭ ‬قدرة‭ ‬جماعية‭ ‬على‭ ‬منع‭ ‬الاعتداءات،‭ ‬وحماية‭ ‬الأراضي‭ ‬والمنشآت‭ ‬الحيوية‭ ‬والممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬ورفع‭ ‬كلفة‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬القوة،‭ ‬وتأكيد‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬ليست‭ ‬ساحات‭ ‬مفتوحة‭ ‬لتصفية‭ ‬الحسابات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬وكلما‭ ‬امتلك‭ ‬العرب‭ ‬أدوات‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬للتنسيق‭ ‬الدفاعي،‭ ‬أصبحوا‭ ‬أقدر‭ ‬على‭ ‬التفاوض‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا،‭ ‬وأقل‭ ‬تعرضًا‭ ‬لضغوط‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭.‬

وتكتسب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬التفاهمات‭ ‬الدفاعية‭ ‬بين‭ ‬السعودية‭ ‬وتركيا‭ ‬وباكستان‭ ‬أهمية‭ ‬تتجاوز‭ ‬أطرافها‭ ‬المباشرة‭. ‬فالتعاون‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬يفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬توزيع‭ ‬أوسع‭ ‬لمسؤولية‭ ‬حماية‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي،‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬الحصري‭ ‬على‭ ‬الضمانات‭ ‬الأمريكية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬التفاهمات‭ ‬لن‭ ‬تتحدد‭ ‬بمجرد‭ ‬إعلان‭ ‬الالتزامات‭ ‬الدفاعية،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬آليات‭ ‬للتشاور‭ ‬وتبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬والتنسيق‭ ‬العسكري‭ ‬وحماية‭ ‬المجالين‭ ‬الجوي‭ ‬والبحري،‭ ‬وبمدى‭ ‬التزامها‭ ‬بأهداف‭ ‬دفاعية‭ ‬واضحة‭ ‬لا‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬الصراع‭. ‬والأهم‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الترتيبات‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬عربية‭ ‬وإقليمية‭ ‬أوسع،‭ ‬لا‭ ‬بديلا‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك‭.‬

وتتحمل‭ ‬مصر‭ ‬والسعودية‭ ‬مسؤولية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭. ‬فالسعودية،‭ ‬بحكم‭ ‬موقعها‭ ‬وثقلها‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي،‭ ‬معنية‭ ‬بمباشرة‭ ‬ببناء‭ ‬قدرة‭ ‬إقليمية‭ ‬تمنع‭ ‬تكرار‭ ‬الاعتداءات‭ ‬على‭ ‬أراضيها‭ ‬وتحمى‭ ‬أمن‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬المحيطة‭ ‬بها‭. ‬أما‭ ‬مصر،‭ ‬فإن‭ ‬أمن‭ ‬الخليج‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وحرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬ترتبط‭ ‬جميعها‭ ‬ارتباطا‭ ‬مباشرا‭ ‬بأمنها‭ ‬القومي‭ ‬ومصالحها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستراتيجية‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬دعم‭ ‬القاهرة‭ ‬لأمن‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الحوثية‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬باعتباره‭ ‬استجابة‭ ‬ظرفية،‭ ‬بل‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬ضرورة‭ ‬بناء‭ ‬مسؤولية‭ ‬عربية‭ ‬مشتركة‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬الدول‭ ‬والممرات‭ ‬الحيوية‭.‬

ويمكن‭ ‬لهذا‭ ‬التعاون‭ ‬المصري‭ ‬السعودي‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬نواة‭ ‬لتحرك‭ ‬عربي‭ ‬أوسع،‭ ‬يتضمن‭ ‬تنسيق‭ ‬القدرات‭ ‬الدفاعية،‭ ‬وتطوير‭ ‬وسائل‭ ‬الإنذار‭ ‬المبكر،‭ ‬وحماية‭ ‬المنشآت‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬أمن‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬إلى‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭. ‬

كما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬بلورة‭ ‬قواعد‭ ‬سياسية‭ ‬مشتركة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الاعتداءات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والإيرانية،‭ ‬بما‭ ‬يمنع‭ ‬ازدواجية‭ ‬المعايير‭ ‬في‭ ‬تعريف‭ ‬الأمن‭ ‬العربي،‭ ‬ويحفظ‭ ‬للدول‭ ‬العربية‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬المواقف‭ ‬المناسبة‭ ‬وفق‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬ومصالحها‭ ‬الوطنية‭.‬

لكن‭ ‬الردع‭ ‬الجماعي،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬أهميته،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬كافيًا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يقترن‭ ‬بمشروع‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي‭. ‬فالمنطقة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬سياسية‭ ‬إقليمية‭ ‬تتوافق‭ ‬فيها‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬واضحة‭: ‬عدم‭ ‬الاعتداء،‭ ‬واحترام‭ ‬السيادة‭ ‬ووحدة‭ ‬الأراضي،‭ ‬ومنع‭ ‬استخدام‭ ‬المليشيات‭ ‬لتهديد‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬وضمان‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة،‭ ‬والامتناع‭ ‬عن‭ ‬فرض‭ ‬الوقائع‭ ‬بالقوة‭.‬

في‭ ‬الحالة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬أي‭ ‬ترتيب‭ ‬أمني‭ ‬مستدام‭ ‬عن‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭. ‬فالأمن‭ ‬الذي‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وإنكار‭ ‬الحقوق‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬والاعتماد‭ ‬المتكرر‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬سيظل‭ ‬أمنا‭ ‬هشا،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬أبرمت‭ ‬إسرائيل‭ ‬تفاهمات‭ ‬ثنائية‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭. ‬وفي‭ ‬الحالة‭ ‬الإيرانية،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬استعادة‭ ‬الثقة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وقف‭ ‬الاعتداءات‭ ‬واحترام‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬والتوقف‭ ‬عن‭ ‬استخدام‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬لتهديد‭ ‬أمن‭ ‬الجوار‭ ‬العربي‭. ‬وبذلك‭ ‬تصبح‭ ‬قواعد‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬إطارًا‭ ‬لمساءلة‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬عن‭ ‬سلوكها،‭ ‬لا‭ ‬وسيلة‭ ‬لمنح‭ ‬أي‭ ‬منها‭ ‬شرعية‭ ‬مجانية‭ ‬أو‭ ‬إعفاءها‭ ‬من‭ ‬التزاماته‭.‬

إن‭ ‬مسؤولية‭ ‬العرب‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬إلى‭ ‬المشاركة‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬قواعد‭ ‬النظام‭ ‬الإقليمي‭. ‬فلا‭ ‬الوساطة‭ ‬وحدها‭ ‬تحمي‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬الاعتداءات‭ ‬المتكررة،‭ ‬ولا‭ ‬الردع‭ ‬العسكري‭ ‬وحده‭ ‬يضمن‭ ‬سلامًا‭ ‬مستدامًا‭. ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬قدرة‭ ‬دفاعية‭ ‬جماعية‭ ‬تحمي‭ ‬المصالح‭ ‬العربية،‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬نشطة‭ ‬تفتح‭ ‬أبواب‭ ‬التفاوض،‭ ‬ومشروع‭ ‬سياسي‭ ‬يضع‭ ‬قيودًا‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬ويضمن‭ ‬احترام‭ ‬الحقوق‭ ‬والسيادة‭.‬

وعلى‭ ‬مصر‭ ‬والسعودية‭ ‬أن‭ ‬تقودا‭ ‬هذا‭ ‬التحرك‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬الأمن‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بمواجهة‭ ‬إيران‭ ‬وحدها،‭ ‬ولا‭ ‬بالتكيف‭ ‬مع‭ ‬السياسات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬ولا‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬المظلة‭ ‬الأمريكية‭ ‬بمفردها،‭ ‬إنه‭ ‬يتطلب‭ ‬بناء‭ ‬قدرة‭ ‬عربية‭ ‬مستقلة‭ ‬على‭ ‬الردع،‭ ‬وشبكة‭ ‬من‭ ‬الشراكات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية،‭ ‬ومسارا‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬يضع‭ ‬إيران‭ ‬وإسرائيل‭ ‬وسائر‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬أمام‭ ‬القواعد‭ ‬نفسها‭. ‬فالمعيار‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يحكم‭ ‬العلاقات‭ ‬الإقليمية‭ ‬ليس‭ ‬هوية‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬تحالفاتها،‭ ‬وإنما‭ ‬احترامها‭ ‬سيادة‭ ‬الآخرين‭ ‬وامتناعها‭ ‬عن‭ ‬الاعتداء‭ ‬والتزامها‭ ‬بالقانون‭ ‬الدولي‭.‬

وعندئذ‭ ‬فقط‭ ‬يمكن‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬توازنات‭ ‬القوة‭ ‬المتقلبة‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬إقليمي‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارا،‭ ‬لا‭ ‬يُترك‭ ‬فيه‭ ‬الأمن‭ ‬العربي‭ ‬رهينة‭ ‬لقرارات‭ ‬طهران‭ ‬أو‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬أو‭ ‬واشنطن،‭ ‬بل‭ ‬يصبح‭ ‬ثمرة‭ ‬قدرة‭ ‬عربية‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬المصالح،‭ ‬وفرض‭ ‬احترام‭ ‬السيادة،‭ ‬والتفاوض‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬القوة،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬أمن‭ ‬جماعي‭ ‬لا‭ ‬يستثني‭ ‬أحدًا‭ ‬ولا‭ ‬يمنح‭ ‬أحدًا‭ ‬حق‭ ‬فرض‭ ‬إرادته‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭.‬

‭ ‬

{‭ ‬أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا