العدد : ١٧٧٥٧ - الأربعاء ٠٤ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٧ - الأربعاء ٠٤ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

مخاطر دعوات ترحيل المسلمين من أوروبا

بقلم: عمرو حلمي

الأربعاء ٠٤ نوفمبر ٢٠٢٦ - 02:00

‭ ‬فجّرت‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬أوروبا‭ ‬حالياً‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬الدعوات‭ ‬المطالبة‭ ‬بإقصاء‭ ‬المسلمين‭ ‬وترحيلهم‭ ‬جماعياً،‭ ‬وأعادت‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬خطاباً‭ ‬سياسياً‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬الاضطرابات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والهجرة‭ ‬والتحولات‭ ‬الديموغرافية،‭ ‬ويصور‭ ‬الوجود‭ ‬الإسلامي‭ ‬باعتباره‭ ‬تهديداً‭ ‬للهوية‭ ‬الأوروبية‭. ‬وتكمن‭ ‬خطورة‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬في‭ ‬تجاوزه‭ ‬الخلاف‭ ‬حول‭ ‬سياسات‭ ‬الهجرة‭ ‬والاندماج‭ ‬إلى‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬ملايين‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬المواطنة‭ ‬والانتماء،‭ ‬بما‭ ‬ينذر‭ ‬بتحويل‭ ‬الاختلاف‭ ‬الديني‭ ‬والثقافي‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬للاستقطاب‭.‬

ويستند‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬إلي‭ ‬ادعاءات‭ ‬بأن‭ ‬الإسلام‭ ‬لا‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬القيم‭ ‬الأوروبية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬العلمانية‭ ‬والحرية‭ ‬الفردية‭ ‬والمساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين،‭ ‬مستشهداً‭ ‬بممارسات‭ ‬تتعلق‭ ‬بالحجاب‭ ‬والنقاب‭ ‬وزواج‭ ‬القاصرات‭ ‬والتطرف‭ ‬والإرهاب‭. ‬وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬الحجج‭ ‬ثقلاً‭ ‬سياسياً‭ ‬عندما‭ ‬تتبناها‭ ‬شخصيات‭ ‬مثل‭ ‬جيرت‭ ‬فيلدز‭ ‬في‭ ‬هولندا،‭ ‬وفيكتور‭ ‬اوربان‭ ‬في‭ ‬المجر،‭ ‬ومارين‭ ‬لوبان‭ ‬وإريك‭ ‬زيمور‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مواقف‭ ‬متطرفة‭ ‬في‭ ‬بولندا،‭ ‬وتتقاطع‭ ‬مع‭ ‬خطاب‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ترامب‭ ‬بشأن‭ ‬الهجرة‭ ‬والتحولات‭ ‬الديموغرافية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭.‬

وتكشف‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬عن‭ ‬توظيف‭ ‬متزايد‭ ‬للهوية‭ ‬الدينية‭ ‬والثقافية‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭ ‬السياسية؛‭ ‬فمع‭ ‬تراجع‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬يصبح‭ ‬تحميل‭ ‬جماعات‭ ‬بعينها‭ ‬مسؤولية‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭ ‬وسيلة‭ ‬لتعبئة‭ ‬الناخبين‭ ‬وتوسيع‭ ‬النفوذ‭ ‬السياسي‭.‬

‭ ‬وهكذا‭ ‬تتحول‭ ‬المخاوف‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالسكن‭ ‬والأجور‭ ‬والخدمات‭ ‬والأمن‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬حول‭ ‬هوية‭ ‬المجتمع،‭ ‬مع‭ ‬إغفال‭ ‬الأسباب‭ ‬الأعمق‭ ‬للأزمات‭ ‬والخلط‭ ‬بين‭ ‬المسؤولية‭ ‬الفردية‭ ‬والانتماء‭ ‬الديني‭.‬

وقد‭ ‬وفرت‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬والاضطرابات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬دول‭ ‬أوروبية،‭ ‬بينها‭ ‬فرنسا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬وبلجيكا‭ ‬والبرتغال،‭ ‬فرصة‭ ‬لتوسيع‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬اقترنت‭ ‬بأعمال‭ ‬عنف‭ ‬ونهب‭ ‬وتخريب‭. ‬

غير‭ ‬أن‭ ‬جرائم‭ ‬الأفراد‭ ‬لا‭ ‬تبرر‭ ‬تحميل‭ ‬جماعات‭ ‬دينية‭ ‬بأكملها‭ ‬مسؤوليتها،‭ ‬أو‭ ‬اتخاذها‭ ‬ذريعة‭ ‬للتشكيك‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬المواطنة‭ ‬والانتماء‭. ‬ويكمن‭ ‬الخطر‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬لتبرير‭ ‬التمييز‭ ‬والإقصاء،‭ ‬بما‭ ‬يضعف‭ ‬التماسك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ويعمّق‭ ‬الانقسامات‭ ‬التي‭ ‬تستفيد‭ ‬منها‭ ‬التيارات‭ ‬المتطرفة‭.‬

وتُستخدم‭ ‬المخاوف‭ ‬الديموغرافية‭ ‬لتدعيم‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬المسلمين‭ ‬لا‭ ‬يمثلون‭ ‬أغلبية‭ ‬سكانية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬الكبري‭. ‬ووفق‭ ‬تقديرات‭ ‬مركز‭ ‬بيو‭ ‬للأبحاث‭ ‬لعام‭ ‬2025،‭ ‬فقد‭ ‬بلغت‭ ‬نسبتهم‭ ‬نحو‭ ‬9‭.‬1‭%‬‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬و6‭.‬5‭%‬‭ ‬في‭ ‬ألمانيا،‭ ‬و6‭.‬4‭%‬‭ ‬في‭ ‬بريطانيا،‭ ‬و4‭.‬4‭%‬‭ ‬في‭ ‬إيطاليا،‭ ‬مقابل‭ ‬نحو‭ ‬6‭%‬‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬سكان‭ ‬أوروبا‭. ‬ولا‭ ‬تشير‭ ‬هذه‭ ‬الإحصاءات‭ ‬إلى‭ ‬تحول‭ ‬المسلمين‭ ‬إلى‭ ‬أغلبية‭ ‬سكانية،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬توظيف‭ ‬التغيرات‭ ‬الديموغرافية‭ ‬لتبرير‭ ‬إقصائهم‭ ‬أو‭ ‬ترحيلهم‭ ‬جماعياً‭ ‬يعكس‭ ‬تحويل‭ ‬المخاوف‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالهوية‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬للاستقطاب‭ ‬السياسي‭.‬

ولا‭ ‬يعني‭ ‬رفض‭ ‬التمييز‭ ‬تجاهل‭ ‬المشكلات‭ ‬الحقيقية؛‭ ‬فمن‭ ‬حق‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬مكافحة‭ ‬الإرهاب‭ ‬والتطرف،‭ ‬وحماية‭ ‬النساء‭ ‬والأطفال،‭ ‬وتطبيق‭ ‬القانون‭ ‬على‭ ‬الجميع‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يتعين‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإسلامية‭ ‬مواجهة‭ ‬الأفكار‭ ‬المتشددة،‭ ‬وتصحيح‭ ‬الخطاب‭ ‬الديني‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬المواطنة‭ ‬والتسامح‭ ‬واحترام‭ ‬المعتقدات‭ ‬الأخرى‭. ‬فالدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬المسلمين‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬النقد‭ ‬الذاتي‭ ‬والإصلاح‭.‬

وتبرز‭ ‬هنا‭ ‬مسؤولية‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وخاصة‭ ‬المؤسسات‭ ‬المعنية‭ ‬بالتعليم‭ ‬والإفتاء،‭ ‬عن‭ ‬تطوير‭ ‬برامج‭ ‬فاعلة‭ ‬لمواجهة‭ ‬التطرف‭ ‬وتصحيح‭ ‬المفاهيم‭ ‬المغلوطة‭. ‬وتقدم‭ ‬‮«‬وثيقة‭ ‬الأخوة‭ ‬الإنسانية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السلام‭ ‬العالمي‭ ‬والعيش‭ ‬المشترك‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬وقّعها‭ ‬الإمام‭ ‬الأكبر‭ ‬الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬أحمد‭ ‬الطيب‭ ‬شيخ‭ ‬الأزهر،‭ ‬والبابا‭ ‬فرنسيس‭ ‬بابا‭ ‬الفاتيكان،‭ ‬في‭ ‬أبوظبي‭ ‬عام‭ ‬2019،‭ ‬نموذجاً‭ ‬مهماً‭ ‬للحوار‭ ‬بين‭ ‬الأديان،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الكرامة‭ ‬الإنسانية‭ ‬المشتركة‭ ‬ورفض‭ ‬التمييز‭ ‬وتعزيز‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭. ‬وينبغي‭ ‬تحويل‭ ‬مبادئها‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬تعليمية‭ ‬وثقافية‭ ‬وحوارات‭ ‬مجتمعية‭ ‬مستدامة،‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬الديني‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬المواطنة‭ ‬واحترام‭ ‬القانون‭.‬

واستناداً‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬تتحمل‭ ‬قيادات‭ ‬الجاليات‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬مسؤولية‭ ‬تعزيز‭ ‬اندماج‭ ‬الأجيال‭ ‬الجديدة،‭ ‬وتوسيع‭ ‬الحوار‭ ‬مع‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬والمجتمعية،‭ ‬وإدانة‭ ‬العنف‭ ‬والتصدي‭ ‬للتطرف،‭ ‬ودعم‭ ‬مشاركة‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬العامة‭. ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شريكاً‭ ‬فاعلاً‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬المرأة‭ ‬والطفل‭ ‬واحترام‭ ‬القانون،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الثقة‭ ‬المتبادلة‭ ‬ويحول‭ ‬دون‭ ‬استغلال‭ ‬أوجه‭ ‬القصور‭ ‬لتبرير‭ ‬التعميم‭ ‬والإقصاء‭.‬

إن‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬مسؤولية‭ ‬مشتركة؛‭ ‬فالدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬مطالبة‭ ‬بصون‭ ‬المساواة‭ ‬والمواطنة‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬الإسلامية‭ ‬بتصحيح‭ ‬خطابها،‭ ‬والجاليات‭ ‬المسلمة‭ ‬بتعزيز‭ ‬الاندماج‭ ‬ومعالجة‭ ‬الممارسات‭ ‬المخالفة‭ ‬للحقوق‭ ‬الأساسية‭. ‬وبين‭ ‬رفض‭ ‬الإقصاء‭ ‬وضرورة‭ ‬الإصلاح،‭ ‬تظل‭ ‬وثيقة‭ ‬الأخوة‭ ‬الإنسانية‭ ‬إطاراً‭ ‬يمكن‭ ‬البناء‭ ‬عليه‭ ‬لإدارة‭ ‬التنوع،‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬المسلمين،‭ ‬ومواجهة‭ ‬الاستقطاب‭ ‬والتطرف،‭ ‬وترسيخ‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬باعتباره‭ ‬مصلحة‭ ‬مشتركة‭ ‬للجميع‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬ودبلوماسي‭ ‬سابق‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا