في تجارب السلام بالشرق الأوسط مفارقة تلفت النظر: الوصول إلى طاولة التفاوض يتطلب شجاعة سياسية كبيرة، غير أن هذه الشجاعة وحدها لا تصنع سلامًا مستقرًا. قد يقتنع طرفان بأن استمرار الصراع صار أغلى من تسويته، فيقدّمان تنازلات يصعب عليهما تبريرها أمام جمهورَيهما، ثم لا يلبثان أن يكتشفا أن الاتفاق الذي وقّعاه ترك القضايا التي أنتجت الصراع أصلًا على حالها.
هذه المفارقة تعيدنا إلى مفهوم «سلام الشجعان» الذي اقترن بتجربة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ومسار التفاوض مع إسرائيل. أراده عرفات سلامًا حقيقيًا قائمًا على قيم العدل والمساواة والحق، بعيدًا عن أوهام القوة وقوة الأوهام. ويزداد حضور المفهوم اليوم والشرق الأوسط يتنقل بين هدن واتفاقات ومحاولات متتالية لاحتواء الأزمات، بينما تبقى أسباب كثيرة للصراع قائمة، ويظل احتمال العودة إلى المواجهة حاضرًا.
وفي مقاله «السلام القلق.. معادلة الداخل والخارج التي لا تنفصم»، المنشور في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 29 أكتوبر 2026، ينبّه الكاتب الإماراتي الدكتور صلاح الغول إلى أن هشاشة الأوضاع الداخلية، حين تلتقي بالتنافس الخارجي والتدخلات، تُطيل عمر الصراعات. ولعل هذه الفكرة تفتح بابًا لسؤال آخر: كيف تتحول التسوية من قرار سياسي بوقف المواجهة إلى صيغة تعيش المجتمعات في ظلها، وتقدر الدول على حمايتها من الانتكاس؟
قيمة تجربة الرئيس ياسر عرفات لا تقف عند قرار التفاوض ذاته؛ فقد أدرك أن القضية الفلسطينية لا يمكن أن تبقى رهينة مواجهة مفتوحة بلا نهاية، وأن العمل السياسي والدبلوماسي قادر على فتح طريق نحو الأهداف الوطنية. غير أن المسار الذي انطلق باتفاق أوسلو عام 1993 لم ينتهِ إلى الدولة الفلسطينية المستقلة التي تطلّع إليها الفلسطينيون. بقيت الحدود والقدس واللاجئون والمستوطنات والأمن ملفات عالقة، وازدادت الفجوة اتساعًا بين الوعود السياسية وما يجري على الأرض.
ومع ذلك لا يصح اختزال هذه النتيجة في قرار اتخذه قائد واحد، ولا اعتبارها حجة على أن التفاوض كان خطأ من أساسه. فقد اجتمعت فيها حسابات إسرائيلية وفلسطينية، واختلال في موازين القوة، وخلافات داخلية، وتحولات إقليمية ودولية، أبعدت جميعها مفهوم سلام الشجعان عن معناه الحقيقي والمبتغى. ويبقى سؤال صعب تفرضه التجربة: ما جدوى الشجاعة التي تدفع الأطراف إلى بدء السلام إذا غابت الإرادة والقدرة على استكمال شروطه؟
التفاوض، مهما عظمت أهميته، بداية لطريق قد يطول ويتعثر. وربما ينجح في وقف إطلاق النار أو تنظيم انسحاب أو إقامة ترتيبات أمنية مؤقتة، لكن جوهر النزاع يظل بلا حل. وعندها تصبح التسوية أقرب إلى استراحة بين جولتين من الصراع منها إلى انتقال حقيقي إلى مرحلة جديدة.
وتبدو المشكلة أوضح ما تكون في القضية الفلسطينية. وقف القتال في غزة، إن تحقق واستمر، خطوة لا غنى عنها لإنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة وفتح الباب أمام الإغاثة وإعادة الإعمار. لكن أسئلة الحكم والأمن والحقوق الوطنية، ومستقبل القطاع وصلته بالمشروع السياسي الفلسطيني، لا تحتمل التأجيل إلى أجل غير مسمى. وحتى إعادة بناء ما دمّرته الحرب لن تكفي إذا ظل السكان يخشون تكرارها، أو عولجت احتياجاتهم الإنسانية بمعزل عن حقوقهم السياسية.
هذا لا يعني أن كل اتفاق يؤجل القضايا الكبرى محكوم عليه بالفشل. ففي بعض النزاعات يكون الاتفاق المرحلي الخيار الواقعي الوحيد، وقد يكون تثبيت الهدنة إنجازًا لا يصح الاستهانة به. غير أن الفرق شاسع بين مرحلة انتقالية لها غاية معلنة وجدول سياسي يمكن متابعته، ووضع مؤقت يتحول مع الزمن إلى بديل عن الحل. الأولى تتراكم فيها الثقة والخطوات العملية؛ أما الثاني فقد يستغل كل طرف وقته لإعادة ترتيب أوراقه، فتتراجع فرص التسوية.
والمسألة لا تخص فلسطين وحدها. ففي لبنان يصعب فصل أي ترتيب مستدام لوقف المواجهات عن قدرة الدولة على بسط سلطتها، وعن التناقض بين القرار الوطني في الحرب والسلم وتعدد مراكز القوة المسلحة. ويزيد المشهد تعقيدًا التعنت الإسرائيلي في الانخراط بعملية تفاوض جادة.
الحالتان الفلسطينية واللبنانية تقولان الشيء نفسه: الاتفاقات لا تعمل في فراغ. إنها تحتاج مؤسسات تنفذها، وقوى سياسية ترى مصلحتها في بقائها، ومجتمعًا لا يشعر بأنه يسدد ثمن تسوية صيغت بعيدًا عن مطالبه. وتحتاج أيضًا إلى بيئة إقليمية لا تتحول فيها الانقسامات الداخلية إلى أدوات دائمة لتصفية الحسابات بين الدول.
من هنا تتضح الصلة بين الداخل والخارج التي عالجها صلاح الغول باقتدار. التدخل الخارجي قادر على تعميق الانقسام وإطالة الصراع، لكنه كثيرًا ما يجد ثغراته في ضعف الدولة أو انعدام الثقة بين مكوناتها. وفي المقابل، لا يكفي إصلاح الداخل إذا كان بوسع أطراف خارجية تقويض أي تفاهم، أو كانت التسوية تتجاهل مخاوف أمنية ومصالح إقليمية مؤثرة. والمطلوب في النهاية تسوية تصمد أمام العاملين معًا، لا الاكتفاء بتفسير داخلي أو خارجي للأزمات.
على أن هذا التشخيص لا يبرر اشتراط سلام كامل ومثالي قبل أي خطوة؛ فالتاريخ لا يمنح ضمانات كهذه، وانتظار الظروف المثالية قد يعني ترك الحروب تستنزف المجتمعات بلا نهاية. المطلوب هو التمييز بين تسوية تخفف العنف وتفتح طريقًا لمعالجة أسبابه، وأخرى تكتفي بإدارة الصراع مع بقاء احتمال انفجاره. وبهذا المعيار ينبغي أن تُقيَّم الاتفاقات، لا بمجرد توقيعها أو الاحتفاء بها لحظة إعلانها.
أظهر مفهوم «سلام الشجعان» أن الانتقال من المواجهة إلى التفاوض يستلزم قرارًا يتخطى الحسابات الآنية. أما تجربة المنطقة، والمسار الفلسطيني في مقدمتها، فتؤكد أن القرار الشجاع قد يبقى محدود الأثر ما لم تسنده رؤية واضحة لما بعد الاتفاق، وضمانات قابلة للتنفيذ، ومؤسسات قادرة على ترجمة الالتزامات إلى واقع.
ليس عيب السلام أنه يبدأ ناقصًا، فكثير من التسويات تبدأ هكذا. الخطر أن يصير النقص قاعدة دائمة، ويغدو وقف القتال غاية في ذاته بينما تبقى القضايا التي فجّرته معلقة. عندئذ لا يكون السلام قد أنهى الصراع، وإنما غيّر شكله وأجّل موعد المواجهة التالية، فتضيع أسس سلام الشجعان وتستمر حالة السلام القلق التي تعيشها المنطقة.
{ باحث في الشؤون العربية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك