حققت الصين خلال ثلاثة عشر عاماً فقط طفرة كبيرة في مجال التصنيع العسكري البحري، جعلها تمتلك ترسانة متقدمة من السفن الحربية وحاملات الطائرات، وانتقلت من تشغيل سفن ضخمة مستعملة ومستنسخة من تكنولوجيا الحقبة السوفيتية إلى سفن متطورة وصينية بامتياز.
بعيداً عن أحواض السفن الكثيرة التي تمتلكها الصين والأيدي العاملة، والأهم التكنولوجيا المتقدمة والأموال المستثمرة والمتدفقة في هذه الصناعة، بعيداً عن كل ذلك، من المهم التركيز على تجربة صناعة حاملات الطائرات ودخولها الخدمة الصينية.
في عام 2012 دخلت أول حاملة طائرات صينية الخدمة باسم «لياونينغ»، ولم تصنع بالكامل في الصين وإنما حصلت على الهيكل السوفيتي غير المكتمل من أوكرانيا عام 1998 وطورته وأعادت السفينة إلى الخدمة البحرية.
“شاندونغ» الصينية هي حاملة طائرات مستنسخة من نظيرتها السابقة السوفيتية من حيث المواصفات والشكل، لكن صنعت في الصين من الألف إلى الياء ودخلت الخدمة عام 2019، تبعتها حاملة طائرات ثالثة أكثر تطوراً وتستخدم المنجنيقات الكهرومغناطيسية.
الاسم الثالث لحاملة الطائرات الصينية هو «فوجيان»، وهي قطعة حربية صينية التصنيع والهندسة ولم تستنسخ من أي قطعة حربية أخرى، والفارق المهم بينها وبين نظيراتها السابقتين أن «فوجيان» تمثل فخر الصناعة العسكرية الصينية والشاهد على تطور منصاتها البحرية الخاصة.
»فوجيان» متقدمة جداً في تكنولوجيا إطلاق الطائرات، لكنها لا تعمل بالطاقة النووية وإنما بالوقود، وهذا يبقيها على مسافة كبيرة من التنافس مع حاملات الطائرات الأمريكية التي تشتغل محركاتها بالدفع النووي، لكن النقطة الأبرز هنا أن بكين تعمل حالياً على تصنيع حاملة طائرات رابعة تعمل بالوقود النووي.
في عام 2025 كشفت الأقمار الصناعية الحديثة عن ظهور هيكل سفينة كبير في حوض داليان لبناء السفن، وحسب تقديرات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي (CSIS) فإن طول الهيكل بلغ حوالي 322 متراً حتى الشهر الجاري.
التقديرات تشير إلى أن حاملة الطائرات الصينية الجديدة قد تدخل المياه العام المقبل، لكنها ستحتاج إلى وقت أطول حتى تدخل الخدمة، والمهم أنها متطورة جداً وتستوعب من 75 إلى 90 طائرة قتالية متعددة المهام، فضلاً عن استيعاب بين 4000 إلى 5000 فرد على متنها.
ثمة توجه صيني واضح لزيادة عدد حاملات الطائرات على المديَين القريب والبعيد، إذ يحقق لها هذا الهدف ميزة الوصول إلى المحيطات وحماية طرق التجارة الصينية وتوسيع الوجود العسكري في المحيط الهادئ، وكذلك توسيع الحضور في المحيط الهندي وبحر العرب.
وزارة الدفاع الأمريكية أصدرت تقريراً عن القوة العسكرية الصينية أواخر عام 2025، قدّرت فيه أن بكين تسعى إلى إضافة 6 حاملات طائرات ليصبح مجموع حاملات طائراتها 9 حتى عام 2035، في حين تمتلك الولايات المتحدة 11 حاملة طائرات جميعها تعمل بالوقود النووي.
الصين تعد اليوم ثاني أقوى قوة بحرية بعد الولايات المتحدة عند تقييم القوة البحرية الشاملة، وإذا حققت هدف الوصول إلى 9 حاملات طائرات في غضون ربع قرن من الإنجاز، فمن المحتمل أن تتفوق على واشنطن في عدد تصنيع القطع البحرية بما فيها حاملات الطائرات على المدى البعيد.
اليوم هي تواصل التصنيع بسرعة الصاروخ، بسبب التحديات التي تواجهها سواء على مستوى توتر العلاقة مع تايوان التي تعتبرها جزءاً منها، وتوترات أخرى في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي وبحر الفلبين تتعلق بالجزر والحدود البحرية والغاز والنفط، فضلاً عن توترات مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
لا ترغب بكين في العودة إلى فترة قرن الإذلال الصيني التي ابتدأت بحرب الأفيون الأولى والثانية والغزوات البحرية واحتلال أراضيها، وبالتالي هي لا تنظر إلى بناء حاملات طائرات على أنه سلاح فقط، وإنما فرصة لبناء قوة صاعدة تحمي مصالحها في العالم على مقدار دبلوماسيتها الناعمة والمتوازنة وتفوقها الاقتصادي وتوسعها التجاري.
ثمة تحول إستراتيجي صيني يهدف إلى منع تكرار الغزوات ضدها التي سبقت الحرب العالمية الثانية، وقصة الصعود الصيني في مختلف الجوانب العسكرية والاقتصادية، هو محصلة الاستثمار في بناء جيش بري ضخم وقدرة نووية للردع الإستراتيجي وقوتين جوية وبحرية متطورة.
خلاصة القول: إن الصين لا تريد أن تبقى مصنعاً للعالم والقوة الاقتصادية الكبيرة فقط، وتكتفي بالتفوق الأمريكي الذي قد يهدد أمنها في أي وقت، وإنما تسعى إلى امتلاك عناصر القوة حتى تكون لها بصمة في حماية تجارتها الدولية وأمنها البحري، وهذا لا يتحقق إلا إذا ضخمت أسطولها البري والبحري، وهو ما تصبو إليه بالفعل.
{ كاتب من فلسطين
حققت الصين خلال ثلاثة عشر عاماً فقط طفرة كبيرة في مجال التصنيع العسكري البحري، جعلها تمتلك ترسانة متقدمة من السفن الحربية وحاملات الطائرات، وانتقلت من تشغيل سفن ضخمة مستعملة ومستنسخة من تكنولوجيا الحقبة السوفيتية إلى سفن متطورة وصينية بامتياز.
بعيداً عن أحواض السفن الكثيرة التي تمتلكها الصين والأيدي العاملة، والأهم التكنولوجيا المتقدمة والأموال المستثمرة والمتدفقة في هذه الصناعة، بعيداً عن كل ذلك، من المهم التركيز على تجربة صناعة حاملات الطائرات ودخولها الخدمة الصينية.
في عام 2012 دخلت أول حاملة طائرات صينية الخدمة باسم «لياونينغ»، ولم تصنع بالكامل في الصين وإنما حصلت على الهيكل السوفيتي غير المكتمل من أوكرانيا عام 1998 وطورته وأعادت السفينة إلى الخدمة البحرية.
“شاندونغ» الصينية هي حاملة طائرات مستنسخة من نظيرتها السابقة السوفيتية من حيث المواصفات والشكل، لكن صنعت في الصين من الألف إلى الياء ودخلت الخدمة عام 2019، تبعتها حاملة طائرات ثالثة أكثر تطوراً وتستخدم المنجنيقات الكهرومغناطيسية.
الاسم الثالث لحاملة الطائرات الصينية هو «فوجيان»، وهي قطعة حربية صينية التصنيع والهندسة ولم تستنسخ من أي قطعة حربية أخرى، والفارق المهم بينها وبين نظيراتها السابقتين أن «فوجيان» تمثل فخر الصناعة العسكرية الصينية والشاهد على تطور منصاتها البحرية الخاصة.
»فوجيان» متقدمة جداً في تكنولوجيا إطلاق الطائرات، لكنها لا تعمل بالطاقة النووية وإنما بالوقود، وهذا يبقيها على مسافة كبيرة من التنافس مع حاملات الطائرات الأمريكية التي تشتغل محركاتها بالدفع النووي، لكن النقطة الأبرز هنا أن بكين تعمل حالياً على تصنيع حاملة طائرات رابعة تعمل بالوقود النووي.
في عام 2025 كشفت الأقمار الصناعية الحديثة عن ظهور هيكل سفينة كبير في حوض داليان لبناء السفن، وحسب تقديرات مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي (CSIS) فإن طول الهيكل بلغ حوالي 322 متراً حتى الشهر الجاري.
التقديرات تشير إلى أن حاملة الطائرات الصينية الجديدة قد تدخل المياه العام المقبل، لكنها ستحتاج إلى وقت أطول حتى تدخل الخدمة، والمهم أنها متطورة جداً وتستوعب من 75 إلى 90 طائرة قتالية متعددة المهام، فضلاً عن استيعاب بين 4000 إلى 5000 فرد على متنها.
ثمة توجه صيني واضح لزيادة عدد حاملات الطائرات على المديَين القريب والبعيد، إذ يحقق لها هذا الهدف ميزة الوصول إلى المحيطات وحماية طرق التجارة الصينية وتوسيع الوجود العسكري في المحيط الهادئ، وكذلك توسيع الحضور في المحيط الهندي وبحر العرب.
وزارة الدفاع الأمريكية أصدرت تقريراً عن القوة العسكرية الصينية أواخر عام 2025، قدّرت فيه أن بكين تسعى إلى إضافة 6 حاملات طائرات ليصبح مجموع حاملات طائراتها 9 حتى عام 2035، في حين تمتلك الولايات المتحدة 11 حاملة طائرات جميعها تعمل بالوقود النووي.
الصين تعد اليوم ثاني أقوى قوة بحرية بعد الولايات المتحدة عند تقييم القوة البحرية الشاملة، وإذا حققت هدف الوصول إلى 9 حاملات طائرات في غضون ربع قرن من الإنجاز، فمن المحتمل أن تتفوق على واشنطن في عدد تصنيع القطع البحرية بما فيها حاملات الطائرات على المدى البعيد.
اليوم هي تواصل التصنيع بسرعة الصاروخ، بسبب التحديات التي تواجهها سواء على مستوى توتر العلاقة مع تايوان التي تعتبرها جزءاً منها، وتوترات أخرى في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي وبحر الفلبين تتعلق بالجزر والحدود البحرية والغاز والنفط، فضلاً عن توترات مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
لا ترغب بكين في العودة إلى فترة قرن الإذلال الصيني التي ابتدأت بحرب الأفيون الأولى والثانية والغزوات البحرية واحتلال أراضيها، وبالتالي هي لا تنظر إلى بناء حاملات طائرات على أنه سلاح فقط، وإنما فرصة لبناء قوة صاعدة تحمي مصالحها في العالم على مقدار دبلوماسيتها الناعمة والمتوازنة وتفوقها الاقتصادي وتوسعها التجاري.
ثمة تحول إستراتيجي صيني يهدف إلى منع تكرار الغزوات ضدها التي سبقت الحرب العالمية الثانية، وقصة الصعود الصيني في مختلف الجوانب العسكرية والاقتصادية، هو محصلة الاستثمار في بناء جيش بري ضخم وقدرة نووية للردع الإستراتيجي وقوتين جوية وبحرية متطورة.
خلاصة القول: إن الصين لا تريد أن تبقى مصنعاً للعالم والقوة الاقتصادية الكبيرة فقط، وتكتفي بالتفوق الأمريكي الذي قد يهدد أمنها في أي وقت، وإنما تسعى إلى امتلاك عناصر القوة حتى تكون لها بصمة في حماية تجارتها الدولية وأمنها البحري، وهذا لا يتحقق إلا إذا ضخمت أسطولها البري والبحري، وهو ما تصبو إليه بالفعل.
{ كاتب من فلسطين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك