تظهر المتابعة الدقيقة لجلسات مجلس النواب في دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس، أن قضية توظيف البحرينيين في القطاعين العام والخاص تسيطر بشكل لافت على اهتمامات النواب وتفكيرهم. وقد تجلى ذلك بوضوح في مداخلات أعضاء عدة أدلوا بدلوهم حول هذه الأزمة التي يهتم بها المجتمع، لا سيما مع تدفق أفواج جديدة من الخريجين سنوياً إلى طابور الباحثين عن عمل.
بيد أن هذا الحراك النيابي المكثف يضعنا أمام ضرورة قراءة مضامينه قراءة تحليلية؛ فالاهتمام الكمي وطول النقاشات تحت قبة البرلمان لا يعنيان بالضرورة جودة الطرح أو ملامسة جذور الأزمة. والمراقب لمداخلات النواب يلاحظ بوضوح تبايناً في المقاربات؛ فبينما ركزت بعض الأصوات على الجوانب الرقابية وانتقدت الأداء في بحرنة الوظائف، غلب على طروحات أخرى الطابع العاطفي دون تقديم حلول تشريعية أو بدائل اقتصادية قابلة للتطبيق.
هذا التفاوت يستدعي تفكيك الآراء النيابية لفهم ما إذا كان الحراك البرلماني قادراً على صياغة استراتيجية توظيف حقيقية، أم أنه يكتفي بمجرد التعبير عن «قلق الشارع».
وفي هذا السياق تستحضرني نماذج من مداخلات بعض النواب التي تناقش هذه المسألة خذ مثلاً تحرك النائب حمد الدوي الذي اختار الذهاب مباشرة نحو تفعيل الأدوات البرلمانية الجماعية عبر عزمه التقدم بطلب لتخصيص مناقشة عامة لبحث ملف إحلال المواطنين محل العمالة الأجنبية في القطاع الخاص.
الدوي ركز نقده على ما وصفه بـ«عدم جدية» بعض شركات القطاع الخاص، مستشهداً بوجود آلاف الشواغر الوظيفية برواتب مجزية في شركات كبرى تذهب إلى الأجنبي في حين يُترك البحريني لخيارات محدودة.
وبالنظر إلى ما أشار إليه الدوي، فإننا نقول إنه نجد تشخيصه للأسباب بهذا الوضوح بشأن فاعلية خطط التوطين. ومع ذلك يؤخذ على هذا التوجه ارتكازه على خطط «الإحلال» الفوري كعصا سحرية، دون تقديم قراءة معمقة لكيفية إلزام القطاع الخاص التجاري بآليات توطين مرنة لا تخل بالتنافسية الاقتصادية، أو هندسة تشريعات تفرض حوافز جاذبة للمؤسسات بدلاً من الاكتفاء بلغة الوعيد والرقابة الصارمة. ولإعطاء أمثلة أخرى، من مداخلات النواب في مسألة توظيف البحرينيين، نستعرض مقاربة النائب خالد بوعنق لهذه القضية التي استغرقت وقتا كبيرا من جلسات النواب. بوعنق اتجه نحو تفكيك المبررات البيروقراطية في القطاع العام؛ متوقفاً بنبرة نقدية بشأن مشروع تثبيت الموظفين المؤقتين، كما ركز على أولوية البحرنة والتثبيت في قطاعات حيوية كالقطاع الطبي. لقد نجح بوعنق في طرح مسألة معالجة الكلفة المالية بين الكوادر الوطنية الشابة والخبرات الخارجية أو الاستشارية.
لكن بالمنظور النقدي، فإن هذه المقاربة تظل محصورة في المطالبات الحمائية داخل الجهاز الإداري للدولة. وهي مساحة أصبحت ضيقة؛ فالوظيفة العامة لم تعد قادرة بحكم التوازنات المالية على استيعاب كل الخريجين، وكان الأحرى بالطرح النيابي أن يتعدى المقارنات الرقمية السريعة إلى تقديم حلول هيكلية تسهم في جعل المواطن خياراً استثمارياً استراتيجياً، وليس مجرد بند رعاية اجتماعية في الميزانية العامة.
في الواقع، ما نحتاجه اليوم في مقاربات النواب لقضية توظيف البحرينيين يتجاوز مجرد توصيف المشكلة أو استعراض حالات الباحثين عن عمل؛ إذ المطلوب من ممثلي الشعب تقديم بدائل مبتكرة، وحلول تشريعية واقتصادية غير تقليدية.
فهذه المسألة – في رأيي – تهم المجتمع بأسره ولا تقتصر مسؤوليتها على الحكومة بمفردها وإن كان العبء الأكبر يقع على عاتقها كقائدة للمجتمع، إلا أنها بحاجة ماسة اليوم إلى مؤازرة وتكاتف جميع المؤسسات، وفي طليعتها القطاع الخاص.
وإذا أراد النواب أن يكونوا فاعلين حقاً في معالجة هذه القضية أو غيرها، فلا بد لهم من إعادة النظر في أدواتهم وطرق تفكيرهم؛ فبعض الملفات المعقدة تتطلب قدرات ومهارات تخصصية دقيقة.
وهنا تبرز أهمية الاستعانة بأهل الاختصاص والخبرة للاستئناس بآرائهم، وهو إجراء لا يقلل أبداً من شأن المشرعين، بل يرسخ الحكمة القائلة: «ما خاب من استشار». فهناك ضرورة لبناء استراتيجيات اقتصادية متكاملة لملف التوظيف حتى يسهم البرلمان بحلول موضوعية لهذه القضية.
وفي المحصلة، يكشف المشهد النيابي تحت قبة البرلمان عن كيفية تفكير المشرع البحريني؛ إذا لا يزال أسلوب معالجة النواب لملف البطالة والتوظيف يدور في فلك المقاربات التقليدية التي لم تعد تتناسب مع المرحلة الحالية التي تتسم بتعقيدات الاقتصاد الحديث. فالغالبية العظمى من الأطروحات تكتفي بإلقاء كامل وزر هذه الأزمات الاقتصادية وتداعياتها على كاهل الحكومة وحدها، في انعكاس واضح لغياب «التفكير خارج الصندوق» وعدم ابتكار أدوات تشريعية تحفز الشراكة التنموية.
إن الحل المستدام لهذه المشكلة لا يكمن في الضغط لملء شواغر القطاع العام، بل في إعادة صياغة دور القطاع الخاص ليكون شريكاً فاعلاً ومحركاً أساسياً للتوظيف والتوطين. بيد أن هذا التحول يتطلب من مؤسسات القطاع الخاص تجاوز المفهوم الضيق لـ »المسؤولية الاجتماعية«، والتي تستغل غالباً كأداة للترويج والدعاية المؤسسية أو تنحصر في إطار العمل الخيري الموسمي.
لقد حان الوقت لينتقل القطاع الخاص –بموجب تشريعات برلمانية ذكية ومحفزة– من دور «المتبرع» إلى دور «المستثمر الاستراتيجي في الطاقات الوطنية»، باعتبار أن توظيف البحرينيين وتطوير كفاءاتهم هو جوهر المسؤولية الوطنية والاجتماعية الحقة، والركيزة الأساسية لاستقرار السوق ونموه المستدام. ومن دون هذا المنظور التكاملي المتجاوز للمقاربات النمطية، سيبقى البرلمان يدور في إطار تشخيص المشكلة، وتظل قضايا الخريجين تحتاج معالجات أكثر تطورا وفاعلية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك