عندما شرعت حكومة مملكة البحرين في استراتيجية تحويل المعاملات الحكومية الورقية إلى معاملات رقمية عن طريق الحكومة الالكترونية وأتمتة العمليات في جميع قطاعات ومؤسسات الدولة منذ عام 2007، الذي جعل البحرين تُصنّف ضمن الفئات المتقدمة في تقارير الأمم المتحدة لنمو الحكومة وهذا إنجاز وطني نفتخر به، بل انه أحد العوامل التي ساعدت على جذب مزيد من الاستثمارات في مختلف القطاعات ورفع من أسهم مملكة البحرين عالمياً، استذكر في هذه المرحلة كانت هناك معوقات واجهتها الحكومة، حيث وجدت أن عدد من المواطنين لديهم فجوة رقمية وصعوبة في الدخول على متصفحات شبكة الإنترنت واستخدام الحاسب الآلي على الرغم من أن بعضهم ينتمي إلى الطبقة المثقفة والبعض منهم رجال دين والبعض منهم من الفئات محدودة التعليم، فما كان من الحكومة إلا أن تُمكن هذه الفئات من خلال إلحاقهم بدورات تدريبية في معاهد متخصصة للتدريب على اساسيات الحاسب الآلي واستخدام متصفحات الشبكة العنكبوتية وتكفلت الدولة بدفع رسوم هذه الدورات لأي مواطن يجد في نفسه الحاجة إلى هذه الدورات العملية.
وهذه خطوة تبين استراتيجية الدولة المتكاملة في توعية وتثقيف المواطنين ومحو الأمية الرقمية. ولعلي استذكر احد كبار السن حين قال إنه التحق بعد ذلك بدروس خصوصية لدى احد المعلمين المتخصصين من أجل تطوير مهاراته في هذا المجال حتى لا يُصبح جاهلا في عصر التكنولوجيا الرقمية الحديثة التي نعيشها في وقتنا الراهن.
اليوم وبنفس السياق أصبح هناك ضرورة استراتيجية ملحة لتوعية المواطنين بالإدارة المالية الحديثة لمواجهة الضغوط الاقتصادية الناتجة عن التضخم وحماية قدرتهم الشرائية الواعية، ولعل أهم نقطة يجب الانطلاق منها هي إدراج الثقافة المالية في المناهج التعليمية، بل جعل هذه المادة متطلبا أساسيا لجميع المراحل الدراسية بدءا من المرحلة المتوسطة حتى الجامعة، تتضمن مفاهيم الادخار والاستثمار والتخطيط المالي الشخصي والأسري، كون الاستنزاف الأكبر لميزانية الأسرة أصبح يأتي من الأبناء وتبذيرهم في الانفاق غير الواعي.
ويوازي ذلك إطلاق منصات رقمية وحملات توعية وطنية من خلال تطوير تطبيقات حكومية مجانية تساعد المواطنين على تتبع مصاريفهم ووضع ميزانيات مرنة تتكيف مع ارتفاع الأسعار، كذلك إطلاق حملات إعلامية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرسمي لتبسيط المفاهيم الاقتصادية وحث المجتمع على ضرورة الاقتصاد في الانفاق وعدم الانجراف غير الواعي إلى كل حملة تسويقية.
ولا مانع من تشجيع المواطن على الاستثمار من خلال الأدوات الاستثمارية الآمنة كالصكوك والسندات الحكومية التي توفر أوعية ادخارية واستثمارية منخفضة المخاطر بعوائد مجزية تحمي قيمة المدخرات من التآكل، وضرورة تكثيف التوعية ضد شركات الاستثمار الوهمية والعملات المشفرة غير المرخصة التي تستغل رغبة المواطنين في تحقيق ربح سريع لتعويض التضخم، ولا مانع من تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص من خلال حث البنوك والمؤسسات المالية على تقديم استشارات مالية مجانية وورش عمل للمجتمع كجزء من مسؤوليتها المجتمعية.
إن التوعية والثقافة المالية أصبحت ملحة كون الإدارة السليمة للأموال تُمكن الفرد من حسن التصرف وحسن إدارة الدخل حتى إن كان محدوداً أو بالكاد يفي بالمتطلبات المعيشية للأسرة، فالإدارة الواعية بهذا الجانب تخلق نوعا من المعرفة في سد الثغرات المالية وتجنب المصروفات الكمالية التي قد تثقل كاهل رب الأسر، حيث يؤثر وعي الفرد بالإنفاق الذكي والمدروس بشكل مباشر ومحوري على استقرار الدولة الاقتصادي والمجتمعي، فسلوك الفرد المالي يتحول من مجرد قرار شخصي إلى أداة تدعم السياسات العامة للدولة أو تُعيقها، فعندما يتخلى الأفراد عن الشراء العشوائي أو النهم الاستهلاكي ويتم التركيز على الإنفاق الواعي يساعد الدولة في السيطرة على معدلات التضخم.
واليوم تمر المنطقة بأوضاع اقتصادية صعبة ألقت بظلالها على حياة المجتمعات الخليجية والعربية والعالمية، ويمثل وعي الفرد في هذه المرحلة الحرجة حجر الزاوية بل هو أحد اهم مقومات الأمن القومي الواجب الاهتمام بها، فوعي الفرد المالي يجعله أكثر مرونة في إعادة ترتيب ميزانيته بدلاً من الدخول في صدام مع القرارات الحكومية أو الانحدار الى مستنقع القروض البنكية والاقتراضات الشخصية التي قد تحيل حياته وحياة اسرته إلى مصاعب ليس سهلا الخروج منها على مدى سنوات طويلة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك