العدد : ١٧٧٦١ - الأحد ٠٨ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٦١ - الأحد ٠٨ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

إذا حصلت على الوظيفة.. هل أنت مستعد للنجاح فيها؟

بقلم: أميرة معيوف

السبت ٠٧ نوفمبر ٢٠٢٦ - 02:00

ستكون‭ ‬لحظة‭ ‬فرح‭ ‬يستحقها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬بذل‭ ‬جهدًا‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬فرصته‭ ‬الأولى‭. ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬توقيع‭ ‬عقد‭ ‬العمل‭ ‬وبعد‭ ‬انتهاء‭ ‬التهاني،‭ ‬يبدأ‭ ‬سؤال‭ ‬جديد‭: ‬ماذا‭ ‬بعد؟

هل‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬أحصل‭ ‬على‭ ‬الوظيفة،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬أتعلم‭ ‬بها،‭ ‬وأتعامل‭ ‬مع‭ ‬مسؤولياتي،‭ ‬وأثبت‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬قيمتي‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل؟

فالحصول‭ ‬على‭ ‬الوظيفة‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المؤسسة‭ ‬رأت‭ ‬فيك‭ ‬إمكانيات‭ ‬مناسبة‭ ‬للدور،‭ ‬أما‭ ‬النجاح‭ ‬فيها‭ ‬فيتطلب‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬الإمكانيات‭ ‬إلى‭ ‬ممارسات‭ ‬وسلوكيات‭ ‬ونتائج‭ ‬يلمسها‭ ‬الآخرون‭.‬

وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬فرصة‭ ‬عمل،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬بداية‭ ‬مهنية‭ ‬ناجحة‭.‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬يصنع‭ ‬الفرق‭ ‬في‭ ‬الموظف‭ ‬الجديد؟

قد‭ ‬يبدأ‭ ‬موظفان‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬نفسها‭ ‬بمؤهلات‭ ‬متقاربة،‭ ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬يظهر‭ ‬اختلاف‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تعاملهما‭ ‬مع‭ ‬المسؤوليات‭.. ‬أحدهما‭ ‬ينتظر‭ ‬التعليمات‭ ‬وينفذ‭ ‬المطلوب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬محاولة‭ ‬فهم‭ ‬الصورة‭ ‬الكبرى،‭ ‬والآخر‭ ‬يسأل‭ ‬ليفهم،‭ ‬ويتابع‭ ‬ما‭ ‬أُسند‭ ‬إليه،‭ ‬ويبحث‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬لتحسين‭ ‬العمل‭.‬

الفرق‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬في‭ ‬المؤهل،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬السلوكيات‭ ‬التي‭ ‬يمارسها‭ ‬كل‭ ‬منهما؛‭ ‬فالمبادرة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬تجاوز‭ ‬الصلاحيات،‭ ‬بل‭ ‬الانتباه‭ ‬لما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬والمساهمة‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬الدور‭. ‬والالتزام‭ ‬ليس‭ ‬الحضور‭ ‬في‭ ‬الموعد‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬الوفاء‭ ‬بالتعهدات،‭ ‬واحترام‭ ‬الوقت،‭ ‬والحرص‭ ‬على‭ ‬الجودة،‭ ‬والإبلاغ‭ ‬المبكر‭ ‬عندما‭ ‬تعترض‭ ‬المهمة‭ ‬صعوبة‭.‬

أما‭ ‬التعلم‭ ‬فلا‭ ‬ينتهي‭ ‬بالشهادة‭ ‬الجامعية‭. ‬العمل‭ ‬مدرسة‭ ‬يومية،‭ ‬يتعلم‭ ‬فيها‭ ‬الموظف‭ ‬من‭ ‬المهام‭ ‬والزملاء‭ ‬والأخطاء‭ ‬والتغذية‭ ‬الراجعة‭. ‬والموظف‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬التطور‭ ‬لا‭ ‬يسأل‭ ‬فقط‭: ‬كيف‭ ‬أنجز‭ ‬المهمة؟‭ ‬بل‭: ‬لماذا‭ ‬نؤديها‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة،‭ ‬وهل‭ ‬يمكن‭ ‬تحسينها؟

 

مهارات‭ ‬اليوم

‭ ‬وسوق‭ ‬العمل‭ ‬المتغير

تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬السلوكيات‭ ‬عندما‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬تحولات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭. ‬ففي‭ ‬تقرير‭ ‬‮«‬مستقبل‭ ‬الوظائف‭ ‬2025‮»‬‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬المنتدى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬الذي‭ ‬يستشرف‭ ‬التغيرات‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬2030،‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬تتغير‭ ‬أو‭ ‬تصبح‭ ‬متقادمة‭ ‬نحو‭ ‬39‭% ‬من‭ ‬المهارات‭ ‬الحالية‭ ‬للعاملين‭.‬

ويضع‭ ‬التقرير‭ ‬التفكير‭ ‬التحليلي‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬المهارات‭ ‬الأساسية‭ ‬لدى‭ ‬أصحاب‭ ‬العمل،‭ ‬ويبرز‭ ‬كذلك‭ ‬أهمية‭ ‬المرونة‭ ‬والتكيف،‭ ‬والفضول‭ ‬والتعلم‭ ‬المستمر،‭ ‬والتفكير‭ ‬الإبداعي،‭ ‬والمهارات‭ ‬التقنية‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬المهارات‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬بحضور‭ ‬الدورات‭ ‬وحده‭. ‬فعندما‭ ‬يحلل‭ ‬الموظف‭ ‬أسباب‭ ‬مشكلة‭ ‬قبل‭ ‬اقتراح‭ ‬حل،‭ ‬يمارس‭ ‬التفكير‭ ‬التحليلي‭. ‬وعندما‭ ‬تتغير‭ ‬الأولويات‭ ‬ويعيد‭ ‬تنظيم‭ ‬عمله،‭ ‬ينمي‭ ‬مرونته‭. ‬وعندما‭ ‬يطلب‭ ‬ملاحظات‭ ‬على‭ ‬أدائه‭ ‬ويستفيد‭ ‬منها،‭ ‬يمارس‭ ‬التعلم‭ ‬المستمر‭. ‬وعندما‭ ‬يستخدم‭ ‬الأدوات‭ ‬الرقمية‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بوعي‭ ‬ومسؤولية،‭ ‬يطور‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬متغيرة‭.‬

فمهارات‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬المستقبل؛‭ ‬بل‭ ‬تتشكل‭ ‬من‭ ‬طريقة‭ ‬عملنا‭ ‬وتعلمنا‭ ‬اليوم‭.‬

 

حتى‭ ‬التدريب‭ ‬العملي‭ ‬

فرصة‭ ‬لبناء‭ ‬السمعة

ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬المسؤولية‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬حصل‭ ‬على‭ ‬وظيفة‭ ‬دائمة‭. ‬فقد‭ ‬تتاح‭ ‬للشاب‭ ‬فرصة‭ ‬تدريب‭ ‬عملي،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مقابل‭ ‬مادي‭. ‬ومتى‭ ‬كان‭ ‬التدريب‭ ‬منظمًا،‭ ‬بإشراف‭ ‬ومهام‭ ‬واضحة‭ ‬وفرص‭ ‬حقيقية‭ ‬للتعلم،‭ ‬فإنه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬بابًا‭ ‬لاكتساب‭ ‬الخبرة‭ ‬وبناء‭ ‬السمعة‭ ‬المهنية‭.‬

فالمتدرب‭ ‬الذي‭ ‬يحترم‭ ‬الوقت،‭ ‬ويسأل،‭ ‬ويبادر،‭ ‬ويتعاون،‭ ‬ويتقبل‭ ‬التوجيه،‭ ‬ويهتم‭ ‬بجودة‭ ‬ما‭ ‬يقدمه،‭ ‬يترك‭ ‬أثرًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬مدة‭ ‬التدريب‭. ‬وكلما‭ ‬لمس‭ ‬المدير‭ ‬أو‭ ‬صاحب‭ ‬العمل‭ ‬هذه‭ ‬السلوكيات،‭ ‬زادت‭ ‬ثقته‭ ‬بالمتدرب‭ ‬أو‭ ‬الموظف‭ ‬الجديد،‭ ‬وقد‭ ‬ترتفع‭ ‬فرص‭ ‬استمراره‭ ‬أو‭ ‬ترشيحه‭ ‬لفرص‭ ‬أخرى‭.‬

وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬بلا‭ ‬أجر‭ ‬شرط‭ ‬للنجاح،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬الاجتهاد‭ ‬يضمن‭ ‬التوظيف؛‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬قيمة‭ ‬أي‭ ‬تدريب‭ ‬ترتبط‭ ‬بما‭ ‬يوفره‭ ‬من‭ ‬تعلم‭ ‬حقيقي‭ ‬وإشراف‭ ‬عادل‭.‬

هل‭ ‬المسؤولية‭ ‬على‭ ‬الموظف‭ ‬وحده؟

نجاح‭ ‬الموظف‭ ‬الجديد‭ ‬مسؤولية‭ ‬مشتركة‭. ‬فبرامج‭ ‬التهيئة‭ ‬الوظيفية‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬عند‭ ‬تعريفه‭ ‬بالأنظمة‭ ‬والسياسات‭ ‬وتسليمه‭ ‬مهامه،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬توضيح‭ ‬التوقعات،‭ ‬وتوفير‭ ‬التوجيه،‭ ‬والتغذية‭ ‬الراجعة،‭ ‬وفرص‭ ‬التعلم‭ ‬التدريجي‭.‬

وللمدير‭ ‬المباشر‭ ‬دور‭ ‬محوري‭ ‬في‭ ‬إتاحة‭ ‬مساحة‭ ‬للأسئلة،‭ ‬وتشجيع‭ ‬المبادرة،‭ ‬ومناقشة‭ ‬الأخطاء‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬خوف،‭ ‬ومنح‭ ‬الموظف‭ ‬مسؤوليات‭ ‬تتسع‭ ‬مع‭ ‬نمو‭ ‬قدراته‭.‬

وهنا‭ ‬سؤال‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬تطرحه‭ ‬إدارات‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭: ‬هل‭ ‬نقيس‭ ‬نجاح‭ ‬التهيئة‭ ‬بانتهاء‭ ‬البرنامج‭ ‬التعريفي،‭ ‬أم‭ ‬بما‭ ‬أصبح‭ ‬الموظف‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬أدائه‭ ‬باستقلالية‭ ‬وثقة‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬انضمامه؟

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يستطيع‭ ‬الموظف‭ ‬أن‭ ‬يراجع‭ ‬نفسه‭ ‬بانتظام‭: ‬ماذا‭ ‬تعلمت‭ ‬هذا‭ ‬الشهر؟‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬أصبحت‭ ‬أؤديه‭ ‬بصورة‭ ‬أفضل؟‭ ‬وما‭ ‬المهارة‭ ‬التي‭ ‬أحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تطويرها‭ ‬الآن؟

فالفرصة‭ ‬الأولى‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬وظيفة‭ ‬نضيفها‭ ‬إلى‭ ‬سيرتنا‭ ‬الذاتية؛‭ ‬إنها‭ ‬مساحة‭ ‬تتشكل‭ ‬فيها‭ ‬عاداتنا‭ ‬المهنية‭ ‬وطريقتنا‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬وقدرتنا‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬والمساهمة‭.‬

قد‭ ‬لا‭ ‬نختار‭ ‬دائمًا‭ ‬الفرصة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬نحصل‭ ‬عليها،‭ ‬لكننا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نختار‭ ‬كيف‭ ‬نستثمرها،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬نتعلمه‭ ‬منها،‭ ‬والأثر‭ ‬الذي‭ ‬نتركه‭ ‬خلالها‭.‬

 

{ ‭ ‬مستشارة‭ ‬موارد‭ ‬بشرية‭ ‬وتطوير‭ ‬مهني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا