ستكون لحظة فرح يستحقها كل من بذل جهدًا للوصول إلى فرصته الأولى. لكن بعد توقيع عقد العمل وبعد انتهاء التهاني، يبدأ سؤال جديد: ماذا بعد؟
هل يكفي أن أحصل على الوظيفة، أم أن النجاح الحقيقي يبدأ من الطريقة التي أتعلم بها، وأتعامل مع مسؤولياتي، وأثبت من خلالها قيمتي في بيئة العمل؟
فالحصول على الوظيفة يعني أن المؤسسة رأت فيك إمكانيات مناسبة للدور، أما النجاح فيها فيتطلب تحويل هذه الإمكانيات إلى ممارسات وسلوكيات ونتائج يلمسها الآخرون.
وهنا يظهر الفرق بين الحصول على فرصة عمل، والقدرة على بناء بداية مهنية ناجحة.
ما الذي يصنع الفرق في الموظف الجديد؟
قد يبدأ موظفان العمل في المؤسسة نفسها بمؤهلات متقاربة، لكن بعد أشهر يظهر اختلاف واضح في طريقة تعاملهما مع المسؤوليات.. أحدهما ينتظر التعليمات وينفذ المطلوب من دون محاولة فهم الصورة الكبرى، والآخر يسأل ليفهم، ويتابع ما أُسند إليه، ويبحث عن فرص لتحسين العمل.
الفرق ليس بالضرورة في المؤهل، بل في السلوكيات التي يمارسها كل منهما؛ فالمبادرة لا تعني تجاوز الصلاحيات، بل الانتباه لما يحتاج إلى عمل والمساهمة ضمن حدود الدور. والالتزام ليس الحضور في الموعد فقط، بل الوفاء بالتعهدات، واحترام الوقت، والحرص على الجودة، والإبلاغ المبكر عندما تعترض المهمة صعوبة.
أما التعلم فلا ينتهي بالشهادة الجامعية. العمل مدرسة يومية، يتعلم فيها الموظف من المهام والزملاء والأخطاء والتغذية الراجعة. والموظف الذي يسعى إلى التطور لا يسأل فقط: كيف أنجز المهمة؟ بل: لماذا نؤديها بهذه الطريقة، وهل يمكن تحسينها؟
مهارات اليوم
وسوق العمل المتغير
تزداد أهمية هذه السلوكيات عندما ننظر إلى تحولات سوق العمل. ففي تقرير «مستقبل الوظائف 2025» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يستشرف التغيرات حتى عام 2030، يُتوقع أن تتغير أو تصبح متقادمة نحو 39% من المهارات الحالية للعاملين.
ويضع التقرير التفكير التحليلي في مقدمة المهارات الأساسية لدى أصحاب العمل، ويبرز كذلك أهمية المرونة والتكيف، والفضول والتعلم المستمر، والتفكير الإبداعي، والمهارات التقنية.
لكن هذه المهارات لا تُبنى بحضور الدورات وحده. فعندما يحلل الموظف أسباب مشكلة قبل اقتراح حل، يمارس التفكير التحليلي. وعندما تتغير الأولويات ويعيد تنظيم عمله، ينمي مرونته. وعندما يطلب ملاحظات على أدائه ويستفيد منها، يمارس التعلم المستمر. وعندما يستخدم الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي بوعي ومسؤولية، يطور قدرته على العمل في بيئة متغيرة.
فمهارات المستقبل لا تبدأ في المستقبل؛ بل تتشكل من طريقة عملنا وتعلمنا اليوم.
حتى التدريب العملي
فرصة لبناء السمعة
ولا تقتصر هذه المسؤولية على من حصل على وظيفة دائمة. فقد تتاح للشاب فرصة تدريب عملي، حتى إن كانت من دون مقابل مادي. ومتى كان التدريب منظمًا، بإشراف ومهام واضحة وفرص حقيقية للتعلم، فإنه يمكن أن يفتح بابًا لاكتساب الخبرة وبناء السمعة المهنية.
فالمتدرب الذي يحترم الوقت، ويسأل، ويبادر، ويتعاون، ويتقبل التوجيه، ويهتم بجودة ما يقدمه، يترك أثرًا يتجاوز مدة التدريب. وكلما لمس المدير أو صاحب العمل هذه السلوكيات، زادت ثقته بالمتدرب أو الموظف الجديد، وقد ترتفع فرص استمراره أو ترشيحه لفرص أخرى.
وهذا لا يعني أن العمل بلا أجر شرط للنجاح، أو أن الاجتهاد يضمن التوظيف؛ بل إن قيمة أي تدريب ترتبط بما يوفره من تعلم حقيقي وإشراف عادل.
هل المسؤولية على الموظف وحده؟
نجاح الموظف الجديد مسؤولية مشتركة. فبرامج التهيئة الوظيفية لا ينبغي أن تنتهي عند تعريفه بالأنظمة والسياسات وتسليمه مهامه، بل تشمل توضيح التوقعات، وتوفير التوجيه، والتغذية الراجعة، وفرص التعلم التدريجي.
وللمدير المباشر دور محوري في إتاحة مساحة للأسئلة، وتشجيع المبادرة، ومناقشة الأخطاء من دون تحويلها إلى مصدر خوف، ومنح الموظف مسؤوليات تتسع مع نمو قدراته.
وهنا سؤال يستحق أن تطرحه إدارات الموارد البشرية: هل نقيس نجاح التهيئة بانتهاء البرنامج التعريفي، أم بما أصبح الموظف قادرًا على أدائه باستقلالية وثقة بعد أشهر من انضمامه؟
وفي المقابل، يستطيع الموظف أن يراجع نفسه بانتظام: ماذا تعلمت هذا الشهر؟ ما الذي أصبحت أؤديه بصورة أفضل؟ وما المهارة التي أحتاج إلى تطويرها الآن؟
فالفرصة الأولى ليست مجرد وظيفة نضيفها إلى سيرتنا الذاتية؛ إنها مساحة تتشكل فيها عاداتنا المهنية وطريقتنا في التعامل مع الآخرين، وقدرتنا على التعلم والمساهمة.
قد لا نختار دائمًا الفرصة الأولى التي نحصل عليها، لكننا نستطيع أن نختار كيف نستثمرها، وما الذي نتعلمه منها، والأثر الذي نتركه خلالها.
{ مستشارة موارد بشرية وتطوير مهني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك