لقد سلطت حالة وفاة وقعت مؤخرا في عائلتي الضوء على الأثر المدمر للحزن الشخصي، وكشفت في الوقت ذاته عن حجم الفقد العميق وحالة الموت المستمرة التي تعيشها العائلات الفلسطينية يومياً.
أن تكون فلسطينياً يعني أن تحمل في داخلك أرشيفاً متوارثاً من الفقد. فبعد قرابة قرن من التهجير القسري، والاحتلال العسكري، والعدوان المتواصل على يد مستعمرٍ وحشي، لم يعد الموت في فلسطين مجرد نهايةٍ هادئةٍ لحياةٍ بلغت أجلها؛ بل صار ظلاً يلازم كل تفاصيل الحياة اليومية.
وعلى مر الأجيال، لم يكن الحزن مجرد ألمٍ فردي أو مأساةٍ عابرةٍ ومنعزلة، بل تحول إلى واقعٍ مشتركٍ ومستمر، محفورٍ في الذاكرة الجماعية لشعبٍ بأكمله.
بالنسبة إلى الفلسطينيين، لم يكتفِ الاستعمار الإسرائيلي بسلب الأرض، بل سلبهم أيضاً سيادتهم على طقوس الحزن وتكريم موتاهم ودفن أحبائهم بسلام.
في حين يُعدّ الموت في سن مبكرة بالنسبة إلى معظم شعوب العالم اختلالاً لا يُحتمل في دورة الحياة الطبيعية، فإن الفلسطينيين – الذين يعيشون في ظل ظروف قاسية وممنهجة – يجدون أن بلوغ سن الشيخوخة استثناءً نادراً لا قاعدةً عامة.
بدءاً من عمليات التجريد القسري والتطهير العرقي خلال «النكبة» عام 1948، وصولاً إلى الإبادة الجماعية وتدمير البيئة المستمر في قطاع غزة، والاحتلال العسكري للضفة الغربية؛ لم تنجُ أي عائلة فلسطينية من فقدان أحبائها بفعل العنف.
لقد هُجِّر الأجداد قسراً من قراهم الأصلية وهم في ريعان شبابهم، ونقلوا إلى أحفادهم مفاتيح منازلهم التي سُرقت أو دُمّرت، إلى جانب ذكريات أفراد من العائلة قضوا جراء العدوان الإسرائيلي.
أما أبناؤهم في الضفة الغربية، فيواصلون تحمّل صنوف المعاناة والإذلال تحت وطأة نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) والاحتلال الإسرائيلي. وفي قطاع غزة، يكافح أحفادهم -المحاصرون وسط الموت والدمار والتهديد الدائم بشن عدوان إسرائيلي جديد- من أجل البقاء على قيد الحياة.
قبل وقت طويل من دخولهم الفصول الدراسية، يتشرب أطفال فلسطين مفردات الهجمات العسكرية، والاستشهاد، والبقاء على قيد الحياة. وتفرض التهديدات المستمرة بالفقد على العائلات التكيف مع حالة من اليقظة الدائمة، التي تتوارثها الأجيال من الآباء إلى الأبناء.
ولكي ندرك حقاً طبيعة الحزن الفلسطيني، علينا أن نرى كيف يتعايش الألم العميق والسخط مع تقديرٍ استثنائي للحياة والكرامة الإنسانية.
لقد جعل قرنٌ من المعاناة الوطنية الألمَ جزءاً ثابتاً من الحياة اليومية. وفي فلسطين، اتخذ هذا الحزن الجماعي أشكالاً فريدة وقوية، تجلت في تقاليد راسخة للبقاء والمقاومة المشتركة.
وحين تتاح الفرصة لإجراء مراسم الدفن، تجتمع مجتمعات بأكملها لتشهد الحدث، وتقدم الدعم، وتتقاسم ثقل الصدمة الجماعية. وتعمل الروايات الشفهية، وفنون الشارع، والأدب، والموسيقى على توثيق أسماء الراحلين ووجوههم وقصصهم بعناية. وفي ظل المحاولات المستمرة لمحو الأماكن المادية وإنهاء الأرواح، تصبح الذاكرة الملاذ الأخير للحفاظ على الهوية والوجود.
إن الكتابة أو التفكير أو الحديث عن الموت في فلسطين يعني مواجهة واقعٍ يمتزج فيه الحزن الفردي بالهوية الوطنية المشتركة. وفي مواجهة الفقد المستمر والمروع، يصبح مجرد تذكر أولئك الذين رحلوا تأكيداً قوياً على إنسانيتهم.
تجسد قيمة «الصمود» الفلسطينية هذه الديناميكية؛ فهي إرادة جماعية للبقاء على الأرض وتحدٍّ لكل المساعي الإسرائيلية الرامية إلى محو الوجود الفلسطيني؛ فالحياة هنا مرادفة للمقاومة.
في فلسطين، لا يسير الحزن وفق مسار خطي؛ إذ لا نهاية له، ولا يتبع المراحل المتعارف عليها – من الإنكار إلى الغضب، فالمساومة، والاكتئاب، وصولاً إلى القبول. إنه لا يسلك طريقاً مستقيماً حتمياً، لأن الظروف الجائرة التي تولّده لا تزال قائمة دون معالجة.
من قبور المنفى القسري إلى أعداد لا تُحصى من الوفيات في فلسطين اليوم، ظل المجتمع الدولي عاجزاً باستمرار عن اتخاذ إجراءات حاسمة. إن مشاهدة فلسطين وهي تحتضر لا تقتصر على كونها شهادةً على إبادة جماعية فحسب، بل هي إدانةٌ للضمير العالمي.
إن استمرار حالة انعدام الدولة والاحتلال القمعي يضمن أن يولد كل جيل جديد في عالمٍ يظل فيه الموت المبكر شبحاً يتربص عند الأبواب.
إن الرفض المستمر الذي يبديه الشعب الفلسطيني للخضوع أو النسيان هو برهانٌ على صموده المُلهم. فهو يقدّم نموذجاً قوياً على أن السعي نحو الحرية الحقيقية مسؤوليةٌ مقدسة تتوارثها الأجيال، وتستحق الدفاع عنها مهما كان الثمن.
ولا يقتصر الصمود الفلسطيني على مجرد البقاء السلبي؛ بل هو فعلٌ يوميٌّ نشط لاستعادة الحقوق، يرفض السماح بإعادة كتابة التاريخ أو إسكات صوت العدالة. فعلى مر الأجيال، ورغم قسوة المنفى والتهجير والفقدان، تظل الروح الفلسطينية متجذرة في الأرض، ومتمسكةً بإصرارٍ لا يلين بالكرامة وحق تقرير المصير.
وفي كل فعلٍ هادئٍ للحفاظ على الهوية، وفي كل صرخةٍ مدويةٍ من أجل التحرر، يثبت الفلسطينيون أنه على الرغم من أن القوة الغاشمة والوحشية المفرطة للاحتلال الإسرائيلي تسبب معاناةً عميقة، إلا أنها لن تستطيع أبداً محو شعبٍ تظل هويته وآماله وإنسانيته متقدةً بشجاعةٍ لا تعرف الانكسار.
{ كاتب وأكاديمي فلسطيني بجامعة أمريكية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك