العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تفاقم معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية

بقلم: د. رضا بنهام

الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ - 02:00

لقد‭ ‬سلطت‭ ‬حالة‭ ‬وفاة‭ ‬وقعت‭ ‬مؤخرا‭ ‬في‭ ‬عائلتي‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الأثر‭ ‬المدمر‭ ‬للحزن‭ ‬الشخصي،‭ ‬وكشفت‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬الفقد‭ ‬العميق‭ ‬وحالة‭ ‬الموت‭ ‬المستمرة‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬العائلات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬يومياً‭.‬

أن‭ ‬تكون‭ ‬فلسطينياً‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬داخلك‭ ‬أرشيفاً‭ ‬متوارثاً‭ ‬من‭ ‬الفقد‭. ‬فبعد‭ ‬قرابة‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬التهجير‭ ‬القسري،‭ ‬والاحتلال‭ ‬العسكري،‭ ‬والعدوان‭ ‬المتواصل‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬مستعمرٍ‭ ‬وحشي،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬مجرد‭ ‬نهايةٍ‭ ‬هادئةٍ‭ ‬لحياةٍ‭ ‬بلغت‭ ‬أجلها؛‭ ‬بل‭ ‬صار‭ ‬ظلاً‭ ‬يلازم‭ ‬كل‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭.‬

وعلى‭ ‬مر‭ ‬الأجيال،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الحزن‭ ‬مجرد‭ ‬ألمٍ‭ ‬فردي‭ ‬أو‭ ‬مأساةٍ‭ ‬عابرةٍ‭ ‬ومنعزلة،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬واقعٍ‭ ‬مشتركٍ‭ ‬ومستمر،‭ ‬محفورٍ‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬لشعبٍ‭ ‬بأكمله‭.‬

بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬لم‭ ‬يكتفِ‭ ‬الاستعمار‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بسلب‭ ‬الأرض،‭ ‬بل‭ ‬سلبهم‭ ‬أيضاً‭ ‬سيادتهم‭ ‬على‭ ‬طقوس‭ ‬الحزن‭ ‬وتكريم‭ ‬موتاهم‭ ‬ودفن‭ ‬أحبائهم‭ ‬بسلام‭.‬

في‭ ‬حين‭ ‬يُعدّ‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬مبكرة‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬معظم‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭ ‬اختلالاً‭ ‬لا‭ ‬يُحتمل‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬الحياة‭ ‬الطبيعية،‭ ‬فإن‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬–‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ظروف‭ ‬قاسية‭ ‬وممنهجة‭ ‬–‭ ‬يجدون‭ ‬أن‭ ‬بلوغ‭ ‬سن‭ ‬الشيخوخة‭ ‬استثناءً‭ ‬نادراً‭ ‬لا‭ ‬قاعدةً‭ ‬عامة‭.‬

بدءاً‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬التجريد‭ ‬القسري‭ ‬والتطهير‭ ‬العرقي‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬النكبة‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1948،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬وتدمير‭ ‬البيئة‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬والاحتلال‭ ‬العسكري‭ ‬للضفة‭ ‬الغربية؛‭ ‬لم‭ ‬تنجُ‭ ‬أي‭ ‬عائلة‭ ‬فلسطينية‭ ‬من‭ ‬فقدان‭ ‬أحبائها‭ ‬بفعل‭ ‬العنف‭.‬

لقد‭ ‬هُجِّر‭ ‬الأجداد‭ ‬قسراً‭ ‬من‭ ‬قراهم‭ ‬الأصلية‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬ريعان‭ ‬شبابهم،‭ ‬ونقلوا‭ ‬إلى‭ ‬أحفادهم‭ ‬مفاتيح‭ ‬منازلهم‭ ‬التي‭ ‬سُرقت‭ ‬أو‭ ‬دُمّرت،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذكريات‭ ‬أفراد‭ ‬من‭ ‬العائلة‭ ‬قضوا‭ ‬جراء‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭.‬

أما‭ ‬أبناؤهم‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬فيواصلون‭ ‬تحمّل‭ ‬صنوف‭ ‬المعاناة‭ ‬والإذلال‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬نظام‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ (‬الأبارتهايد‭) ‬والاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭. ‬وفي‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬يكافح‭ ‬أحفادهم‭ -‬المحاصرون‭ ‬وسط‭ ‬الموت‭ ‬والدمار‭ ‬والتهديد‭ ‬الدائم‭ ‬بشن‭ ‬عدوان‭ ‬إسرائيلي‭ ‬جديد‭- ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭.‬

قبل‭ ‬وقت‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬دخولهم‭ ‬الفصول‭ ‬الدراسية،‭ ‬يتشرب‭ ‬أطفال‭ ‬فلسطين‭ ‬مفردات‭ ‬الهجمات‭ ‬العسكرية،‭ ‬والاستشهاد،‭ ‬والبقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭. ‬وتفرض‭ ‬التهديدات‭ ‬المستمرة‭ ‬بالفقد‭ ‬على‭ ‬العائلات‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬اليقظة‭ ‬الدائمة،‭ ‬التي‭ ‬تتوارثها‭ ‬الأجيال‭ ‬من‭ ‬الآباء‭ ‬إلى‭ ‬الأبناء‭.‬

ولكي‭ ‬ندرك‭ ‬حقاً‭ ‬طبيعة‭ ‬الحزن‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬كيف‭ ‬يتعايش‭ ‬الألم‭ ‬العميق‭ ‬والسخط‭ ‬مع‭ ‬تقديرٍ‭ ‬استثنائي‭ ‬للحياة‭ ‬والكرامة‭ ‬الإنسانية‭.‬

لقد‭ ‬جعل‭ ‬قرنٌ‭ ‬من‭ ‬المعاناة‭ ‬الوطنية‭ ‬الألمَ‭ ‬جزءاً‭ ‬ثابتاً‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬وفي‭ ‬فلسطين،‭ ‬اتخذ‭ ‬هذا‭ ‬الحزن‭ ‬الجماعي‭ ‬أشكالاً‭ ‬فريدة‭ ‬وقوية،‭ ‬تجلت‭ ‬في‭ ‬تقاليد‭ ‬راسخة‭ ‬للبقاء‭ ‬والمقاومة‭ ‬المشتركة‭.‬

وحين‭ ‬تتاح‭ ‬الفرصة‭ ‬لإجراء‭ ‬مراسم‭ ‬الدفن،‭ ‬تجتمع‭ ‬مجتمعات‭ ‬بأكملها‭ ‬لتشهد‭ ‬الحدث،‭ ‬وتقدم‭ ‬الدعم،‭ ‬وتتقاسم‭ ‬ثقل‭ ‬الصدمة‭ ‬الجماعية‭. ‬وتعمل‭ ‬الروايات‭ ‬الشفهية،‭ ‬وفنون‭ ‬الشارع،‭ ‬والأدب،‭ ‬والموسيقى‭ ‬على‭ ‬توثيق‭ ‬أسماء‭ ‬الراحلين‭ ‬ووجوههم‭ ‬وقصصهم‭ ‬بعناية‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬المحاولات‭ ‬المستمرة‭ ‬لمحو‭ ‬الأماكن‭ ‬المادية‭ ‬وإنهاء‭ ‬الأرواح،‭ ‬تصبح‭ ‬الذاكرة‭ ‬الملاذ‭ ‬الأخير‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬والوجود‭.‬

إن‭ ‬الكتابة‭ ‬أو‭ ‬التفكير‭ ‬أو‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬يعني‭ ‬مواجهة‭ ‬واقعٍ‭ ‬يمتزج‭ ‬فيه‭ ‬الحزن‭ ‬الفردي‭ ‬بالهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬المشتركة‭. ‬وفي‭ ‬مواجهة‭ ‬الفقد‭ ‬المستمر‭ ‬والمروع،‭ ‬يصبح‭ ‬مجرد‭ ‬تذكر‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬رحلوا‭ ‬تأكيداً‭ ‬قوياً‭ ‬على‭ ‬إنسانيتهم‭.‬

تجسد‭ ‬قيمة‭ ‬‮«‬الصمود‮»‬‭ ‬الفلسطينية‭ ‬هذه‭ ‬الديناميكية؛‭ ‬فهي‭ ‬إرادة‭ ‬جماعية‭ ‬للبقاء‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬وتحدٍّ‭ ‬لكل‭ ‬المساعي‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬محو‭ ‬الوجود‭ ‬الفلسطيني؛‭ ‬فالحياة‭ ‬هنا‭ ‬مرادفة‭ ‬للمقاومة‭.‬

في‭ ‬فلسطين،‭ ‬لا‭ ‬يسير‭ ‬الحزن‭ ‬وفق‭ ‬مسار‭ ‬خطي؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬له،‭ ‬ولا‭ ‬يتبع‭ ‬المراحل‭ ‬المتعارف‭ ‬عليها‭ ‬–‭ ‬من‭ ‬الإنكار‭ ‬إلى‭ ‬الغضب،‭ ‬فالمساومة،‭ ‬والاكتئاب،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬القبول‭. ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يسلك‭ ‬طريقاً‭ ‬مستقيماً‭ ‬حتمياً،‭ ‬لأن‭ ‬الظروف‭ ‬الجائرة‭ ‬التي‭ ‬تولّده‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قائمة‭ ‬دون‭ ‬معالجة‭.‬

من‭ ‬قبور‭ ‬المنفى‭ ‬القسري‭ ‬إلى‭ ‬أعداد‭ ‬لا‭ ‬تُحصى‭ ‬من‭ ‬الوفيات‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬اليوم،‭ ‬ظل‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬عاجزاً‭ ‬باستمرار‭ ‬عن‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬حاسمة‭. ‬إن‭ ‬مشاهدة‭ ‬فلسطين‭ ‬وهي‭ ‬تحتضر‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬كونها‭ ‬شهادةً‭ ‬على‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬إدانةٌ‭ ‬للضمير‭ ‬العالمي‭.‬

إن‭ ‬استمرار‭ ‬حالة‭ ‬انعدام‭ ‬الدولة‭ ‬والاحتلال‭ ‬القمعي‭ ‬يضمن‭ ‬أن‭ ‬يولد‭ ‬كل‭ ‬جيل‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬عالمٍ‭ ‬يظل‭ ‬فيه‭ ‬الموت‭ ‬المبكر‭ ‬شبحاً‭ ‬يتربص‭ ‬عند‭ ‬الأبواب‭.‬

إن‭ ‬الرفض‭ ‬المستمر‭ ‬الذي‭ ‬يبديه‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬للخضوع‭ ‬أو‭ ‬النسيان‭ ‬هو‭ ‬برهانٌ‭ ‬على‭ ‬صموده‭ ‬المُلهم‭. ‬فهو‭ ‬يقدّم‭ ‬نموذجاً‭ ‬قوياً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬السعي‭ ‬نحو‭ ‬الحرية‭ ‬الحقيقية‭ ‬مسؤوليةٌ‭ ‬مقدسة‭ ‬تتوارثها‭ ‬الأجيال،‭ ‬وتستحق‭ ‬الدفاع‭ ‬عنها‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬الثمن‭.‬

ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الصمود‭ ‬الفلسطيني‭ ‬على‭ ‬مجرد‭ ‬البقاء‭ ‬السلبي؛‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬فعلٌ‭ ‬يوميٌّ‭ ‬نشط‭ ‬لاستعادة‭ ‬الحقوق،‭ ‬يرفض‭ ‬السماح‭ ‬بإعادة‭ ‬كتابة‭ ‬التاريخ‭ ‬أو‭ ‬إسكات‭ ‬صوت‭ ‬العدالة‭. ‬فعلى‭ ‬مر‭ ‬الأجيال،‭ ‬ورغم‭ ‬قسوة‭ ‬المنفى‭ ‬والتهجير‭ ‬والفقدان،‭ ‬تظل‭ ‬الروح‭ ‬الفلسطينية‭ ‬متجذرة‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬ومتمسكةً‭ ‬بإصرارٍ‭ ‬لا‭ ‬يلين‭ ‬بالكرامة‭ ‬وحق‭ ‬تقرير‭ ‬المصير‭.‬

وفي‭ ‬كل‭ ‬فعلٍ‭ ‬هادئٍ‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهوية،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬صرخةٍ‭ ‬مدويةٍ‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التحرر،‭ ‬يثبت‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬الغاشمة‭ ‬والوحشية‭ ‬المفرطة‭ ‬للاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬تسبب‭ ‬معاناةً‭ ‬عميقة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لن‭ ‬تستطيع‭ ‬أبداً‭ ‬محو‭ ‬شعبٍ‭ ‬تظل‭ ‬هويته‭ ‬وآماله‭ ‬وإنسانيته‭ ‬متقدةً‭ ‬بشجاعةٍ‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬الانكسار‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬فلسطيني‭ ‬بجامعة‭ ‬أمريكية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا