قبل أشهر كنتُ في عقد قران إحدى قريباتي، والحضور قليل، من أهل العروس وأهل العريس. والمأذون حاضر، وكلامه يصل إلى من تجلس آخر المجلس، على ما جرت به العادة.
بدأ بما يُقرأ في كل عقد، الأسماء ثم المهر مقدمه ومؤخره، والحاضرات يسمعن بنصف انتباه، فهذا كلام ألفته الآذان من كثرة ما تكرر. ثم قال إن للعروس شروطاً، وأخذ يتلوها واحداً بعد الآخر، إلى أن بلغ شرطاً توقفتُ عنده، أن لها أن تطلِّق نفسها إن تزوج عليها زوجها.
رفعتُ عيني عن المأذون ونقلتها إلى وجوه الحاضرات، أنتظر ردّ الفعل. كان الوضع طبيعيا، وسار الكلام كأن شيئاً لم يكن. فهدأ في نفسي خوف قديم من أن يتغيَّر لشرط كهذا وجه أحد، وبقيت الجلسة على حالها.
والشرط الذي سمعته واحد من أبواب فتحها القانون للزوجة. فلها مثلاً أن تكتب في عقدها حقها في العمل خارج البيت، فلا يُحسب خروجها إليه عليها يوماً. وأبواب كهذه تُتلى في عقود كثيرة ويمرّ عليها الحاضرون، ثم تبقى مجهولة عند أكثر النساء. والسبب في ظني أن الناس يقصدون القانون بعد وقوع المشكلة، ولا يقرؤونه قبلها ليعرفوا ما لهم.
ولعل من يقرأ يظن أن العروس طلبت ما ليس لها، والحقيقة أنها طلبت ما هو لها. فالقاعدة في القانون صريحة، الأزواج عند شروطهم، ما دام الشرط لا يحلّ حراماً ولا يحرِّم حلالاً، ومن أخلّ بشرطه فللطرف الآخر أن يطالبه بالوفاء به. ومن الأحكام التي يعرفها الفقه منذ قرون، وأخذ بها القانون، أن يجعل الزوج أمر الطلاق بيد زوجته بشرط مكتوب. ولم يترك المشرّع ذلك بلا ضابط، فالشرط الذي يعارض غاية الزواج يسقط ويبقى العقد صحيحاً. فالشروط تحمي الزواج ولا تُفرغه.
ومما يغيب عن كثيرين أن هذا الحق للزوجين معاً، فلكل منهما أن يشترط، ولكل منهما أن يطالب بشرطه. فالشرط اتفاق يدخله طرفان فيكتبان فيه ما يطمئنان إليه، ويخطئ من يراه احتياط امرأة من رجل.
ويبقى المكتوب أوثق ما يحفظ الشرط. فالقانون يقبل الشرط غير المكتوب إن شهد عليه الشهود أو أقرّ به الزوجان، غير أن الوعد الذي قيل أيام الخطبة يصعب إثباته يوم الخصومة، فالشهود تفرّقهم السنون، والإقرار بيد من قد تكون له مصلحة في الإنكار. ومن هنا يبدأ الشرط قبل العقد بأسابيع، في حديث بين العروسين وأهلهما.
وهذا الحديث قلّما يُفتح. أهل العروس يخشون أن «يطفِّشوا العريس» بأمر غير دارج، وقد لا يكونون اعتادوه أصلاً، وقد يُقرأ عندهم وعند أهله سوء ظن لا يقبله رجل مقبل على الزواج. فيمر الأمر في صمت، ويمضي كل واحد يظن أنه حفظ الود.
وكثير من الزوجات يضعن وثيقة الزواج في درج دون أن يقرأنها، ولا يعرفن ما كُتب فيها وما تُرك فارغاً. يفتحنها يوم الحاجة، ويومئذ لا ينفع فتحها.
والعلة أعمق من ذلك. فالناس يتعاملون مع عقد الزواج طقساً اجتماعياً أكثر منه ورقة رسمية. يُنفقون الشهور في تدبير الوليمة وقائمة المدعوين، ويمرّون على الورقة في دقائق، وهي وحدها التي تبقى بعد أن يُرفع الطعام ويعود كلٌّ إلى بيته. والمرأة التي تجهل أن لها هذا الحق تصل إلى يومها ولا شرط لها.
والعلاج في رأيي إجراء يسير يسبق العقد، ويوصل هذا الباب إلى الناس قبل المشكلة. فالمشرّع جعل كتابة الشرط في وثيقة العقد أوضح طرق إثباته، غير أن كثيراً من العقود تُكتب بلا شرط واحد. فلو سُلّمت للطرفين، عند تقديم الطلب إلى المأذون أو المحكمة الشرعية، ورقة قصيرة بلغة سهلة تعرض ما يجيزه القانون، ويوقّع كل منهما أنها عُرضت عليه، لصار الأمر خطوة في معاملة رسمية بعد أن كان متروكاً لفطنة الأهل. وبذلك يسقط عن المرأة وحدها عبء أن تكون هي التي أثارته.
وأبعد من الإجراء، أراها ثقافة تستحق أن تُزرع في البنات والأبناء بوصفها حقاً مشروعاً. أن يعرف كل منهما ما له وما عليه قبل أن يحتاج إليه، وأن يكون الحديث في شروط الزواج جزءاً من الاستعداد له كالحديث في المسكن والمهر. والأسرة التي تربّي أبناءها على أن المكتوب يصون المودة، تجنّبهم خصومات لا تنتهي.
والجيل الجديد أوضح رؤية لحقوقه. والعروس التي حضرتُ عقدها فعلت أمراً عادياً في جوهره، عرفت ما لها فطلبته. والمطلوب ألا يبقى هذا حظَّ من عرفت وحدها.
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com
nabeelarajab.blogspot.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك