العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الأزواج عند شروطهم.. وثقافة معرفة الحقوق

بقلم: نبيلة رجب

الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ - 02:00

قبل‭ ‬أشهر‭ ‬كنتُ‭ ‬في‭ ‬عقد‭ ‬قران‭ ‬إحدى‭ ‬قريباتي،‭ ‬والحضور‭ ‬قليل،‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬العروس‭ ‬وأهل‭ ‬العريس‭. ‬والمأذون‭ ‬حاضر،‭ ‬وكلامه‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬تجلس‭ ‬آخر‭ ‬المجلس،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬جرت‭ ‬به‭ ‬العادة‭. ‬

بدأ‭ ‬بما‭ ‬يُقرأ‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عقد،‭ ‬الأسماء‭ ‬ثم‭ ‬المهر‭ ‬مقدمه‭ ‬ومؤخره،‭ ‬والحاضرات‭ ‬يسمعن‭ ‬بنصف‭ ‬انتباه،‭ ‬فهذا‭ ‬كلام‭ ‬ألفته‭ ‬الآذان‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬ما‭ ‬تكرر‭. ‬ثم‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬للعروس‭ ‬شروطاً،‭ ‬وأخذ‭ ‬يتلوها‭ ‬واحداً‭ ‬بعد‭ ‬الآخر،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بلغ‭ ‬شرطاً‭ ‬توقفتُ‭ ‬عنده،‭ ‬أن‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تطلِّق‭ ‬نفسها‭ ‬إن‭ ‬تزوج‭ ‬عليها‭ ‬زوجها‭.‬

رفعتُ‭ ‬عيني‭ ‬عن‭ ‬المأذون‭ ‬ونقلتها‭ ‬إلى‭ ‬وجوه‭ ‬الحاضرات،‭ ‬أنتظر‭ ‬ردّ‭ ‬الفعل‭. ‬كان‭ ‬الوضع‭ ‬طبيعيا،‭ ‬وسار‭ ‬الكلام‭ ‬كأن‭ ‬شيئاً‭ ‬لم‭ ‬يكن‭. ‬فهدأ‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬خوف‭ ‬قديم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتغيَّر‭ ‬لشرط‭ ‬كهذا‭ ‬وجه‭ ‬أحد،‭ ‬وبقيت‭ ‬الجلسة‭ ‬على‭ ‬حالها‭.‬

والشرط‭ ‬الذي‭ ‬سمعته‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أبواب‭ ‬فتحها‭ ‬القانون‭ ‬للزوجة‭. ‬فلها‭ ‬مثلاً‭ ‬أن‭ ‬تكتب‭ ‬في‭ ‬عقدها‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬خارج‭ ‬البيت،‭ ‬فلا‭ ‬يُحسب‭ ‬خروجها‭ ‬إليه‭ ‬عليها‭ ‬يوماً‭. ‬وأبواب‭ ‬كهذه‭ ‬تُتلى‭ ‬في‭ ‬عقود‭ ‬كثيرة‭ ‬ويمرّ‭ ‬عليها‭ ‬الحاضرون،‭ ‬ثم‭ ‬تبقى‭ ‬مجهولة‭ ‬عند‭ ‬أكثر‭ ‬النساء‭. ‬والسبب‭ ‬في‭ ‬ظني‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬يقصدون‭ ‬القانون‭ ‬بعد‭ ‬وقوع‭ ‬المشكلة،‭ ‬ولا‭ ‬يقرؤونه‭ ‬قبلها‭ ‬ليعرفوا‭ ‬ما‭ ‬لهم‭.‬

ولعل‭ ‬من‭ ‬يقرأ‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬العروس‭ ‬طلبت‭ ‬ما‭ ‬ليس‭ ‬لها،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أنها‭ ‬طلبت‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬لها‭. ‬فالقاعدة‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬صريحة،‭ ‬الأزواج‭ ‬عند‭ ‬شروطهم،‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬الشرط‭ ‬لا‭ ‬يحلّ‭ ‬حراماً‭ ‬ولا‭ ‬يحرِّم‭ ‬حلالاً،‭ ‬ومن‭ ‬أخلّ‭ ‬بشرطه‭ ‬فللطرف‭ ‬الآخر‭ ‬أن‭ ‬يطالبه‭ ‬بالوفاء‭ ‬به‭. ‬ومن‭ ‬الأحكام‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬الفقه‭ ‬منذ‭ ‬قرون،‭ ‬وأخذ‭ ‬بها‭ ‬القانون،‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬الزوج‭ ‬أمر‭ ‬الطلاق‭ ‬بيد‭ ‬زوجته‭ ‬بشرط‭ ‬مكتوب‭. ‬ولم‭ ‬يترك‭ ‬المشرّع‭ ‬ذلك‭ ‬بلا‭ ‬ضابط،‭ ‬فالشرط‭ ‬الذي‭ ‬يعارض‭ ‬غاية‭ ‬الزواج‭ ‬يسقط‭ ‬ويبقى‭ ‬العقد‭ ‬صحيحاً‭. ‬فالشروط‭ ‬تحمي‭ ‬الزواج‭ ‬ولا‭ ‬تُفرغه‭.‬

ومما‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬كثيرين‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬للزوجين‭ ‬معاً،‭ ‬فلكل‭ ‬منهما‭ ‬أن‭ ‬يشترط،‭ ‬ولكل‭ ‬منهما‭ ‬أن‭ ‬يطالب‭ ‬بشرطه‭. ‬فالشرط‭ ‬اتفاق‭ ‬يدخله‭ ‬طرفان‭ ‬فيكتبان‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬يطمئنان‭ ‬إليه،‭ ‬ويخطئ‭ ‬من‭ ‬يراه‭ ‬احتياط‭ ‬امرأة‭ ‬من‭ ‬رجل‭. ‬

ويبقى‭ ‬المكتوب‭ ‬أوثق‭ ‬ما‭ ‬يحفظ‭ ‬الشرط‭. ‬فالقانون‭ ‬يقبل‭ ‬الشرط‭ ‬غير‭ ‬المكتوب‭ ‬إن‭ ‬شهد‭ ‬عليه‭ ‬الشهود‭ ‬أو‭ ‬أقرّ‭ ‬به‭ ‬الزوجان،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الوعد‭ ‬الذي‭ ‬قيل‭ ‬أيام‭ ‬الخطبة‭ ‬يصعب‭ ‬إثباته‭ ‬يوم‭ ‬الخصومة،‭ ‬فالشهود‭ ‬تفرّقهم‭ ‬السنون،‭ ‬والإقرار‭ ‬بيد‭ ‬من‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬مصلحة‭ ‬في‭ ‬الإنكار‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يبدأ‭ ‬الشرط‭ ‬قبل‭ ‬العقد‭ ‬بأسابيع،‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬بين‭ ‬العروسين‭ ‬وأهلهما‭. ‬

وهذا‭ ‬الحديث‭ ‬قلّما‭ ‬يُفتح‭. ‬أهل‭ ‬العروس‭ ‬يخشون‭ ‬أن‭ ‬‮«‬يطفِّشوا‭ ‬العريس‮»‬‭ ‬بأمر‭ ‬غير‭ ‬دارج،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬يكونون‭ ‬اعتادوه‭ ‬أصلاً،‭ ‬وقد‭ ‬يُقرأ‭ ‬عندهم‭ ‬وعند‭ ‬أهله‭ ‬سوء‭ ‬ظن‭ ‬لا‭ ‬يقبله‭ ‬رجل‭ ‬مقبل‭ ‬على‭ ‬الزواج‭. ‬فيمر‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬صمت،‭ ‬ويمضي‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬يظن‭ ‬أنه‭ ‬حفظ‭ ‬الود‭.‬

وكثير‭ ‬من‭ ‬الزوجات‭ ‬يضعن‭ ‬وثيقة‭ ‬الزواج‭ ‬في‭ ‬درج‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقرأنها،‭ ‬ولا‭ ‬يعرفن‭ ‬ما‭ ‬كُتب‭ ‬فيها‭ ‬وما‭ ‬تُرك‭ ‬فارغاً‭. ‬يفتحنها‭ ‬يوم‭ ‬الحاجة،‭ ‬ويومئذ‭ ‬لا‭ ‬ينفع‭ ‬فتحها‭.‬

والعلة‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬ذلك‭. ‬فالناس‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬عقد‭ ‬الزواج‭ ‬طقساً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬ورقة‭ ‬رسمية‭. ‬يُنفقون‭ ‬الشهور‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬الوليمة‭ ‬وقائمة‭ ‬المدعوين،‭ ‬ويمرّون‭ ‬على‭ ‬الورقة‭ ‬في‭ ‬دقائق،‭ ‬وهي‭ ‬وحدها‭ ‬التي‭ ‬تبقى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يُرفع‭ ‬الطعام‭ ‬ويعود‭ ‬كلٌّ‭ ‬إلى‭ ‬بيته‭. ‬والمرأة‭ ‬التي‭ ‬تجهل‭ ‬أن‭ ‬لها‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬يومها‭ ‬ولا‭ ‬شرط‭ ‬لها‭.‬

والعلاج‭ ‬في‭ ‬رأيي‭ ‬إجراء‭ ‬يسير‭ ‬يسبق‭ ‬العقد،‭ ‬ويوصل‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬قبل‭ ‬المشكلة‭. ‬فالمشرّع‭ ‬جعل‭ ‬كتابة‭ ‬الشرط‭ ‬في‭ ‬وثيقة‭ ‬العقد‭ ‬أوضح‭ ‬طرق‭ ‬إثباته،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬العقود‭ ‬تُكتب‭ ‬بلا‭ ‬شرط‭ ‬واحد‭. ‬فلو‭ ‬سُلّمت‭ ‬للطرفين،‭ ‬عند‭ ‬تقديم‭ ‬الطلب‭ ‬إلى‭ ‬المأذون‭ ‬أو‭ ‬المحكمة‭ ‬الشرعية،‭ ‬ورقة‭ ‬قصيرة‭ ‬بلغة‭ ‬سهلة‭ ‬تعرض‭ ‬ما‭ ‬يجيزه‭ ‬القانون،‭ ‬ويوقّع‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬أنها‭ ‬عُرضت‭ ‬عليه،‭ ‬لصار‭ ‬الأمر‭ ‬خطوة‭ ‬في‭ ‬معاملة‭ ‬رسمية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬متروكاً‭ ‬لفطنة‭ ‬الأهل‭. ‬وبذلك‭ ‬يسقط‭ ‬عن‭ ‬المرأة‭ ‬وحدها‭ ‬عبء‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أثارته‭.‬

وأبعد‭ ‬من‭ ‬الإجراء،‭ ‬أراها‭ ‬ثقافة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تُزرع‭ ‬في‭ ‬البنات‭ ‬والأبناء‭ ‬بوصفها‭ ‬حقاً‭ ‬مشروعاً‭. ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬ما‭ ‬له‭ ‬وما‭ ‬عليه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬الحديث‭ ‬في‭ ‬شروط‭ ‬الزواج‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الاستعداد‭ ‬له‭ ‬كالحديث‭ ‬في‭ ‬المسكن‭ ‬والمهر‭. ‬والأسرة‭ ‬التي‭ ‬تربّي‭ ‬أبناءها‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المكتوب‭ ‬يصون‭ ‬المودة،‭ ‬تجنّبهم‭ ‬خصومات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭.‬

والجيل‭ ‬الجديد‭ ‬أوضح‭ ‬رؤية‭ ‬لحقوقه‭. ‬والعروس‭ ‬التي‭ ‬حضرتُ‭ ‬عقدها‭ ‬فعلت‭ ‬أمراً‭ ‬عادياً‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬عرفت‭ ‬ما‭ ‬لها‭ ‬فطلبته‭. ‬والمطلوب‭ ‬ألا‭ ‬يبقى‭ ‬هذا‭ ‬حظَّ‭ ‬من‭ ‬عرفت‭ ‬وحدها‭.‬

 

{‭ ‬قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية‭. ‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

nabeelarajab‭.‬blogspot‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا