العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

القرآن.. وحديثه عن القرآن!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠١ نوفمبر ٢٠٢٦ - 02:00

إن‭ ‬فهمنا‭ ‬لحديث‭ ‬القرآن‭ ‬عن‭ ‬القرآن‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬البيان،‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬توثيق‭ ‬الصلة‭ ‬بهذا‭ ‬الكتاب‭ ‬المعجزة‭ ‬الذي‭ ‬اختاره‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬ليكون‭ ‬حجة‭ ‬على‭ ‬الناس،‭ ‬وشهادة‭ ‬على‭ ‬نبوغ‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬البلاغة‭ ‬والبيان،‭ ‬التي‭ ‬بلغوا‭ ‬فيها‭ ‬القمة،‭ ‬وكضمان‭ ‬لهذا‭ ‬الوضوح‭ ‬وذاك‭ ‬البيان،‭ ‬تولى‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬حفظه‭ ‬وصيانته‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يعبث‭ ‬به‭ ‬العابثون،‭ ‬أو‭ ‬ينحرف‭ ‬به‭ ‬وبسوره‭ ‬وآياته‭ ‬المنحرفون‭ ‬الذين‭ ‬يسعون‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬فسادا،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬إنا‭ ‬نحن‭ ‬نزلنا‭ ‬الذكر‭ ‬وإنا‭ ‬له‭ ‬لحافظون‮»‬‭ ‬الحجر‭: ‬9‭ .‬

ومن‭ ‬وسائل‭ ‬حفظه‭ ‬وصيانته‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬البشري‭ ‬بالإضافة‭ ‬أو‭ ‬الحذف،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬وإنه‭ ‬لكتاب‭ ‬عزيز‭ (‬41‭) ‬لا‭ ‬يأتيه‭ ‬الباطل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬خلفه‭ ‬تنزيل‭ ‬من‭ ‬حكيم‭ ‬حميد‭ (‬42‭)‬‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬الصف‭.‬

والقرآن‭ ‬إنما‭ ‬نزل‭ ‬للتدبر‭ ‬لأنه‭ ‬كتاب‭ ‬مبارك،‭ ‬ومن‭ ‬بركة‭ ‬عطائه‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬حد‭ ‬وهو‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬خصومه‭ ‬بدليل‭ ‬أنه‭ ‬يورد‭ ‬ادعاءاتهم‭ ‬ضده‭ ‬ثم‭ ‬يقوم‭ ‬بالرد‭ ‬عليها‭ ‬وتفنيدها،‭ ‬والعجيب‭ ‬أنهم‭ ‬يحتجون‭ ‬بالأدلة‭ ‬والبراهين‭ ‬التي‭ ‬أوردها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬للرد‭ ‬عليهم،‭ ‬ويظنون‭ ‬أنها‭ ‬أدلتهم‭ ‬في‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬نسبة‭ ‬القرآن‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬ومن‭ ‬الأدلة‭ ‬التي‭ ‬يوردونها‭ ‬القول‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬على‭ ‬لسانهم‭ ‬في‭ ‬القرآن،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬أفلا‭ ‬يتدبرون‭ ‬القرآن‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬عند‭ ‬غير‭ ‬الله‭ ‬لوجدوا‭ ‬فيه‭ ‬اختلافا‭ ‬كثيرا‮»‬‭ ‬النساء‭: ‬82‭.‬

وحين‭ ‬يحاولون‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬اختلافات‭ ‬لا‭ ‬يجدون‭ ‬شيئا‭ ‬منها،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تسلم‭ ‬القضية‭ ‬للمسلمين،‭ ‬بأن‭ ‬القرآن‭ ‬هو‭ ‬بحق‭ ‬المعجزة‭ ‬التي‭ ‬اختارها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬لإثبات‭ ‬صدق‭ ‬الرسول‭ ‬في‭ ‬البلاغ‭ ‬عن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬السبب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬أنهم‭ ‬يفتحون‭ ‬مصاحفهم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفتحوا‭ ‬قلوبهم،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬أفلا‭ ‬يتدبرون‭ ‬القرآن‭ ‬أم‭ ‬على‭ ‬قلوب‭ ‬أقفالها‮»‬‭. ‬ولأن‭ ‬القرآن‭ ‬كتاب‭ ‬غير‭ ‬عادي‭ ‬فله‭ ‬معاملة‭ ‬خاصة‭ ‬به‭ ‬لا‭ ‬يشاركه‭ ‬فيها‭ ‬أحد،‭ ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الخصوصية‭ ‬في‭ ‬المعاملة‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬قارئ‭ ‬القرآن‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬من‭ ‬يتلو‭ ‬القرآن‭ ‬بتخلية‭ ‬قلبه‭ ‬من‭ ‬شواغل‭ ‬الدنيا،‭ ‬وعليه‭ ‬أن‭ ‬يملأ‭ ‬قلبه‭ ‬بالإخلاص‭ ‬والإقبال‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬ليستجيب‭ ‬له‭ ‬ربه‭ ‬سبحانه‭ ‬بما‭ ‬يرجوه‭ ‬من‭ ‬خير‭ ‬وأن‭ ‬يصرف‭ ‬عنه‭ ‬كل‭ ‬شر،‭ ‬وعلى‭ ‬المسلم‭ ‬عند‭ ‬تلاوة‭ ‬القرآن‭ ‬أن‭ ‬يستحضر‭ ‬كل‭ ‬أسباب‭ ‬الإخلاص‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬الكريم،‭ ‬وخاصة‭ ‬أنه‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬أحسن‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬قصها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬على‭ ‬رسوله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬يقول‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬نحن‭ ‬نقص‭ ‬عليك‭ ‬أحسن‭ ‬القصص‭ ‬بما‭ ‬أوحينا‭ ‬إليك‭ ‬هذا‭ ‬القرآن‭ ‬وإن‭ ‬كنت‭ ‬من‭ ‬قبله‭ ‬لمن‭ ‬الغافلين‮»‬‭ ‬يوسف‭: ‬3‭ .‬

وحين‭ ‬يشير‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬إلى‭ ‬القرآن‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬البقرة‭ ‬‮«‬ألم‭ (‬1‭) ‬ذلك‭ ‬الكتاب‭ ‬لا‭ ‬ريب‭ ‬فيه‭ ‬هدى‭ ‬للمتقين‭ (‬2‭)‬‮»‬‭. ‬فمن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الهداية‭ ‬فسيجدها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬ومن‭ ‬أراد‭ ‬التقوى‭ ‬حماية‭ ‬لنفسه‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬صفات‭ ‬الجلال‭ ‬بصفات‭ ‬الجمال،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬وكذلك‭ ‬أنزلناه‭ ‬قرآنا‭ ‬عربيا‭ ‬وصرفنا‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬الوعيد‭ ‬لعلهم‭ ‬يعقلون‭ ‬أو‭ ‬يحدث‭ ‬لهم‭ ‬ذكرا‮»‬‭ ‬طه‭: ‬113‭ .‬وإصرار‭ ‬القرآن‭ ‬وتحديه‭ ‬للأمة‭ ‬التي‭ ‬نزل‭ ‬فيها‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬المعجز‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬دفاع‭ ‬عن‭ ‬اختيارات‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬فهو‭ ‬الذي‭ ‬اختار‭ ‬هذه‭ ‬المعجزة‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬صدق‭ ‬الرسول‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬في‭ ‬بلاغه‭ ‬عن‭ ‬الله‭ ‬تعالى،‭ ‬قال‭ ‬سبحانه‭: ‬‮«‬وعلم‭ ‬آدم‭ ‬الأسماء‭ ‬كلها‭ ‬ثم‭ ‬عرضهم‭ ‬على‭ ‬الملائكة‭ ‬فقال‭ ‬أنبئوني‭ ‬بأسماء‭ ‬هؤلاء‭ ‬إن‭ ‬كنتم‭ ‬صادقين‭ (‬31‭) ‬قالوا‭ ‬سبحانك‭ ‬لا‭ ‬علم‭ ‬لنا‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬علمتنا‭ ‬إنك‭ ‬أنت‭ ‬العليم‭ ‬الحكيم‭ (‬32‭)‬‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬البقرة‭.‬

لقد‭ ‬أرسى‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬المعمار‭ ‬المعرفي‭ ‬حين‭ ‬قص‭ ‬على‭ ‬عبده‭ ‬ورسوله‭ ‬محمد‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬القصص‭ ‬الحق،‭ ‬وهي‭ ‬وإن‭ ‬تشابهت‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يشيعه‭ ‬الناس‭ ‬فيما‭ ‬بينهم‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬لكنها‭ ‬تختلف‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬المضمون‭ ‬لأنها‭ ‬وحي‭ ‬يوحى‭.‬

‭ ‬إذا،‭ ‬فالقرآن‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬كتاب‭ ‬مكتوب،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬كتاب‭ ‬مقروء،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬مصدر‭ ‬للمعارف‭ ‬والعلوم،‭ ‬وهو‭ ‬جامع‭ ‬للشوارد،‭ ‬وملهم‭ ‬للإبداع،‭ ‬ومحرك‭ ‬للمشاعر،‭ ‬وهو‭ ‬فوق‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬معجز‭ ‬ختم‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬به‭ ‬المعجزات‭ ‬وبه‭ ‬ختمت‭ ‬النبوءات،‭ ‬فلا‭ ‬نبي‭ ‬بعد‭ ‬محمد‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬ولا‭ ‬معجزة‭ ‬بعد‭ ‬القرآن،‭ ‬ولا‭ ‬أمة‭ ‬بعد‭ ‬أمة‭ ‬الإسلام،‭ ‬أوكل‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬إليها‭ ‬مهمة‭ ‬إبلاغ‭ ‬العالمين‭ ‬برسالة‭ ‬الإسلام‭ ‬وتقديم‭ ‬النموذج‭ ‬الأمثل‭ ‬لقيم‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬حياتهم،‭ ‬والقرآن‭ ‬أيضا‭ ‬برنامج‭ ‬للعمل‭ ‬الصالح‭ ‬يرسم‭ ‬للإنسان‭ ‬الصراط‭ ‬السوي‭ ‬ويربط‭ ‬الماضي‭ ‬بالحاضر،‭ ‬ويستشرف‭ ‬المستقبل،‭ ‬فيه‭ ‬إجابات‭ ‬شافية‭ ‬كافية‭ ‬لأسئلة‭ ‬وقعت،‭ ‬ولأسئلة‭ ‬لم‭ ‬تقع‭ ‬بعد‭ ‬ولم‭ ‬يأت‭ ‬أوانها‭ ‬بعد‭.‬

ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬ويسألونك‭ ‬عن‭ ‬الجبال‭ ‬فقل‭ ‬ينسفها‭ ‬ربي‭ ‬نسفا‭ (‬105‭) ‬فيذرها‭ ‬قاعا‭ ‬صفصفا‭ (‬106‭) ‬لا‭ ‬ترى‭ ‬فيها‭ ‬عوجا‭ ‬ولا‭ ‬أمتا‭ (‬107‭)‬‮»‬‭. ‬سورة‭ ‬طه

وهناك‭ ‬أسئلة‭ ‬أجاب‭ ‬الرسول‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬عن‭ ‬بعضها،‭ ‬وأجل‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬حتى‭ ‬يأتي‭ ‬زمانها،‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬سألها‭ ‬المسلمون‭ ‬ولم‭ ‬يجب‭ ‬عنها‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬ليكون‭ ‬القرآن‭ ‬العظيم‭ ‬مصدرا‭ ‬ثريا‭ ‬للمعارف‭ ‬والعلوم‭ ‬التي‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها‭ ‬المسلمون‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭. ‬هكذا‭ ‬صار‭ ‬للمسلمين‭ ‬مخزونا‭ ‬من‭ ‬المعارف‭ ‬والعلوم،‭ ‬استعانوا‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬صنع‭ ‬حضارة‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬التاريخ‭ ‬لها‭ ‬مثالا‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الإسلام‭ ‬الذي‭ ‬تركه‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬عقيدة‭ ‬صافية،‭ ‬وصراطا‭ ‬سويا‭ ‬في‭ ‬الأخلاق‭ ‬والعمل‭ ‬الصالح‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا