إن فهمنا لحديث القرآن عن القرآن يحتاج إلى مزيد من البيان، ومن أجل توثيق الصلة بهذا الكتاب المعجزة الذي اختاره الله تعالى ليكون حجة على الناس، وشهادة على نبوغ العرب في البلاغة والبيان، التي بلغوا فيها القمة، وكضمان لهذا الوضوح وذاك البيان، تولى الحق سبحانه وتعالى حفظه وصيانته من أن يعبث به العابثون، أو ينحرف به وبسوره وآياته المنحرفون الذين يسعون في الأرض فسادا، قال تعالى: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» الحجر: 9 .
ومن وسائل حفظه وصيانته من التدخل البشري بالإضافة أو الحذف، قال تعالى: «وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42)» سورة الصف.
والقرآن إنما نزل للتدبر لأنه كتاب مبارك، ومن بركة عطائه التي لا تقف عند حد وهو قادر على مواجهة خصومه بدليل أنه يورد ادعاءاتهم ضده ثم يقوم بالرد عليها وتفنيدها، والعجيب أنهم يحتجون بالأدلة والبراهين التي أوردها الله تعالى للرد عليهم، ويظنون أنها أدلتهم في التشكيك في نسبة القرآن إلى الله تعالى، ومن الأدلة التي يوردونها القول الذي جاء على لسانهم في القرآن، قال تعالى: «أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا» النساء: 82.
وحين يحاولون البحث في القرآن عن أي اختلافات لا يجدون شيئا منها، ومن ثم تسلم القضية للمسلمين، بأن القرآن هو بحق المعجزة التي اختارها الله تعالى لإثبات صدق الرسول في البلاغ عن الله تعالى ربما يكون السبب في هذا هو أنهم يفتحون مصاحفهم قبل أن يفتحوا قلوبهم، قال تعالى: «أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها». ولأن القرآن كتاب غير عادي فله معاملة خاصة به لا يشاركه فيها أحد، ومن هذه الخصوصية في المعاملة أن على قارئ القرآن أن يقوم من يتلو القرآن بتخلية قلبه من شواغل الدنيا، وعليه أن يملأ قلبه بالإخلاص والإقبال على الله تعالى ليستجيب له ربه سبحانه بما يرجوه من خير وأن يصرف عنه كل شر، وعلى المسلم عند تلاوة القرآن أن يستحضر كل أسباب الإخلاص في التعامل مع هذا الكتاب الكريم، وخاصة أنه يتعامل مع أحسن القصص التي قصها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى: «نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين» يوسف: 3 .
وحين يشير القرآن الكريم إلى القرآن كما جاء في سورة البقرة «ألم (1) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2)». فمن يبحث عن الهداية فسيجدها في هذا الكتاب، ومن أراد التقوى حماية لنفسه من آثار صفات الجلال بصفات الجمال، قال تعالى: «وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يعقلون أو يحدث لهم ذكرا» طه: 113 .وإصرار القرآن وتحديه للأمة التي نزل فيها هذا الكتاب المعجز هو في الحقيقة دفاع عن اختيارات الله تعالى، فهو الذي اختار هذه المعجزة الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في بلاغه عن الله تعالى، قال سبحانه: «وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم (32)» سورة البقرة.
لقد أرسى الحق سبحانه وتعالى المعمار المعرفي حين قص على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم القصص الحق، وهي وإن تشابهت مع ما يشيعه الناس فيما بينهم من قصص لكنها تختلف عنها في المضمون لأنها وحي يوحى.
إذا، فالقرآن في القرآن كتاب مكتوب، وهو في القرآن كتاب مقروء، وهو في القرآن مصدر للمعارف والعلوم، وهو جامع للشوارد، وملهم للإبداع، ومحرك للمشاعر، وهو فوق هذا كله معجز ختم الله تعالى به المعجزات وبه ختمت النبوءات، فلا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، ولا معجزة بعد القرآن، ولا أمة بعد أمة الإسلام، أوكل الله تعالى إليها مهمة إبلاغ العالمين برسالة الإسلام وتقديم النموذج الأمثل لقيم الإسلام في حياتهم، والقرآن أيضا برنامج للعمل الصالح يرسم للإنسان الصراط السوي ويربط الماضي بالحاضر، ويستشرف المستقبل، فيه إجابات شافية كافية لأسئلة وقعت، ولأسئلة لم تقع بعد ولم يأت أوانها بعد.
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: «ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107)». سورة طه
وهناك أسئلة أجاب الرسول صلى الله عليه وسلم عن بعضها، وأجل الإجابة عن البعض الآخر حتى يأتي زمانها، وكثير من الأسئلة التي سألها المسلمون ولم يجب عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون القرآن العظيم مصدرا ثريا للمعارف والعلوم التي يحتاج إليها المسلمون في حياتهم. هكذا صار للمسلمين مخزونا من المعارف والعلوم، استعانوا بها على صنع حضارة لم يشهد التاريخ لها مثالا.
هذا هو الإسلام الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم عقيدة صافية، وصراطا سويا في الأخلاق والعمل الصالح.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك