بعد نقاش طويل وحاد بين رواد أحد المجالس حول أهمية استرجاع الذكريات والاستفادة منها، وبين رافض فكرة الاسترجاع ومؤيد لها، جلستُ بين يديّ صندوق جدي الحديدي القديم، أتصفح تلك الوريقات القديمة، وأسأل نفسي: هل كتب جدي حول هذا الموضوع أي شيء؟
وجدتُ هذا الحكاية في واحدة من القصاصات، يقول جدي في قصاصة من أوراقه:
في منتصف الليل، حيث تسترخي عتمة الغرفة وتتوهج نجوم السماء في الخارج، كان العقل يجلس على كرسيه الوثير، يرتّب ملفات الأيام بصرامة وهدوء، بينما كان القلب مستلقيًا قريبًا منه، يئن بصمت تحت وطأة شعور دافئ وغامض يشبه الحنين.
وسط هذا السكون، أطلّت الذاكرة من خلف ستار الغيب، حاملة في يديها صندوقًا قديمًا مغبرًا بعبق السنين، فتحته ببطء، فانسابت منه رائحة مطر قديم، وضحكات باهتة، ووعود عتيقة كادت الأيام تمحوها. هزّت الذاكرة رأسها وقالت بصوت يشبه حفيف الأوراق في الخريف:
الذاكرة: أما آن لهذه التفاصيل أن تخرج من الظل؟ لستُ أريد سوى أن أحيي فيكما بعض ما كان، لتعرفا من أين أتيما.
التفت العقل ببطء، وخلع نظارته الفكرية وقال بنبرة عقلانية حذرة: يا ذاكرة، لِمَ العبث بالملفات المغلقة؟ لقد طوينا تلك الصفحات لأسباب وجيهة. الحنين إلى الماضي ليس سوى استهلاك عبثي لطاقة الحاضر، وتاريخ انتهى صلاحيته لا يُبنى عليه مستقبل.
انتفض القلب بسرعة، وقد ومضت عيناه بنور غريب، وقال بصوت يقطر حرقة: أيها الجاف، أنت لا تفهم شيئًا. تلك ليست مجرد ملفات وأرقام؛ تلك هي نبضاتنا الأولى، هي الحكاية التي جعلتنا بشرًا حقيقيين. كيف لك أن ترتدي ثوب الحياد أمام أيام كانت تضيء صدر العالم بأسره؟ دع الذاكرة تمرر ريحها الدافئة؛ أنا بحاجة إلى أن أشعر أنني مازلت حيًا، لا مجرد مضخة دم صماء.
ابتسمت الذاكرة وهي تقرّب إليهما طيفًا لنافذة قديمة، ووجه غاب لكنه ترك أثرًا لا ينمحي، وقالت: رفقًا ببعضكما، فأنا لست سجنًا كما تظن يا عقل، ولست جرحًا ينزف بلا توقف كما يخشى القلب. أنا مجرد مرآة؛ ترون فيها أنفسكم حين كنتم أصفى وأصدق.
نظر العقل إلى الطيف مطولاً، ولأول مرة تراجع صوته الحاد ليحل محله هدوء عميق، وقال بخفوت: ربما، ربما كنتُ قاسيًا بعض الشيء يا قلب. أنا لا أرفض الذكريات لذاتها، بل أخشى أن تظل أسيرًا لها، فالإنسان لا يستطيع أن يمشي إلى الأمام وعنقه ملتفت دائمًا إلى الوراء.
أجاب القلب بنبرة أرّقها الشوق، وهو يمد يده ليلامس طيف الذكرى: الألم هنا ليس عقابًا، يا عقل. إنه الدليل الوحيد على أننا أحببنا بصدق، وأننا جربنا الحياة بكل جنونها وجمالها. الذكريات ليست مجرد ماضٍ انتهى، بل هي البذرة التي يظل عطرها في الروح مهما تغيرت الفصول.
التفت القلب للذاكرة، فقال وهو يشير إلى الصندوق: افتحيه، أرجوكِ.
فتحت الذاكرة الصندوق، حينئذ تسلل ضوءٌ دافئ منه، الذاكرة: هذه أول ذكرى، ضحكة في صباح بعيد، والشمس تدخل من النافذة، وكنتَ أنت يا قلب تقفز فرحًا.
القلب: (بصوت مرتجف) آه، أذكرها. كنتُ أنبض بسرعة لم أعرفها قبلها ولا بعدها.
العقل: (يلين قليلًا) كنتُ حينها صامتًا، لم أجد ما أقوله، حتى أنا لم أحلل تلك اللحظة، اكتفيتُ أن أعيشها.
القلب: أترى يا زميلي العقل؟ حتى أنت تعترف أن بعض الأشياء لا تُحسب.
العقل: لم أعترف بشيء، قلتُ فقط إنني صمتُّ.
الذاكرة: (تبتسم) والصمت اعتراف أيضًا، وهذه ذكرى أخرى.
تُخرج الذاكرة ورقة مطوية، فتقول: رسالةٌ لم تُرسل.
ويسود صمت ثقيل،
القلب: (بصوت خافت) لا، أرجوك لا تقرئيها.
العقل: (بحدة) كنتُ أنا من منعك من إرسالها، وأنا لا أندم على ذلك.
القلب: لكنني ندمت، كل ليلة، ندمت.
العقل: لو أُرسلت لانكسرتَ أكثر. أنا حميتك.
القلب: حميتني من الألم، لكنك حرمتني من الإجابة. أي الأمرين أقسى: أن أُرفض، أم أن أظل أتساءل كل عمري؟
العقل: (بعد صمت) لا أملك جوابًا لهذا السؤال.
الذاكرة: (برفق) وهذا أصدق ما سمعتُه منك منذ سنين.
العقل: ربما كنتُ أخاف، أنا أيضًا أخاف يا قلب. أنت تظنني بلا مشاعر، لكنني حين أحسب وأحذّر، أفعل ذلك لأنني خائف عليك.
القلب: (بتأثر) لم أعرف هذا. كنتُ أراك سجّانًا، ولم أرَ أنك كنتَ حارسًا.
العقل: وأنا كنتُ أراك طائشًا، ولم أرَ أنك كنتَ الحياة التي أحرسها.
تبتسم الذاكرة، وتُخرج من قاع الصندوق شيئًا صغيرًا لامعًا، فتقول: وهذه آخر ما في الصندوق، لحظة سلام، ليلة كهذه، جلستما فيها معًا من دون خصام.
القلب: (يضحك بخفة) يبدو أننا نكرر المشهد.
العقل: ربما لا نحتاج إلى ذاكرة لتذكّرنا، بل إلى أن نصغي لبعضنا بعضا قبل أن يفوت الأوان.
القلب: ما رأيك أن نعقد هدنة؟ تنصحني أنت، وأنا أُلهمك.
العقل: بشرط ألا تتجاهل تحذيري.
القلب: وبشرط ألا تُطفئ أحلامي.
تغلق الذاكرة الصندوق، وتقول: سأتركه عندكما. افتحاه كلما احتجتما أن تتذكرا أنكما لستما خصمين، بل جناحان لطائر واحد.
تخرج الذاكرة بهدوء، ويبقى القلب والعقل جالسين، وقد دفأ الفنجانان بعد برود، أو هكذا خُيّل إليهما. وقبيل أن تخرج الذاكرة اقتربت منهما أكثر، وغمرتهما معًا بضوء دافئ خافت، وامتزجت أصواتهم في سكون الليل؛ العقل يبحث عن حكمة في العابر، والقلب يرتوي من رحيق الماضي، والذاكرة تبتسم وهي تغلق صندوقها برفق، مطمئنة إلى أن النار لم تكن لتموت طالما أن تحت الرماد قلبًا يحن وعقلاً يفكر.
يقول جدي معلقًا على هذه الحكاية وخاتمًا لها:
في تلك الليلة، لم ينتصر أحدهما على الآخر، فقد أدركا أن الإنسان لا يكتمل بقلبٍ بلا عقل، ولا بعقلٍ بلا قلب، وأن الذاكرة ليست عبئًا نحمله، بل جسرٌ يعيدنا إلى أنفسنا، فالذكرى بوصفها أمانة ووسيلة؛ نعمة نحفظ بها العبرة والوفاء والشكر، وتكليف بألا نسجن أنفسنا فيها، فنأخذ منها الدرس ونمضي بقلب مطمئن. وهي في جوهرها يقظة القلب التي تجمع بين العاطفة والتعقّل، كما اجتمعا في ليلة القلب والعقل.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك