العدد : ١٧٧٥٤ - الأحد ٠١ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٤ - الأحد ٠١ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

حاجة المجتمع الدولي إلى «أمم متحدة» جديدة

بقلم: د. حسن نافع

السبت ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬24‭ ‬أكتوبر‭ ‬1945‭ ‬قبل‭ ‬81‭ ‬عاماً‭ ‬دخل‭ ‬ميثاق‭ ‬‮«‬الأمم‭ ‬المتحدة‮»‬‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ،‭ ‬معلنا‭ ‬ولادة‭ ‬منظمة‭ ‬عالمية‭ ‬جديدة،‭ ‬تحلّ‭ ‬محل‭ ‬‮«‬عصبة‭ ‬الأمم‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬عقب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬وانهارت‭ ‬بسبب‭ ‬فشلها‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬اندلاع‭ ‬حرب‭ ‬عالمية‭ ‬ثانية‭. ‬ولأن‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬انتصرت‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬وهي‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬وفرنسا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬كانت‭ ‬صاحبة‭ ‬الإسهام‭ ‬الأوفر‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬عهد‭ ‬العصبة،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬انتصرت‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬صاحبة‭ ‬الإسهام‭ ‬الأوفر‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭. ‬وأن‭ ‬تحرص،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬على‭ ‬تلافي‭ ‬الثغرات‭ ‬التي‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬العصبة،‭ ‬أول‭ ‬تجربة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬البشرية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إقامة‭ ‬نظام‭ ‬عالمي‭ ‬للأمن‭ ‬الجماعي،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬إقدامها‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءاتٍ‭ ‬استهدفت‭ ‬ضمان‭ ‬مشاركة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬المنظمة‭ ‬الجديدة‭ ‬وتفادي‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬مؤتمر‭ ‬الصلح‭ ‬في‭ ‬فرساي‭ (‬حين‭ ‬رفض‭ ‬الكونجرس‭ ‬التصديق‭ ‬على‭ ‬عهد‭ ‬العصبة‭)‬،‭ ‬وحرصها‭ ‬على‭ ‬تضمين‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بنوداً‭ ‬تحرّم‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مجرّد‭ ‬التهديد‭ ‬بها،‭ ‬وتزويد‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬بالصلاحيات‭ ‬والسلطات‭ ‬والأدوات‭ ‬التي‭ ‬تمكّنه‭ ‬من‭ ‬ردع‭ ‬العدوان،‭ ‬بل‭ ‬ومعاقبته‭ ‬إذا‭ ‬لزم‭ ‬الأمر‭.‬

‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كافيا‭ ‬لإخفاء‭ ‬الثغرات‭ ‬التي‭ ‬تضمنتها‭ ‬المسودة‭ ‬التي‭ ‬طرحت‭ ‬على‭ ‬المؤتمر‭ ‬التأسيسي‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬سان‭ ‬فرانسيسكو‭ ‬من‭ ‬25‭/‬4‭- ‬26‭/‬6‭/‬1945‭ ‬وشاركت‭ ‬فيه‭ ‬50‭ ‬دولة‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬المناقشات‭ ‬في‭ ‬المؤتمر‭ ‬وجود‭ ‬تكتل‭ ‬بين‭ ‬مجموعتين‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬مجموعة‭ ‬الدول‭ ‬الخمس‭ ‬التي‭ ‬ورد‭ ‬ذكرها‭ ‬بالاسم‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬الميثاق،‭ ‬ومنحت‭ ‬مقاعد‭ ‬دائمة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬تتيح‭ ‬لها‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الاعتراض‭ ‬على‭ ‬قرارات‭ (‬الفيتو‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬والصين‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬وفرنسا،‭ ‬وباقي‭ ‬الدول‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬المؤتمر،‭ ‬ومعظمها‭ ‬صغيرة‭ ‬أو‭ ‬متوسطة‭. ‬ورغم‭ ‬نجاح‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬إدخال‭ ‬تعديلات‭ ‬جوهرية‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬الميثاق،‭ ‬حيث‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬إضافة‭ ‬فصل‭ ‬يعترف‭ ‬بالمنظمات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬ويحدّد‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ (‬الفصل‭ ‬الثامن‭)‬،‭ ‬وتعديل‭ ‬النصوص‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالموقف‭ ‬من‭ ‬المسألة‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬والارتقاء‭ ‬بوضع‭ ‬المجلس‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬ليصبح‭ ‬أحد‭ ‬الفروع‭ ‬الرئيسية‭ ‬للمنظمة،‭ ‬وليس‭ ‬فرعاً‭ ‬ثانوياً‭ ‬محدود‭ ‬الصلاحيات،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬إدخال‭ ‬تعديلات‭ ‬تمسّ‭ ‬سلطات‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬وصلاحياته،‭ ‬أو‭ ‬تنتقص‭ ‬من‭ ‬المزايا‭ ‬الممنوحة‭ ‬للدول‭ ‬دائمة‭ ‬العضوية،‭ ‬رغم‭ ‬تبنّيها‭ ‬استراتيجية‭ ‬تفاوضية‭ ‬ذكية‭.‬

طالبت‭ ‬مجموعة‭ ‬الدول‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬بإلغاء‭ ‬حق‭ ‬النقض‭ ‬نهائياً،‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬أنه‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬تمييزٍ‭ ‬يخلّ‭ ‬بواحدة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬القواعد‭ ‬المستقرة‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬قاعدة‭ ‬المساواة‭ ‬السيادية‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬الخمس‭ ‬رفضت‭ ‬هذا‭ ‬الاقتراح‭ ‬بالمطلق،‭ ‬وبشكل‭ ‬متعنّت‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬أن‭ ‬المندوب‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬الجلسة‭ ‬مزّق‭ ‬المسودة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يمسك‭ ‬بها،‭ ‬وصاح‭: ‬‮«‬لن‭ ‬تقوم‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬قائمة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الفيتو‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬إلى‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬خط‭ ‬دفاع‭ ‬ثان،‭ ‬حاولت‭ ‬فيه‭ ‬قصر‭ ‬استخدام‭ ‬‮«‬الفيتو‮»‬‭ ‬على‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬تمس‭ ‬قضايا‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين‭ ‬مباشرة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬الخمس‭ ‬أجمعت‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬رفض‭ ‬الاقتراح‭ ‬في‭ ‬تعنّت‭ ‬واضح،‭ ‬فانتقلت‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬خط‭ ‬دفاع‭ ‬ثالث،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬أخيرة‭ ‬للتمييز‭ ‬الحصري‭ ‬بين‭ ‬المسائل‭ ‬غير‭ ‬المهمة‭ (‬أو‭ ‬الإجرائية‭) ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬فيها‭ ‬استخدام‭ ‬الفيتو‭ ‬والمسائل‭ ‬المهمة‭ (‬أو‭ ‬الموضوعية‭) ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬باستخدام‭ ‬الفيتو‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬الخمس‭ ‬رفضت‭ ‬هذا‭ ‬الاقتراح‭ ‬أيضاً،‭ ‬لكن‭ ‬رفضها‭ ‬هذه‭ ‬المرّة‭ ‬كان‭ ‬مرناً،‭ ‬لأنه‭ ‬اقترن‭ ‬بالموافقة‭ ‬على‭ ‬إصدار‭ ‬‮«‬إعلان‮»‬‭ ‬يتضمن‭ ‬قائمة‭ ‬قصيرة‭ ‬بالموضوعات‭ ‬التي‭ ‬تلتزم‭ ‬فيها‭ ‬بعدم‭ ‬استخدام‭ ‬‮«‬الفيتو‮»‬،‭ ‬رغم‭ ‬إصرارها،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬على‭ ‬تمسّكها‭ ‬باستخدامه‭ ‬لحسم‭ ‬ما‭ ‬ينشب‭ ‬من‭ ‬خلاف‭ ‬حول‭ ‬تكييف‭ ‬المسائل‭ ‬المدرجة‭ ‬على‭ ‬جدول‭ ‬أعمال‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬ما‭ ‬فتح‭ ‬ثغرة‭ ‬تتيح‭ ‬لكل‭ ‬عضو‭ ‬دائم‭ ‬شلّ‭ ‬إرادة‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬يشاء‭. ‬

ولأن‭ ‬آلية‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬في‭ ‬ميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بُنيت‭ ‬على‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬التحالف‭ ‬الذي‭ ‬تحقق‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬إبّان‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬سيستمر‭ ‬بعدها،‭ ‬الذي‭ ‬تبين‭ ‬لاحقا‭ ‬أنه‭ ‬افتراض‭ ‬خاطئ،‭ ‬فقد‭ ‬استحال‭ ‬تشغيل‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرّة‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬فيها‭ ‬الإجماع‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬دائمة‭ ‬العضوية‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬طوال‭ ‬فترة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬من‭ ‬1949‭ ‬حتى‭ ‬1989‭.‬

كان‭ ‬يمكن‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬تواجه‭ ‬المصير‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬لقيته‭ ‬عصبة‭ ‬الأمم،‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬بين‭ ‬المعسكرين‭ ‬المتصارعين‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬مماثلة‭ ‬للأجواء‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬فيها‭ ‬النزاعات‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الحربين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدث،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬صمدت‭ ‬ولم‭ ‬تلق‭ ‬المصير‭ ‬نفسه،‭ ‬ليس‭ ‬لأنها‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬وفاعلية،‭ ‬وإنما‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬طرأ‭ ‬من‭ ‬تطور‭ ‬على‭ ‬تصنيع‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية‭ ‬وحيازتها،‭ ‬أفضى‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬توازن‭ ‬رعب‮»‬‭ ‬حال‭ ‬دون‭ ‬اندلاع‭ ‬حرب‭ ‬عالمية‭ ‬ثالثة‭.‬

‭ ‬لذا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬بقاء‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬واستمرارها‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬توازن‭ ‬الرعب‭ ‬النووي‮»‬‭ ‬بأكثر‭ ‬مما‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭ ‬آخر،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬كان‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تسعى‭ ‬باستمرار‭ ‬إلى‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬التطوّرات‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭. ‬ولأن‭ ‬الأخير‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬ثنائي‭ ‬القطبية‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬أحادي‭ ‬القطبية‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬المنفردة،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬يتسم‭ ‬بقدر‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬السيولة‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية،‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬تتكيف‭ ‬معه،‭ ‬يبدو‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬وسيلة‭ ‬تساعده‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬اندلاع‭ ‬حرب‭ ‬عالمية‭ ‬ثالثة،‭ ‬وتمكّنه،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬من‭ ‬تأسيس‭ ‬‮«‬أمم‭ ‬متحدة‭ ‬جديدة‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬معضلة‭ ‬يصعب‭ ‬التغلب‭ ‬عليها‭.‬

كان‭ ‬في‭ ‬مقدور‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬تصمد‭ ‬إبّان‭ ‬فترة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬لأنها‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬بدور‭ ‬وظيفي‭ ‬مفيد‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬ثنائي‭ ‬القطبية،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬أصاب‭ ‬منظومة‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬من‭ ‬خلل‭. ‬صحيحٌ‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تتمكّن‭ ‬من‭ ‬تسوية‭ ‬أنواع‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬الأزمات،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬إحدى‭ ‬القوتين‭ ‬العظميين‭ ‬طرفاً‭ ‬فيها،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬عجزها‭ ‬عن‭ ‬التدخل‭ ‬لتسوية‭ ‬الأزمة‭ ‬الفيتنامية،‭ ‬لأن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كانت‭ ‬طرفاً‭ ‬مباشرا‭ ‬فيها،‭ ‬وعجزها‭ ‬عن‭ ‬التدخّل‭ ‬لتسوية‭ ‬الحرب‭ ‬الأفغانية،‭ ‬لأن‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬كان‭ ‬طرفاً‭ ‬مباشراً‭ ‬فيها،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الحربين‭ ‬ظلتا‭ ‬مشتعلتين‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬إبّان‭ ‬مرحلة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬تتمكّن‭ ‬من‭ ‬تسوية‭ ‬الأزمات‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬النفوذ‭ ‬المباشر‭ ‬لأي‭ ‬من‭ ‬القوتين‭ ‬العظميين‭. ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬عجزها‭ ‬عن‭ ‬تسوية‭ ‬أزمة‭ ‬المجر‭ ‬عام‭ ‬1956‭ ‬والأزمة‭ ‬التشيكية‭ ‬عام‭ ‬1968،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬بمقدور‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬أن‭ ‬تتدخّل‭ ‬بقدرٍ‭ ‬متباينٍ‭ ‬من‭ ‬الفاعلية‭ ‬في‭ ‬أزماتٍ‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الثالث،‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬استحداثها‭ ‬‮«‬قوات‭ ‬حفظ‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬نشرها‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬عديدة‭ ‬ملتهبة‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وإفريقيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬اللاتينية‭.‬

حين‭ ‬انتهت‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬بسقوط‭ ‬جدار‭ ‬برلين‭ ‬عام‭ ‬1989،‭ ‬اعتقد‭ ‬كثيرون‭ ‬أن‭ ‬العقبة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬تفعيل‭ ‬منظومة‭ ‬الأمن‭ ‬الجماعي‭ ‬قد‭ ‬زالت،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬سيكون‭ ‬بمقدور‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬تلعب‭ ‬دوراً‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬في‭ ‬تسوية‭ ‬الأزمات‭ ‬الدولية‭ ‬وإدارتها‭. ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الشعار‭ ‬الذي‭ ‬رفعته‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إبّان‭ ‬الأزمة‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬احتلال‭ ‬العراق‭ ‬الكويت‭. ‬ولأنها‭ ‬اندلعت‭ ‬عام‭ ‬1990،‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬سقوط‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬وأدارها‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬بطريقة‭ ‬فريدة‭ ‬ومختلفة‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سبقها‭ ‬من‭ ‬أزمات،‭ ‬فقد‭ ‬خيّل‭ ‬لكثيرين‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬يدخل‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬تلعب‭ ‬فيه‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬دوراً‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬انهار‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي،‭ ‬وتمكّنت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬الهيمنة‭ ‬المنفردة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬حتى‭ ‬بدأ‭ ‬دور‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬يضعف‭ ‬رويداً‭ ‬رويداً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬فيها‭ ‬الدولة‭ ‬المهيمنة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬والمسؤولة‭ ‬من‭ ‬ثم‭ ‬عن‭ ‬قيادته،‭ ‬هي‭ ‬أكثر‭ ‬الدول‭ ‬انتهاكاً‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬وميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وأكثرها‭ ‬استخداماً‭ ‬لـ«الفيتو‮»‬،‭ ‬ليس‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬مصالحها‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬لحماية‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬الذي‭ ‬يديره‭ ‬نظام‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري،‭ ‬وعلى‭ ‬التوسع‭ ‬المستمر،‭ ‬ولا‭ ‬يتورّع‭ ‬عن‭ ‬ارتكاب‭ ‬أبشع‭ ‬الجرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية،‭ ‬في‭ ‬مقدّمتها‭ ‬جرائم‭ ‬التجويع‭ ‬والإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

يتحدث‭ ‬كثيرون‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر‭ ‬عن‭ ‬الحاجة‭ ‬الماسّة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬إصلاح‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‮»‬،‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬تصوّر‭ ‬مفاده‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬المقبول‭ ‬أن‭ ‬تدار‭ ‬آلية‭ ‬أمن‭ ‬جماعي‭ ‬عالمي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مجلس‭ ‬تحتل‭ ‬فيه‭ ‬دول،‭ ‬مثل‭ ‬فرنسا‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬مقاعد‭ ‬دائمة‭ ‬تتيح‭ ‬لها‭ ‬إمكانية‭ ‬التحكّم‭ ‬فيها،‭ ‬بينما‭ ‬تستبعد‭ ‬دول‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الهند‭ ‬والبرازيل‭ ‬وألمانيا‭ ‬واليابان‭ ‬وثقلها،‭ ‬وتحرم‭ ‬قارة‭ ‬بأكملها‭ ‬تضم‭ ‬53‭ ‬دولة،‭ ‬إفريقيا،‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬التمثيل‭ ‬الدائم،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الإصلاح‭ ‬بات‭ ‬مستحيلاً‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬العملية،‭ ‬فحتى‭ ‬بافتراض‭ ‬إمكانية‭ ‬توافق‭ ‬أغلبية‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬شكله‭ ‬ومضمونه،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬دخول‭ ‬أي‭ ‬تعديل‭ ‬للميثاق‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬يتطلب‭ ‬موافقة‭ ‬أغلبية‭ ‬يشترط‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الدول‭ ‬دائمة‭ ‬العضوية‭ ‬مجتمعة،‭ ‬وهو‭ ‬شرط‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للتحقّق‭.‬

لذا‭ ‬ليس‭ ‬أمام‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬سوى‭ ‬الاختيار‭ ‬بين‭ ‬بديلين‭: ‬القبول‭ ‬باستمرار‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تغيير،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬استسلام‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬لقانون‭ ‬الغاب،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬الآن،‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يُفضي‭ ‬إلى‭ ‬اندلاع‭ ‬حرب‭ ‬عالمية‭ ‬ثالثة،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬المستبعد‭ ‬أن‭ ‬تستخدم‭ ‬فيها‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية،‭ ‬أو‭ ‬السعي‭ ‬إلى‭ ‬إقامة‭ ‬‮«‬أمم‭ ‬متحدة‮»‬‭ ‬جديدة،‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬انسحاب‭ ‬الدول‭ ‬الرافضة‭ ‬استمرار‭ ‬الوضع‭ ‬الراهن‭ ‬من‭ ‬المنظمة‭ ‬الحالية‭ ‬وتأسيس‭ ‬منظمة‭ ‬جديدة‭ ‬تستجيب‭ ‬لتحديات‭ ‬العصر،‭ ‬وهو‭ ‬خيار‭ ‬صعب‭ ‬المنال،‭ ‬لكنه‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬الأقل‭ ‬كلفة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المنظور‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا