في العاشر من أكتوبر 2026، نشرت المجلة العلمية الرائدة «ذا لانسيت» تقريراً بالغ الأهمية صادراً عن اللجنة المعنية بالتهديدات الصحية العالمية في القرن الحادي والعشرين، حيث قامت مجموعة تضم 35 خبيراً بتحليل مئات التهديدات المحتملة، وحددت 17 خطراً عالمياً قد تتهدد حاضر ومستقبل الإنسانية.
لقد حددت اللجنة العلمية المذكورة تهديدين رئيسيين قد يؤديان إلى انقراض البشرية، هما: الاستخدام الضار للذكاء الاصطناعي (بما في ذلك الأسلحة البيولوجية) والنزاعات النووية.
أما التهديدات الخمسة عشر الأخرى فهي تشمل تلوث الهواء، ومقاومة مضادات الميكروبات، وسوء تغذية الأطفال، وتغير المناخ، وتراجع المساعدات الصحية الدولية، والحروب التقليدية، واستهلاك الكحول، وارتفاع ضغط الدم، والتفاوت في الدخل، وانخفاض مستوى التعليم، والأوبئة الطبيعية، والسمنة، والاضطرابات النفسية، والتدخين، والشيخوخة غير الصحية.
ويُعد تزايد معدلات السمنة في العالم، واستفحالها في بعض الدول، دليلاً على التغير الجذري الذي طرأ على البيئة البشرية. فقدرة الجسم على تخزين الطاقة في الأنسجة الدهنية كانت تساعدنا في البقاء على قيد الحياة خلال فترات نقص الغذاء، لكن هذا لا يعني أن وجود فائض من هذه الأنسجة على المدى الطويل يمثل أمراً آمناً للجسم.
لقد أدى توافر الأطعمة عالية السعرات الحرارية في الوقت الراهن، إلى جانب تراجع النشاط البدني اليومي، إلى خلق ظروف تختلف اختلافاً جوهرياً عن تلك التي تشكلت في ظلها آلياتنا الفسيولوجية.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال السمنة في الإفراط في تناول الطعام فحسب؛ فهي مرض مزمن ومعقد، يتأثر تطوره بالخصائص البيولوجية للفرد وبيئته.
وتكمن خطورة السمنة -من بين أمور أخرى- في ارتباطها باضطرابات التمثيل الغذائي، وزيادة خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وغيرها من الأمراض.
يتمتع الجسم بالقدرة على تخزين الطاقة، لكن هذه القدرة ليست غير محدودة للتعامل مع تبعات فائض الطاقة.
تساعد بعض الأدوية في إنقاص الوزن، إذ تزيد من الشعور بالشبع، ما يسهل على الأفراد تقليل كمية الطعام التي يتناولونها. ومع ذلك، لا تُعد هذه الأدوية حلاً نهائياً للسمنة. فقد يتطلب الأمر زيادة الجرعة مع استمرار الاستخدام، كما قد يعود الوزن للزيادة بعد التوقف عن العلاج. وتجري حالياً دراسات حول الاستجابة المناعية تجاه هذه الأدوية، إذ من المحتمل أن ينتج الجسم أجساماً مضادة لها.
وبالطبع، تظل الأدوية جزءاً مهماً من حل مشكلة السمنة، لكن فعاليتها مرهونة بقيام المريض -خلال فترة العلاج- بتعديل نمط حياته، بما يمكنه من الحفاظ على لياقته البدنية مستقبلاً من دون الحاجة إلى تناول مثل هذه العقاقير.
يمثل الذكاء الاصطناعي الذي يتنامى بسرعة تقنية ذات استخدام مزدوج، إذ يمكن أن يساعد البشر ويسرّع وتيرة الأبحاث والتطوير الطبي، لكنه في الوقت ذاته قد يُستخدم لإلحاق الضرر.
ويعتمد الأمر إلى حد كبير على الأهداف المحددة للنظام، وعلى الجهة التي تتحكم في استخدامه، حيث يُظهر لنا التاريخ أن البشرية لا تنجح دائمًا في إدارة مخاطر التقنيات التي تبتكرها على نحوٍ فعّال.
ومن الناحية النظرية، يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير أسلحة بيولوجية. غير أن «هندسة» فيروس ما أو تصميم نموذج لبروتينات هيكلية جديدة لا يعني بالضرورة نشوء مرضٍ جديدٍ قابلٍ للانتشار. فمثل هذا الأمر يتطلب تقنيات في علم الوراثة العكسي ومعدات مخبرية متطورة، وهي إمكانات لا تتوافر إلا لدى عددٍ محدودٍ من المختبرات.
إن احتمال تطوير أنظمة عسكرية ذاتية التشغيل أمرٌ مثير للقلق بشكل خاص. يدفع سباق التسلح الدول إلى استثمار مبالغ طائلة في الروبوتات والذكاء الاصطناعي، لكن إمكانات هذه الأنظمة تثير تساؤلاً مهماً: هل سيحتفظ البشر بالسيطرة الحقيقية على أفعالهم؟
وإذا ما تم تفويض قرارات استخدام القوة بشكل متزايد إلى الخوارزميات، فمن الضروري فهم من يتحمل مسؤولية العواقب، وما إذا كان البشر قادرين على التدخل في الوقت المناسب. أعتقد أن هذا التمييز تحديداً بين النظام الخاضع للتحكم والعمل الذاتي هو جوهري الأهمية.
ومن بين التهديدات الصحية التي تواجه روسيا، أود أن أسلط الضوء بشكل خاص على مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية. هذه المشكلة لا تحظى بالتقدير الكافي حالياً، على الرغم من أن العدوى البكتيرية تحصد أرواحاً كثيرة، تُضاهي تلك التي يحصدها مرض السرطان.
قد تثبت الأدوية التي يعتمد عليها الأطباء عدم فعاليتها ضد مسبب مرض معين. إذا كانت البكتيريا مقاومة لأنواع متعددة من المضادات الحيوية، فإن خيارات العلاج تصبح محدودة للغاية.
تُعدّ مثل هذه العدوى خطرةً بشكل خاص على الأشخاص ذوي المناعة الضعيفة، بمن فيهم مرضى السرطان؛ إذ يمكن أن تؤدي العدوى إلى تفاقم المرض الأساسي، أو التسبب في تعفن الدم، بل قد تؤدي إلى الوفاة.
ومن ثم، فإن فعالية المضادات الحيوية تتجاوز في أهميتها مجرد علاج أمراض معدية بعينها، ذلك أن سلامة العديد من التدخلات الطبية تعتمد عليها بشكل جوهري.
ومن الخطأ حصر هذه المشكلة في التأخر في طلب الرعاية الطبية فحسب. صحيح أن تأخير العلاج قد يسهم في تدهور الحالة الصحية، لكن يمكن للمرء أيضاً أن يتعرض لبكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية أثناء وجوده في المستشفى.
إن مقاومة المضادات الحيوية هي خاصية تتعلق بالعامل المسبب للمرض، ولا يضمن البدء السريع في العلاج وحده أن الدواء المختار في البداية سيكون فعالاً. لذا، تكتسب عمليات التشخيص، واختيار العلاج المناسب، ومنع انتشار العدوى داخل المرافق الصحية أهمية بالغة، كما يمكن أن يسهم تطوير وسائل تشخيص سريعة -تتيح الكشف الفوري عن المُمرِضات الخطرة- في مكافحة مقاومة المضادات الحيوية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبعث تراجع معدلات التدخين التقليدي على الأمل في انخفاض مساهمته في معدلات المرض والوفيات مستقبلاً. ومع ذلك، فإن ظهور السجائر الإلكترونية يغير مشهد استهلاك النيكوتين. لذا ينبغي تقييم التوقعات المستقبلية مع الأخذ في الاعتبار العادات التي بدأت تحل محل السجائر التقليدية.
{ عالم وراثة ومدير مركز الأنظمة الحيوية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك