تلفتني تلك اللحظة التي يتوقف فيها شخصٌ نثق بمعرفته، ويقول ببساطة: لا أعرف... تبدو الجملة صغيرة وعادية، لكنها تكشف عن وعي كبير بحدود المعرفة، وعن شجاعة نادرة في الاعتراف بأن ما نجهله قد يكون أوسع مما نعرفه، فالمعرفة الحقيقية لا تمنح صاحبها إجابات جاهزة عن كل شيء، وإنما تعلمه متى يتكلم، ومتى يسأل، ومتى يترك مساحة لما يحتاج أن يتعلمه.
المفارقة أننا نعيش وسط وفرة هائلة من الآراء، حتى صار من السهل أن نخلط بين امتلاك الرأي وامتلاك المعرفة. يكفي أن يكون الشخص قادراً على الحديث بطلاقة ونبرة واثقة، حتى يبدو كأنه يملك مفاتيح الموضوع كله. وحين يسأل عن السياسة يجيب، وحين ينتقل الحديث إلى الاقتصاد يجد تفسيراً، وحين تظهر قضية فنية أو اجتماعية أو دينية أو تقنية يحضر برأيه المكتمل. لأن قولها يحتاج إلى قدر من التصالح مع النفس. يحتاج الشخص إلى ألا يرى في جهله المؤقت انتقاصاً من قيمته، وإلى أن يفهم أن الاعتراف بحدود معرفته لا يهدم صورته أمام الآخرين، وإنما يمنحها صدقاً أكبر. هناك فارقٌ بين شخص يقول «لا أعرف»، لأنه لا يريد أن يتورّط في الكلام، وآخر يقولها لأنه يعرف أن الموضوع يحتاج إلى بحث، وأن الإجابة الدقيقة تستحق وقتا أكثر.
أحبّ من يستطيع أن يقول: «أحتاج أن أقرأ أكثر»، وأحترم من يقول: «ربما أكون مخطئاً». أميل إلى من يتوقف قليلاً قبل أن يقدّم رأيه في مسألةٍ لا يعرف تفاصيلها. أشعر أن عقله ما زال مفتوحاً، وأن المعرفة عنده رحلة مستمرّة، وليست رصيداً يريد استعراضه.
تبدأ المشكلة حين يتحول الشخص إلى مرجع لنفسه في كل شيء. السياسة تمنحه رأياً، والاقتصاد تحليلاً، والطب تشخيصاً، والتكنولوجيا حكماً، والدين فتوى، والفن تقييما، والعلاقات الاجتماعية وصفة جاهزة للحياة. ومع كثرة الإجابات، تضيق مساحة السؤال، ويصبح التراجع عن الرأي أصعب من التمسّك به. فاللغة الجميلة لا تكفي لصناعة معرفة، والقدرة على الإقناع لا تجعل الرأي صحيحاً بالضرورة. قد يتحدّث شخصٌ عن موضوع بإتقان لغوي شديد، فيبدو أكثر معرفة ممن أمضى سنواتٍ في دراسته، لأن الأول يعرف كيف يتحدّث، بينما الثاني يعرف حجم التفاصيل التي ينبغي أن ينتبه إليها قبل أن يتحدّث. وكلما اقترب الإنسان من المعرفة المتخصّصة اكتشف تعقيدها. ولذلك يميل أصحاب الاختصاص الحقيقيون إلى الحذر في أحكامهم.
ما يعجبني أكثر أن الاعتراف بعدم المعرفة لا يعني التوقف عن الكلام. يمكن للشخص أن يقول: «لا أعرف، لكنني أريد أن أفهم». وهذه بداية جميلة للمعرفة. فالسؤال الصادق أكثر حيوية من الإجابة الجاهزة، والفضول أكثر نفعاً من اليقين المغلق.
وأعتقد أن أحد أجمل أشكال النضج الفكري أن يتعلم الإنسان تغيير رأيه من دون أن يشعر بأنه خسر معركة. «كنت أعتقد كذا، ثم قرأت ما جعلني أعيد النظر». جملة تحمل قدراً كبيراً من النضج، لأن الحياة الفكرية ليست محكمة يصدر فيها كل واحد حكماً نهائياً ثم يقضي بقية عمره في الدفاع عنه. لهذا لا أخاف ممن يقول «لا أعرف». أخاف أكثر ممن يجيب بسرعة عن كل شيء، وكأن التوقف للتفكير نقص ينبغي إخفاؤه. أطمئن إلى من يترك في كلامه مساحة لاحتمال الخطأ، وإلى من يعرف أن الحقيقة أوسع من صوته، وأن تجربته مهما اتسعت تظل واحدة بين تجارب كثيرة.
وربما كانت أجمل علامة على المعرفة أن يشعر صاحبها بالحاجة إلى مزيد منها؛ أن تظل لديه أسئلة لم يجد لها جواباً، وكتب لم يقرأها، وأفكار يعيد النظر فيها، ومجالات يعرف أنه لم يدخلها بعد. تلك المساحة التي نعترف فيها بجهلنا ليست فراغاً، وإنما مكان صالح للنمو... وربما لا تكون الحكمة في أن نملك أكبر عدد من الإجابات، وإنما في أن نعرف أي الأسئلة ما زال علينا أن نتعلم كيف نسألها.
{ كاتبة وشاعرة كويتية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك