لوبي إسرائيل في واشنطن ليس فقط منظمة «إيباك»، ووسائل ضغطه على القرار الأمريكي لا تقتصر على تمويل الحملات الانتخابية، والضغط على صُناع القرار لا يقتصر على الكونجرس.
مناسبة هذه المقدمة ما نشرته الصحف مؤخرًا عن القرار الذي اتخذته لجنة الشؤون العامة الأمريكية-الإسرائيلية، المعروفة اختصارًا بـ«إيباك»، كبرى منظمات اللوبي. فهي أعلنت أنها ستتوقف عن التمويل المباشر للمرشحين للمناصب السياسية، تاركة ذلك لأعضائها أنفسهم، بينما ستنفق هي من خلال ما يُعرف بـ«لجان العمل السياسي»، وهي التي تنشئها جماعات المصالح لتتولى التمويل من خلال التبرعات لا ميزانية المنظمة التي أنشأتها.
معنى ذلك أن التمويل «المباشر» فقط هو ما تخلت عنه «إيباك»، من دون غيره من أشكال التمويل. فتمويل الحملات الانتخابية بأمريكا له قنوات قانونية متعددة، منها التمويل المباشر، أي أن تقدم «إيباك» المال مباشرة لحملة المرشح. وهو النوع الذي أحجمت عنه، وبدلًا من تقديم التمويل مباشرة للمرشح، ستحشد أعضاءها ليقوم كل منهم بمفرده بتمويله.
وبإمكان ذلك الفرد نفسه أن يمول المرشح ثم يتبرع للجان العمل السياسي لتقدم التمويل للمرشح نفسه. والحقيقة أن «إيباك» يمكنها تمويل الانتخابات عبر العشرات من لجان العمل السياسي التي أُنشئت عمدًا بأسماء خادعة لا علاقة لها بإسرائيل أو حتى بالسياسة الخارجية!
وإلى جانب ذلك كله، بإمكان ذلك الفرد نفسه أو «إيباك» أو الاثنين معًا إنفاق حجم لا نهائي من الأموال على حملة دعاية مستقلة تدعم المرشح ذاته من دون أن تفصح عن مصادر تلك الأموال ولا حجمها، بشرط ألا تتم تلك الحملة بالتنسيق مع حملة المرشح!
بعبارة أخرى، لم تتخل «إيباك» عن تمويل الحملات بالمطلق وإنما تخلت عن أكثرها علانية وضبطًا من الناحية القانونية من حيث سقف التمويل والإفصاح عن مصادره. وحرب الإبادة في غزة هي السبب المباشر لقرار «إيباك»! فبعد الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل في غزة وشاهدها الأمريكيون بالصوت والصورة باتت المنظمة، التي كان الكل يخطب ودها ويخشى انتقامها، عبئًا يتجنبه المرشحون، حتى إن عددًا من المرشحين الجمهوريين، لا الديمقراطيين فقط، طلبوا من «إيباك» ألا تقوم بالدعاية لصالحهم في الانتخابات الحالية!
لكن «إيباك» مجرد واحدة من منظمات كثيرة تدعم إسرائيل، ونفوذها على الكونجرس لا يتحقق فقط عبر التمويل وإنما عبر الضغط المستمر لتمرير قوانين تصب في مصلحة إسرائيل. فبعد أن انهارت شعبية إسرائيل ضغطت تلك المنظمات بقوة في الكونجرس الحالي مثلًا من أجل إضافة بند بالغ الخطورة ينص على التحول من المساعدات العسكرية لإسرائيل التي تخضع للمراجعة السنوية للكونجرس إلى الشراكة التنفيذية عبر دمج المؤسستين العسكريتين الأمريكية والإسرائيلية من خلال مأسسة تبادل البحوث والاستخبارات والتكنولوجيا العسكرية الحساسة من دون الخضوع لرقابة المؤسسة العسكرية.
والكونجرس في القلب من عملية الضغط السياسي في واشنطن، كونه الذي يعتمد المخصصات المالية، إلا أن هذا لا يعنى أن ضغوطًا لا تُمارس على المؤسسات التنفيذية، كوزارتي الخارجية والحرب.
لكن تلك مهمة منظمات عدة بجانب «إيباك». وهو ما يذهب أحيانًا إلى ما هو أبعد وأكثر خطورة من مجرد ضغوط تُمارس لتحقيق هدف محدد. فمما لا يقل أهمية عن كل ما تقدم، التجنيد غير المباشر لكبار العسكريين المتقاعدين الذين يشاركون بعد تقاعدهم في مجالس إدارة كبريات شركات صناعة السلاح.
وهؤلاء بالمناسبة هم ذاتهم من تضج بهم قنوات الأخبار الأمريكية «كخبراء» لإضفاء الشرعية على سلوك إسرائيل ومطالبها، فضلًا عن حملات الدعاية المستقلة التي تنفق عليها الحكومة الإسرائيلية نفسها.
باختصار، التمويل المباشر الذي تخلت عنه «إيباك» مجرد نقطة في بحر القنوات المستخدمة لدعم إسرائيل في الولايات المتحدة!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك