العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٥ - الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

لماذا ينتقل الثقل الاقتصادي من الغرب إلى الشرق؟

بقلم: د. حسن يوسف علي

الاثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦ - 02:00

‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ (‬الصين‭ ‬والهند‭ ‬وتايلاند‭ ‬وماليزيا‭ ‬وإندونيسيا‭ ‬وفيتنام‭...) ‬مجرد‭ ‬ورشة‭ ‬كبيرة‭ ‬موجودة‭ ‬على‭ ‬أطراف‭ ‬خريطة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬لتنتج‭ ‬ألعاب‭ ‬الأطفال‭ ‬وأحذية‭ ‬الرياضة‭ ‬بأجور‭ ‬زهيدة‭. ‬هذه‭ ‬الورشة‭ ‬كبرت‭ ‬ونمت‭ ‬بمعدلات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬وانتقلت‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ (‬التقليد‭) ‬إلى‭ (‬التجديد‭)‬،‭ ‬وأصبحت‭ ‬تزاحم‭ ‬القوى‭ ‬التقليدية‭ ‬من‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬بروكسل‭ ‬على‭ ‬قلب‭ ‬الخريطة‭ ‬الاقتصادية‭.. ‬ويعبر‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬بالأرقام‭: ‬أسهمت‭ ‬آسيا‭ ‬بربع‭ ‬النمو‭ ‬العالمي‭ (‬25%‭) ‬عام‭ ‬2000،‭ ‬ويُتوقع‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلثيه‭ (‬66%‭) ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬2026؛‭ ‬وهي‭ ‬حصة‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬الإنتاج،‭ ‬لا‭ ‬حجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬كله‭.‬

وراء‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬حكاية‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬صعود‭ ‬الصين‭ ‬والهند،‭ ‬فالتعليم،‭ ‬والاستثمار،‭ ‬والموانئ،‭ ‬والتجارة‭ ‬بين‭ ‬الجيران،‭ ‬والخطط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬السليمة‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬الأولوية‭ ‬لزيادة‭ ‬معدلات‭ ‬النمو‭ ‬ومشاركة‭ ‬جميع‭ ‬فئات‭ ‬الشعب‭ ‬فيها،‭ ‬خلقت‭ ‬المعجزة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬أخرجت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليار‭ ‬مواطن‭ ‬من‭ ‬هذين‭ ‬البلدين‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬خطوط‭ ‬الفقر‭ ‬المدقع‭ ‬إلى‭ ‬صفوف‭ ‬الطبقات‭ ‬المتوسطة‭.‬

 

الإحصائيات‭ ‬العالمية‭ ‬توضح‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬أخرجت‭ ‬قرابة‭ ‬800‭ ‬مليون‭ ‬إنسان‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬خط‭ ‬الفقر‭ ‬المدقع‭ ‬بين‭ ‬1981‭ ‬و2018‭ (‬نحو‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭)‬،‭ ‬وفى‭ ‬الهند‭ ‬تجاوز‭ ‬العدد‭ ‬نحو‭ ‬307‭ ‬ملايين‭ ‬مواطن‭ ‬بين‭ ‬2011–2012‭ ‬و2023–2024‭ (‬خلال‭ ‬اثني‭ ‬عشر‭ ‬عامًا‭ ‬فقط‭)‬،‭ ‬وإن‭ ‬اختلف‭ ‬معيار‭ ‬القياس‭ ‬بين‭ ‬التجربتين‭.‬

ولكن‭ ‬الأهم‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬تجاوز‭ ‬عدد‭ ‬متوسطي‭ ‬الدخل‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬400‭ ‬مليون،‭ ‬فيما‭ ‬تُقدَّر‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬الهندية‭ ‬بنحو‭ ‬نصف‭ ‬مليار‭ ‬شخص،‭ ‬وفق‭ ‬تعريفات‭ ‬محلية‭ ‬مختلفة؛‭ ‬وهكذا‭ ‬يعتمد‭ ‬البلدان‭ ‬الآن،‭ ‬ومعهما‭ ‬معظم‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬النامية‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تنمو،‭ ‬بينما‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وأمريكا‭ ‬آخذة‭ ‬في‭ ‬التآكل‭. ‬

وهكذا‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الشرق‭ ‬مصنعًا‭ ‬للعالم‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬أيضًا‭ (‬وبفضل‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬الناشئة‭) ‬سوقًا‭ ‬واسعة‭ ‬تتطلع‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬أفضل‭. ‬فلا‭ ‬شك‭ ‬أنه‭ ‬حين‭ ‬يتجاوز‭ ‬دخل‭ ‬الأسرة‭ ‬حدود‭ ‬الضرورة،‭ ‬تتطلع‭ ‬إلى‭ ‬منزل‭ ‬أفضل،‭ ‬وتعليم‭ ‬للأبناء‭ ‬أرقى،‭ ‬وسيارة‭ ‬للعائلة‭ ‬أرحب،‭ ‬ورحلات‭ ‬للسياحة‭ ‬وأماكن‭ ‬للترفيه،‭ ‬وهكذا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬آسيا‭ ‬تنتج‭ ‬للآخرين‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬سوقًا‭ ‬واعدة‭ ‬تجذب‭ ‬الاستثمار‭ ‬وتمنح‭ ‬شركاتها‭ ‬فرصة‭ ‬الإنتاج‭ ‬الواسع‭ ‬وخفض‭ ‬التكلفة‭.‬

وتقدّر‭ ‬‮«‬وورلد‭ ‬داتا‭ ‬لاب‮»‬‭ ‬أن‭ ‬آسيا‭ ‬تضم‭ ‬نحو‭ ‬نصف‭ ‬الطبقة‭ ‬المتوسطة‭ ‬الأساسية‭ ‬عالميًا‭ ‬في‭ ‬2026،‭ ‬وتتوقع‭ ‬انضمام‭ ‬175‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬وحدها‭ ‬إلى‭ ‬شريحة‭ ‬قائمة‭ ‬المستهلكين‭ ‬بين‭ ‬2026‭ ‬و2030‭.‬

ولكن‭ ‬يجب‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشرق‭ ‬لم‭ ‬يصعد‭ ‬بجهود‭ ‬دوله‭ ‬منفردة؛‭ ‬فقد‭ ‬نسجت‭ ‬جماعة‭ ‬آسيان‭ (‬التي‭ ‬تضم‭ ‬11‭ ‬دولة‭ ‬آسيوية‭) ‬والشراكة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الإقليمية‭ ‬الشاملة‭ (‬RCEP‭)‬،‭ ‬والتي‭ ‬تضم‭ ‬15‭ ‬دولة،‭ ‬جسورًا‭ ‬بين‭ ‬المصانع‭ ‬والأسواق،‭ ‬فسهّلتا‭ ‬التجارة‭ ‬وجذب‭ ‬الاستثمار‭ ‬وربط‭ ‬حلقات‭ ‬الإنتاج،‭ ‬وهكذا‭ ‬أصبحت‭ ‬قوة‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬ترابط‭ ‬اقتصاداتها،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬ضخامة‭ ‬كل‭ ‬اقتصاد‭ ‬وحده‭. ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬يعد‭ ‬دروسًا‭ ‬لمنطقتنا‭ ‬العربية‭ ‬يجب‭ ‬استيعابها‭.‬

وحين‭ ‬تتم‭ ‬مقارنة‭ ‬التنين‭ ‬الصيني‭ ‬بالقارة‭ ‬العجوز‭ (‬أوروبا‭) ‬الآن،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬سياسة‭ ‬صناعية‭ ‬طويلة‭ ‬النفس‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬الميسر‭ ‬وسلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬المتكاملة‭ ‬وابتكارات‭ ‬خفّضت‭ ‬التكلفة،‭ ‬حيث‭ ‬بلغ‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬2‭.‬8‭% ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلى‭ ‬في‭ ‬2025،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬المنافسة‭ ‬مجرد‭ ‬سباق‭ ‬على‭ ‬الأجر‭ ‬الأرخص‭. ‬

أما‭ ‬أوروبا‭ ‬فقد‭ ‬واجهت‭ ‬كلفة‭ ‬طاقة‭ ‬مرتفعة‭ ‬وأسواق‭ ‬تمويل‭ ‬مجزأة‭ ‬تعرقل‭ ‬نمو‭ ‬الشركات‭. ‬وتعاني‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصاديات‭ ‬أوروبا‭ ‬الآن‭ (‬ألمانيا‭) ‬من‭ ‬اختناقات‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬الصناعة‭ ‬والتوظيف،‭ ‬ومعدلات‭ ‬إفلاس‭ ‬الشركات،‭ ‬وكذلك‭ (‬فرنسا‭) ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬وضيق‭ ‬الحيز‭ ‬المالي‭ ‬بين‭ ‬تنشيط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وضبط‭ ‬الدَّين‭ ‬والعجز‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬المنافسة‭ ‬الصينية‭ ‬وهيمنتها‭ ‬على‭ ‬الصناعات‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ (‬السيارات‭ ‬والبطاريات‭ ‬والطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬والرقائق‭) ‬سبب‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬المعاناة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬فإن‭ ‬تكلفة‭ ‬الطاقة‭ ‬والتمويل‭ ‬وانحسار‭ ‬الطلب‭ ‬الداخلي‭ ‬والسياسات‭ ‬المالية‭ ‬غير‭ ‬المواتية‭ ‬عوامل‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬التدهور‭ ‬الأوروبي‭.‬

الخلاصة‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬خلال‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬ثنائي‭ ‬القطب‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة،‭ ‬بل‭ ‬شبكة‭ ‬متعددة‭ ‬المراكز‭: ‬الصين‭ ‬قطب‭ ‬صناعي‭ ‬–‭ ‬تكنولوجي‭ ‬راسخ،‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قطب‭ ‬مالي‭- ‬رقمي،‭ ‬وأوروبا‭ ‬تحاول‭ ‬جاهدة‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬لنفسها‭ ‬موقعًا‭ ‬عبر‭ ‬سوق‭ ‬موحدة‭ ‬أعمق‭ ‬واستثمارات‭ ‬في‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬بينما‭ ‬تصعد‭ ‬الهند‭ ‬ودول‭ ‬الآسيان‭ ‬كمصانع‭ ‬بديلة‭. ‬لن‭ ‬يختفي‭ ‬الغرب،‭ ‬لكنه‭ ‬لن‭ ‬يحتكر‭ ‬كتابة‭ ‬القواعد‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بجامعة‭ ‬

ولاية‭ ‬أوهايو‭ ‬وجامعة‭ ‬النيل

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا