لم تعد الاقتصاديات القديمة في آسيا (الصين والهند وتايلاند وماليزيا وإندونيسيا وفيتنام...) مجرد ورشة كبيرة موجودة على أطراف خريطة الاقتصاد العالمي لتنتج ألعاب الأطفال وأحذية الرياضة بأجور زهيدة. هذه الورشة كبرت ونمت بمعدلات غير مسبوقة، وانتقلت من مرحلة (التقليد) إلى (التجديد)، وأصبحت تزاحم القوى التقليدية من واشنطن إلى بروكسل على قلب الخريطة الاقتصادية.. ويعبر صندوق النقد الدولي عن هذا التحول بالأرقام: أسهمت آسيا بربع النمو العالمي (25%) عام 2000، ويُتوقع أن تقدم أكثر من ثلثيه (66%) هذا العام 2026؛ وهي حصة الزيادة في الإنتاج، لا حجم الاقتصاد كله.
وراء هذا التحول حكاية أكبر من صعود الصين والهند، فالتعليم، والاستثمار، والموانئ، والتجارة بين الجيران، والخطط الاقتصادية السليمة التي تعطي الأولوية لزيادة معدلات النمو ومشاركة جميع فئات الشعب فيها، خلقت المعجزة الاقتصادية التي أخرجت أكثر من مليار مواطن من هذين البلدين فقط من تحت خطوط الفقر المدقع إلى صفوف الطبقات المتوسطة.
الإحصائيات العالمية توضح أن الصين أخرجت قرابة 800 مليون إنسان من تحت خط الفقر المدقع بين 1981 و2018 (نحو أربعة عقود)، وفى الهند تجاوز العدد نحو 307 ملايين مواطن بين 2011–2012 و2023–2024 (خلال اثني عشر عامًا فقط)، وإن اختلف معيار القياس بين التجربتين.
ولكن الأهم الآن هو تجاوز عدد متوسطي الدخل في الصين 400 مليون، فيما تُقدَّر الطبقة المتوسطة الهندية بنحو نصف مليار شخص، وفق تعريفات محلية مختلفة؛ وهكذا يعتمد البلدان الآن، ومعهما معظم الاقتصاديات النامية في آسيا، على قوة الطبقة المتوسطة التي ما زالت تنمو، بينما الطبقة المتوسطة في أوروبا وأمريكا آخذة في التآكل.
وهكذا لم يعد الشرق مصنعًا للعالم فحسب، بل أصبح أيضًا (وبفضل الطبقة المتوسطة الناشئة) سوقًا واسعة تتطلع إلى حياة أفضل. فلا شك أنه حين يتجاوز دخل الأسرة حدود الضرورة، تتطلع إلى منزل أفضل، وتعليم للأبناء أرقى، وسيارة للعائلة أرحب، ورحلات للسياحة وأماكن للترفيه، وهكذا لم تعد آسيا تنتج للآخرين فحسب، بل أصبحت سوقًا واعدة تجذب الاستثمار وتمنح شركاتها فرصة الإنتاج الواسع وخفض التكلفة.
وتقدّر «وورلد داتا لاب» أن آسيا تضم نحو نصف الطبقة المتوسطة الأساسية عالميًا في 2026، وتتوقع انضمام 175 مليون شخص في الهند وحدها إلى شريحة قائمة المستهلكين بين 2026 و2030.
ولكن يجب الإشارة إلى أن الشرق لم يصعد بجهود دوله منفردة؛ فقد نسجت جماعة آسيان (التي تضم 11 دولة آسيوية) والشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP)، والتي تضم 15 دولة، جسورًا بين المصانع والأسواق، فسهّلتا التجارة وجذب الاستثمار وربط حلقات الإنتاج، وهكذا أصبحت قوة المنطقة في ترابط اقتصاداتها، لا في ضخامة كل اقتصاد وحده. ما سبق يعد دروسًا لمنطقتنا العربية يجب استيعابها.
وحين تتم مقارنة التنين الصيني بالقارة العجوز (أوروبا) الآن، نجد أن الصين تعتمد على سياسة صناعية طويلة النفس مبنية على التمويل الميسر وسلاسل التوريد المتكاملة وابتكارات خفّضت التكلفة، حيث بلغ الإنفاق على البحث والتطوير 2.8% من الناتج المحلى في 2025، فلم تعد المنافسة مجرد سباق على الأجر الأرخص.
أما أوروبا فقد واجهت كلفة طاقة مرتفعة وأسواق تمويل مجزأة تعرقل نمو الشركات. وتعاني أكبر اقتصاديات أوروبا الآن (ألمانيا) من اختناقات حادة في الصناعة والتوظيف، ومعدلات إفلاس الشركات، وكذلك (فرنسا) التي تعاني من صعوبة وضيق الحيز المالي بين تنشيط الاقتصاد وضبط الدَّين والعجز.
ورغم أن المنافسة الصينية وهيمنتها على الصناعات الأساسية في أوروبا (السيارات والبطاريات والطاقة الشمسية والرقائق) سبب أساسي في المعاناة الأوروبية، فإن تكلفة الطاقة والتمويل وانحسار الطلب الداخلي والسياسات المالية غير المواتية عوامل حاضرة في التدهور الأوروبي.
الخلاصة أن العالم خلال المستقبل القريب لن يكون ثنائي القطب على طريقة الحرب الباردة، بل شبكة متعددة المراكز: الصين قطب صناعي – تكنولوجي راسخ، والولايات المتحدة قطب مالي- رقمي، وأوروبا تحاول جاهدة أن تصنع لنفسها موقعًا عبر سوق موحدة أعمق واستثمارات في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، بينما تصعد الهند ودول الآسيان كمصانع بديلة. لن يختفي الغرب، لكنه لن يحتكر كتابة القواعد مرة أخرى.
{ أستاذ الاقتصاد بجامعة
ولاية أوهايو وجامعة النيل

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك