تتجلّى القسوة في السرديات الإنسانية حين تتخفّى النهاية في هيئة اعتياد؛ حدث صاخب يزلزل أركان أسرة امتدّ زواج طرفيها تسعةً وعشرين عامًا، وكأن تآكلًا بطيئًا وصامتًا يعيد تفكيك ما بدا راسخًا، ويجرّد المألوف من يقينه، حتى يغدو الانهيار، حين يُعلَن أخيرًا، أشبه بكشف متأخر عن خراب ظلّ يتشكّل في الخفاء.
ومن هذه المنطقة الملتبسة بين الاستمرار والانطفاء، وبين ما نعتقد أننا نعيشه وما انقطعنا عن الإحساس به منذ زمن، يستمد فيلمHope Gap (2019)، من كتابة وإخراج وليم نيكلسون، قوّته الدرامية وعمقه التأملي؛ إذ يقترب من تفكّك مؤسسة الزواج، بوصفه انكسارًا تدريجيًّا لهشاشة علاقة زوجية امتدّت قرابة ثلاثة عقود بين إدوارد وغريس.
لا يستدرج الفيلم متلقّيه إلى محاكمة أخلاقية تختزل الحكاية في ثنائية الضحية والجاني، أو بين من يملك حق الألم ومن يتحمّل وزر الفقد، بل ينفذ إلى الطبقات الأعمق للعلاقة، حيث تتشابك العاطفة بالاعتياد، والصمت بالاغتراب، إذ لا تتمثّل مأساة الفيلم في نهاية الزواج، بل في السؤال الأكثر إيلامًا في النهاية: كيف يمكن لعلاقة أن تستمرّ عقودًا، في الوقت الذي تتآكل فيه مقوّماتها من الداخل حتى تتهاوى؟ وكيف يغدو ما نظنّه استقرارًا مجرّد شكل من أشكال التأجيل، إلى أن يأتي الفقد ليهدم عالمًا لم يعد قائمًا بالصورة التي ألفيناها منذ زمن؟
يقدِّم الفيلم، بهذا المعنى، قراءة دقيقة لتفكّك إحدى أقدم المؤسسات الإنسانية، ويضعنا أمام أنماط من العلاقات قد يجد بعضها صدًى في تجارب أسرية مشابهة، حيث يكون الانفصال هو اللحظة التي يصبح فيها التصدُّع السابق مستحيلًا على الإنكار. وبعيدًا عن اختزال العلاقة في صراع بين ضحية وجانٍ، يجسّد بطلا الفيلم جدلية السيطرة والهيمنة في مقابل الانسحاب والانصياع والخوف من المواجهة، ضمن طقوس يومية لا تخلو من الصراع النفسي وثقل الالتزام بعلاقة يلوح في أفقها الرحيل العاطفي قبل الجسدي.
فالزوج يتخذ من الصمت وتجنّب المواجهة والانسحاب وسيلة لحماية ذاته، فيما تتمادى الزوجة في ممارسة السيطرة والتعبير عن الغضب بقسوة حادّة، وكأن استمرار رضوخ زوجها يعني بالضرورة استمرار العلاقة، إلى أن تبلغ المسافة العاطفية التي أخذت تتسع بينهما مداها، ويفاجئها الزوج بقرار الرحيل.
يتيح لنا الفيلم التعمق في نمط تفاعلي تتشابك فيه سلوكيات الطرفين، بحيث يسهم الانسحاب في إدامة الغموض، فيما تزيد السيطرة من وطأة العلاقة وتحدّ من إمكان المواجهة الصريحة.. وتتجلّى إحدى أكثر استعارات الفيلم أثرًا في حديث الزوج إلى ابنه عن لقائه الأول بزوجته في قطار، راحت فيه تواسيه في لحظة انكسار بعد وفاة والده، فيصف ذلك اليوم بأنه اليوم الذي ركب فيه «القطار الخطأ»؛ ولا تكمن أهمية هذه الاستعارة في أنها تحكم على البداية بالفشل، بقدر ما تفتح بابًا للتأمل في الطريقة التي يعيد بها الإنسان قراءة ماضيه بعد تجربة مؤلمة. فهل يمكن للشفقة والمواساة في لحظة انكسار أن تشكّلا أساسًا كافيًا لبناء زواج يستمر ويصمد؟ أم أن قيمة البداية تتحدّد بما تتيحه العلاقة لاحقًا من نمو متبادل وقدرة على مراجعة الذات وسلوك الآخر؟
إن الوقوف عند هذه النقطة يضعنا أمام ما عاشه الطرفان على امتداد عقود داخل علاقة استمرّ شكلها الخارجي، فيما أخذت مقوّماتها العاطفية تتراجع. فالزوجة تتشبّث بفكرة التماسك والبقاء، بينما يفضّل الزوج الانسحاب الصامت على المواجهة المباشرة. وبينهما في منطقة الوسط ابن يجد نفسه شاهدًا على انهيار زواج والديه، وطرفًا يتشرّب التوتر ويعيش تبعاته، ويحاول، بنضج، رسم حدود العلاقة الجديدة بعد الانفصال. ويختتم الفيلم بمواجهة تجمع الزوجين والمرأة التي اختارها إدوارد ليبدأ معها حياته الجديدة؛ إذ تسأل غريس زوجها بمرارة: كيف يمكنك البدء بعلاقة مع امرأة غيري؟ فتجيبها المرأة الجديدة، مختزلةً جانبًا من المعاناة التي عاشها أطراف العلاقة، بقولها: «لقد كان هناك ثلاثة أشخاص تعساء... الآن يوجد شخص واحد فقط!». وعلى الرغم من قسوة العبارة، فإنها تضع الزوجة الغاضبة أمام حقيقة يصعب عليها تقبّلها: استمرار العلاقة لم يكن يعني بالضرورة أن أطرافها سعداء، وبقاء الزواج لم يكن كافيًا لحماية الجميع من التعاسة. ومع أن العبارة لا تختزل التجربة الإنسانية بكل تعقيداتها، فإنها تمثّل لحظة مواجهة مع واقع لم يعد بالإمكان تغييره بمجرّد التمسّك بالماضي، وتفتح أمام الزوجة المكابرة طريقًا شاقًا ينقلها من الحزن إلى القبول، ومن التعلّق بأمل استعادة ما كان إلى محاولة المضي قدمًا. وهنا تتضح المفارقة التي يطرحها الفيلم: قد يكون الانفصال مؤلمًا، لكنه يكشف أحيانًا ما عجز استمرار العلاقة عن إخفائه؛ وقد يكون الرحيل حقًا مشروعًا، والصمت قد يكون وسيلة لتجنّب التصعيد، والغضب قد يكون تعبيرًا عن ألم متراكم، لكنه لا يبرّر بالضرورة التمادي في الإيذاء. ومن هنا يعود السؤال الذي تمنحه استعارة القطار: هل كان القطار خاطئًا منذ البداية؟ أم أن المشكلة تكمن في تحويل لحظة إنسانية عابرة إلى مسار حياة لم يخضع للمراجعة؟ وهل يعيد الإنسان تفسير بدايته العاطفية بعد الفشل، فيراها من منظور النهاية، أم أن النهاية تكشف بالفعل عن اختلالات رافقت العلاقة منذ مراحلها الأولى؟ لا يقدّم الفيلم إجابة قاطعة عن هذه الأسئلة بقدر ما يتيح لنا إدراك أن الحكم على الماضي من خلال نهايته وحدها قد يحجب ما احتواه من لحظات حقيقية، مثلما أن التمسك بالماضي لا يكفي لتبرير الاستمرار في علاقة فقدت معناها لدى أحد طرفيها. فليس كل ما ينتهي خطأً منذ البداية، كما أن طول المدة لا يشكّل دليلًا كافيًا على جدوى العلاقة.
{ صحفية بحرينية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك