غالبا ما يظهر الجاسوس في روايات الجاسوسية كشخصٍ يرتدي معطفاً طويلاً، ويحمل وثائق مسروقة، ثم يختفي في زقاقٍ مظلم. وبالفعل، كان الجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد يطابق هذا الوصف تماماً.
لقد كان بولارد محللاً في البحرية الأمريكية، وقد سرق أسراراً أمريكية شملت دليلاً شاملاً مكوناً من عشرة مجلدات خاصاً بوكالة الأمن القومي، يكشف كيفية جمع الولايات المتحدة الأمريكية لاستخبارات الإشارات، بالإضافة إلى أسماء آلاف الأفراد الأجانب الذين عملوا لصالح وكالات الاستخبارات الأمريكية.
ويعتقد مسؤولو الاستخبارات في الولايات المتحدة الأمريكية أن إسرائيل شاركت هذه الوثائق المسروقة مع الاتحاد السوفيتي. ووفقاً لعدة تقييمات استخباراتية، يُعد بولارد واحداً من أكثر الجواسيس الذين ألحقوا ضررا بالولايات الأمريكية في تاريخها.
حُكم على بولارد بالسجن مدى الحياة في عام 1987، وأُطلق سراحه في عام 2015. في البداية، ادعت إسرائيل أنه تصرف من تلقاء نفسه وقدمت اعتذاراً، ولم تعترف بأنه كان عميلاً يعمل لصالحها إلا في عام 1998. وفي عام 2007، أطلقت إسرائيل اسمه على ساحة في القدس تكريماً له على خدماته.
لم يكن بولارد أول أو آخر عميل لإسرائيل. فقد أقر لورانس فرانكلين، وهو محلل في البنتاغون، بذنبه في عام 2005 بتهمة تسريب معلومات سرية لمسؤول في السفارة الإسرائيلية واثنين من موظفي لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، أقوى لوبي مؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية.
كما أقر بن عامي كاديش، وهو مهندس سابق في الجيش، بذنبه في عام 2008 بتهمة تسريب وثائق سرية لمسؤول في القنصلية الإسرائيلية، ولم يقضِ أي فترة في السجن.
وواجه ستيوارت نوزيت، الذي كان يعمل في وكالة الفضاء الأمريكية
- ناسا- بدوره تهماً بمحاولة التجسس عقب عملية استدراج نفذها مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI).
وفي عام 1970، رصد مكتب التحقيقات الفيدرالي في الولايات المتحدة الأمريكية -عبر عمليات تنصت- ريتشارد بيرل وهو يناقش معلومات سرية مع مسؤول في السفارة الإسرائيلية.
وفي عام 2001، ترأس بيرل نفسه «مجلس سياسة الدفاع» التابع للبنتاغون، في حين شغل اثنان آخران من الموالين بشدة لإسرائيل -وهما دوغلاس فيث وبول وولفويتز- مناصب رفيعة في المؤسسة ذاتها. وكان فرانكلين يعمل في مكتب السياسات التابع لفيث عندما وُجهت إليه تهمة التجسس.
في عام 1996، أعدت مجموعة دراسية -بقيادة بيرل وفايث- ورقة سياسات لرئيس الوزراء الإسرائيلي القادم آنذاك، بنيامين نتنياهو، حملت عنوان «قطيعة تامة» (A Clean Break)، وقد دعت الورقة إسرائيل إلى التخلي عن اتفاقيات أوسلو وعملية السلام مع الفلسطينيين، واقترحت الإطاحة بصدام حسين من السلطة في العراق، وذلك كجزء من استراتيجية إسرائيلية أوسع لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط.
وبعد مرور خمس سنوات، قام مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بشنّ أول حرب أمريكية في العراق، وهي حرب تم التخطيط لها وإشعال فتيلها أساسا خدمة للمصالح الإسرائيلية.
لا أرمي من خلال هذا الكلام بأي حال من الأحوال إلى التلميح أو الادعاء بأن أحداً - ولا سيما هؤلاء الصهاينة الأمريكيين - يحمل ولاءً مزدوجاً. كلا، فالأمر أعمق من ذلك بكثير ولا يتعلق بالولاء المزدوج. فهو أمر لا يمكن وصفه إلا بتعبير واحد: الولاء لإسرائيل أولاً.
ننتقل بالزمن إلى عام 2026. يظهر اسم ديفيد ميلستين، وهو ربيب الإسرائيلي مارك ليفين المعروف في مجال الدعاية، وكبير مساعدي السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي - والذي يشغل فعلياً منصب رئيس مكتب السفير الأمريكي.
وبصفته صهيونياً أمريكياً يضع إسرائيل في المقام الأول دون أي خجل، يتولى ميلستين الإشراف على ملف الضفة الغربية وقطاع غزة في السفارة الأمريكية، وهو ما يشبه تماماً وضع الثعلب حارساً على قن الدجاج.
ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن اثني عشر شخصاً عملوا معه، فقد عمد ميلستين مراراً إلى إلغاء تقارير السفارة الموجهة إلى وزارة الخارجية الأمريكية أو إعادة صياغتها، وذلك بما يخدم مصالح حكومة بنيامين نتنياهو.
وعندما سرّعت الحكومة الإسرائيلية إجراءات الموافقة على بناء المزيد من المستوطنات المخصصة لليهود فقط في الضفة الغربية المحتلة، أعدّ موظفو السفارة مذكرة عاجلة حذروا فيها من أن هذه الخطوة قد تتجاوز «الخط الأحمر» الذي وضعه الرئيس دونالد ترامب نفسه ضد عمليات ضم الأراضي.
ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن هذه المذكرة لم تغادر القدس قط، ولم تصل بالتالي إلى وزارة الخارجية الأمريكية.
وفي ظل تصاعد هجمات المجموعات اليهودية الإسرائيلية على منازل الفلسطينيين ومزارعهم، أعدّ موظفو السفارة الأمريكية تقريراً يوثّق تقاعس إسرائيل عن كبح جماح العنف الذي يمارسه الشباب الصهاينة.
لكن ميلستين أعاد صياغة التقرير وأرسل برقية من السفارة إلى واشنطن بعنوان: «الحكومة تتخذ إجراءات صارمة ضد تصاعد العنف في الضفة الغربية».
وفي الوقت الذي أشار فيه دبلوماسيون أمريكيون إلى أن مواقع توزيع المساعدات التي تعود بالنظر إلى «مؤسسة غزة الإنسانية» كانت تشهد حالة من الفوضى وتتسبب في وقوع وفيات، خلص ميلستين إلى أن العملية كانت ناجحة.
تساءل ثلاثون عضواً في الكونغرس الأمريكي، بقيادة السيناتور كريس فان هولين، عن مصير التحقيقات في مقتل تسعة فلسطينيين أمريكيين على يد عصابات وجنود إسرائيليين.
أعدّ موظفو السفارة تقريراً يُظهر تقدماً ضئيلاً وعدم توجيه أي اتهامات. ووفقاً لصحيفة التايمز، تمّ تجاهل التقرير لصالح رسالة تُفيد بأن إسرائيل تتعامل مع القضايا بشكل سليم.
انخفضت مراسلات القسم المُختص بالشؤون الفلسطينية من عدة مراسلات أسبوعياً إلى بضع مراسلات شهرياً، خشية موظفي السفارة الأمريكية من عرقلة عملهم أو إعادة صياغة تقاريرهم أو التأثير سلباً على مسيرتهم الدبلوماسية.
كان ميلستين يسأل موظفي السفارة عما إذا كانوا «مؤيدين لإسرائيل» أو «مؤيدين لحماس»، بدلاً من سؤالهم عما إذا كانوا أمريكيين مخلصين لبلادهم. فمثل هذه البعثة الدبلوماسية، التي تُخضع الولاء للاختبار عبر أسئلة كهذه، تفقد صفتها كسفارة أمريكية.
ذات مرة، جلستُ إلى مائدة الغداء مع سفير أمريكي كان يعمل في الخارج. روى لي أنه خلال فترة تولي جورج شولتز منصب وزير الخارجية، كان شولتز يلتقي بالسفراء المعينين حديثاً، ويشير إلى خريطة للعالم معلقة في مكتبه، طالباً من كل منهم تحديد بلده.
كان معظمهم يشيرون إلى الدولة التي عُيّنوا فيها، فيصحح لهم شولتز قائلاً: «لا، بلدكم هو الولايات المتحدة الأمريكية، وواجبكم هو خدمة مصالح بلدكم، لا مصالح الدولة التي أُرسلتم إليها».
ربما لم يسمع السفير مايك هاكابي وميلستين بهذا الدرس قط، أو ربما كانت خدمة إسرائيل هي أولويتهما. فبدلاً من تمثيل المصالح الأمريكية، تعمل السفارة كـ «مبعوث» لإسرائيل داخل الإدارة الأمريكية.
لقد تحولت السفارة الأمريكية إلى بعثة صهيونية تديرها الكنيسة الإنجيلية، ويقودها صهيوني متشبع بأفكار أيديولوجية، لدرجة أن زوج والدته يُلقب بـ«تل أبيب ليفين».
مرة أخرى، لا أحد يتهم هاكابي أو ميلستين بأنهما «عملاء لدولة أجنبية». وبصراحة، إسرائيل لا تحتاج إلى ذلك؛ فهي ليست بحاجة لتجنيدهما أو دفع الأموال لهما كما فعلت مع بولارد. فالمسؤولون الملتزمون أيديولوجيا تجاه إسرائيل يمكنهم القيام بالعمل ذاته من داخل الإدارة الأمريكية نفسها، تحت مسميات وظيفية مشروعة ومن دون التعرض لخطر الاعتقال.
لا توجد دولة تتلقى مساعدات مالية وعسكرية أمريكية أكثر من إسرائيل؛ ومع ذلك، فقد صنفت تقييمات أجهزة مكافحة التجسس الأمريكية إسرائيل كواحدة من أكثر الجهات عدوانية في مجال جمع المعلومات الاستخباراتية التي تهدد الأمن القومي الأمريكي.
ربما كان جوناثان بولارد وآخرون أمثلةً نموذجيةً للجواسيس التقليديين الذين يعملون في الخفاء. لكن الخطر الأكبر لا يكمن في سرقة ملفات سرية، بل في وجود أمريكيين يقدّمون ولاءهم لإسرائيل على واجبهم تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، ويعملون داخل أروقة البيت الأبيض والبنتاغون بهدفٍ واحدٍ فقط: خدمة إسرائيل.
لنأخذ على سبيل المثال ديفيد فروم، الذي صاغ عبارة «محور الشر» للرئيس جورج دبليو بوش، مساهماً بذلك في رسم المسار الخطابي لأطول حربٍ خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية في الخارج. كما تولّى فروم كتابة خطاباتٍ لسفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، مدافعاً عن الموقف الإسرائيلي أمام هذه الهيئة الدولية.
ديفيد فروم هو الكاتب ذاته الذي يخدم أجندةً تضع إسرائيل في المقام الأول من خلال منصتين مختلفتين: تارةً بالمساعدة في الترويج لحربٍ أمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وتارةً أخرى بالدفاع عن قضايا إسرائيل أمام العالم.
وفي القرن الحادي والعشرين، ومع سيطرة الصهاينة على وسائل الإعلام الرئيسية، ووجود عناصر موالية لهم داخل أروقة السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، لم تعد إسرائيل بحاجة إلى جواسيس يرتدون معاطف واقية أو وثائق مسروقة.
إن إسرائيل ليست في حاجة إلى ذلك، فهي تعمل من خلال مسؤولين يشغلون مناصب نافذة، يحددون ما يطالعه صنّاع القرار الأمريكيون؛ وذلك عبر صياغة التقارير الدبلوماسية، وحجب المعلومات، وتوجيه القرارات الأمريكية بما يخدم المصالح الاستراتيجية لإسرائيل على حساب المصالح الأمريكية ذاتها.
وحين تتعارض مصالح إسرائيل مع احتياجات واشنطن من المعلومات، يتم تطويع هذه المعلومات وتقديمها في العلن، عبر قنوات رسمية، وبمسميات وظيفية رسمية، وعلى نفقة دافعي الضرائب الأمريكيين.
{ كاتب فلسطيني مقيم في الولايات المتحدة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك