العدد : ١٧٧٥٠ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٠ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

مظاهر النفوذ الإسرائيلي في الولايات المتحدة الأمريكية

بقلم: جمال كنج

الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

غالبا‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬الجاسوس‭ ‬في‭ ‬روايات‭ ‬الجاسوسية‭ ‬كشخصٍ‭ ‬يرتدي‭ ‬معطفاً‭ ‬طويلاً،‭ ‬ويحمل‭ ‬وثائق‭ ‬مسروقة،‭ ‬ثم‭ ‬يختفي‭ ‬في‭ ‬زقاقٍ‭ ‬مظلم‭. ‬وبالفعل،‭ ‬كان‭ ‬الجاسوس‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬جوناثان‭ ‬بولارد‭ ‬يطابق‭ ‬هذا‭ ‬الوصف‭ ‬تماماً‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬بولارد‭ ‬محللاً‭ ‬في‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وقد‭ ‬سرق‭ ‬أسراراً‭ ‬أمريكية‭ ‬شملت‭ ‬دليلاً‭ ‬شاملاً‭ ‬مكوناً‭ ‬من‭ ‬عشرة‭ ‬مجلدات‭ ‬خاصاً‭ ‬بوكالة‭ ‬الأمن‭ ‬القومي،‭ ‬يكشف‭ ‬كيفية‭ ‬جمع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لاستخبارات‭ ‬الإشارات،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أسماء‭ ‬آلاف‭ ‬الأفراد‭ ‬الأجانب‭ ‬الذين‭ ‬عملوا‭ ‬لصالح‭ ‬وكالات‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الأمريكية‭.‬

ويعتقد‭ ‬مسؤولو‭ ‬الاستخبارات‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬شاركت‭ ‬هذه‭ ‬الوثائق‭ ‬المسروقة‭ ‬مع‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭. ‬ووفقاً‭ ‬لعدة‭ ‬تقييمات‭ ‬استخباراتية،‭ ‬يُعد‭ ‬بولارد‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الجواسيس‭ ‬الذين‭ ‬ألحقوا‭ ‬ضررا‭ ‬بالولايات‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬تاريخها‭. ‬

حُكم‭ ‬على‭ ‬بولارد‭ ‬بالسجن‭ ‬مدى‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1987،‭ ‬وأُطلق‭ ‬سراحه‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2015‭. ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬ادعت‭ ‬إسرائيل‭ ‬أنه‭ ‬تصرف‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬نفسه‭ ‬وقدمت‭ ‬اعتذاراً،‭ ‬ولم‭ ‬تعترف‭ ‬بأنه‭ ‬كان‭ ‬عميلاً‭ ‬يعمل‭ ‬لصالحها‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1998‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2007،‭ ‬أطلقت‭ ‬إسرائيل‭ ‬اسمه‭ ‬على‭ ‬ساحة‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬تكريماً‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬خدماته‭. ‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬بولارد‭ ‬أول‭ ‬أو‭ ‬آخر‭ ‬عميل‭ ‬لإسرائيل‭. ‬فقد‭ ‬أقر‭ ‬لورانس‭ ‬فرانكلين،‭ ‬وهو‭ ‬محلل‭ ‬في‭ ‬البنتاغون،‭ ‬بذنبه‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2005‭ ‬بتهمة‭ ‬تسريب‭ ‬معلومات‭ ‬سرية‭ ‬لمسؤول‭ ‬في‭ ‬السفارة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬واثنين‭ ‬من‭ ‬موظفي‭ ‬لجنة‭ ‬الشؤون‭ ‬العامة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإسرائيلية‭ (‬أيباك‭)‬،‭ ‬أقوى‭ ‬لوبي‭ ‬مؤيد‭ ‬لإسرائيل‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭. ‬

كما‭ ‬أقر‭ ‬بن‭ ‬عامي‭ ‬كاديش،‭ ‬وهو‭ ‬مهندس‭ ‬سابق‭ ‬في‭ ‬الجيش،‭ ‬بذنبه‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬بتهمة‭ ‬تسريب‭ ‬وثائق‭ ‬سرية‭ ‬لمسؤول‭ ‬في‭ ‬القنصلية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬ولم‭ ‬يقضِ‭ ‬أي‭ ‬فترة‭ ‬في‭ ‬السجن‭.‬

وواجه‭ ‬ستيوارت‭ ‬نوزيت،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬وكالة‭ ‬الفضاء‭ ‬الأمريكية‭ ‬

‭- ‬ناسا‭- ‬بدوره‭ ‬تهماً‭ ‬بمحاولة‭ ‬التجسس‭ ‬عقب‭ ‬عملية‭ ‬استدراج‭ ‬نفذها‭ ‬مكتب‭ ‬التحقيقات‭ ‬الفيدرالي‭ (‬FBI‭).‬

وفي‭ ‬عام‭ ‬1970،‭ ‬رصد‭ ‬مكتب‭ ‬التحقيقات‭ ‬الفيدرالي‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ -‬عبر‭ ‬عمليات‭ ‬تنصت‭- ‬ريتشارد‭ ‬بيرل‭ ‬وهو‭ ‬يناقش‭ ‬معلومات‭ ‬سرية‭ ‬مع‭ ‬مسؤول‭ ‬في‭ ‬السفارة‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

وفي‭ ‬عام‭ ‬2001،‭ ‬ترأس‭ ‬بيرل‭ ‬نفسه‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬سياسة‭ ‬الدفاع‮»‬‭ ‬التابع‭ ‬للبنتاغون،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬شغل‭ ‬اثنان‭ ‬آخران‭ ‬من‭ ‬الموالين‭ ‬بشدة‭ ‬لإسرائيل‭ -‬وهما‭ ‬دوغلاس‭ ‬فيث‭ ‬وبول‭ ‬وولفويتز‭- ‬مناصب‭ ‬رفيعة‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬ذاتها‭. ‬وكان‭ ‬فرانكلين‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬مكتب‭ ‬السياسات‭ ‬التابع‭ ‬لفيث‭ ‬عندما‭ ‬وُجهت‭ ‬إليه‭ ‬تهمة‭ ‬التجسس‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬1996،‭ ‬أعدت‭ ‬مجموعة‭ ‬دراسية‭ -‬بقيادة‭ ‬بيرل‭ ‬وفايث‭- ‬ورقة‭ ‬سياسات‭ ‬لرئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬القادم‭ ‬آنذاك،‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬حملت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬قطيعة‭ ‬تامة‮»‬‭ (‬A‭ ‬Clean‭ ‬Break‭)‬،‭ ‬وقد‭ ‬دعت‭ ‬الورقة‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬اتفاقيات‭ ‬أوسلو‭ ‬وعملية‭ ‬السلام‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬واقترحت‭ ‬الإطاحة‭ ‬بصدام‭ ‬حسين‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وذلك‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬إسرائيلية‭ ‬أوسع‭ ‬لإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

وبعد‭ ‬مرور‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬قام‭ ‬مسؤولون‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬الدفاع‭ ‬الأمريكية‭ (‬البنتاغون‭) ‬بشنّ‭ ‬أول‭ ‬حرب‭ ‬أمريكية‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وهي‭ ‬حرب‭ ‬تم‭ ‬التخطيط‭ ‬لها‭ ‬وإشعال‭ ‬فتيلها‭ ‬أساسا‭ ‬خدمة‭ ‬للمصالح‭ ‬الإسرائيلية‭.‬

لا‭ ‬أرمي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال‭ ‬إلى‭ ‬التلميح‭ ‬أو‭ ‬الادعاء‭ ‬بأن‭ ‬أحداً‭ - ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬هؤلاء‭ ‬الصهاينة‭ ‬الأمريكيين‭ - ‬يحمل‭ ‬ولاءً‭ ‬مزدوجاً‭. ‬كلا،‭ ‬فالأمر‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير‭ ‬ولا‭ ‬يتعلق‭ ‬بالولاء‭ ‬المزدوج‭. ‬فهو‭ ‬أمر‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬إلا‭ ‬بتعبير‭ ‬واحد‭: ‬الولاء‭ ‬لإسرائيل‭ ‬أولاً‭.‬

ننتقل‭ ‬بالزمن‭ ‬إلى‭ ‬عام‭ ‬2026‭. ‬يظهر‭ ‬اسم‭ ‬ديفيد‭ ‬ميلستين،‭ ‬وهو‭ ‬ربيب‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬مارك‭ ‬ليفين‭ ‬المعروف‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الدعاية،‭ ‬وكبير‭ ‬مساعدي‭ ‬السفير‭ ‬الأمريكي‭ ‬لدى‭ ‬إسرائيل‭ ‬مايك‭ ‬هاكابي‭ - ‬والذي‭ ‬يشغل‭ ‬فعلياً‭ ‬منصب‭ ‬رئيس‭ ‬مكتب‭ ‬السفير‭ ‬الأمريكي‭.‬

وبصفته‭ ‬صهيونياً‭ ‬أمريكياً‭ ‬يضع‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬خجل،‭ ‬يتولى‭ ‬ميلستين‭ ‬الإشراف‭ ‬على‭ ‬ملف‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬السفارة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬تماماً‭ ‬وضع‭ ‬الثعلب‭ ‬حارساً‭ ‬على‭ ‬قن‭ ‬الدجاج‭.‬

ووفقاً‭ ‬لصحيفة‭ ‬‮«‬نيويورك‭ ‬تايمز‮»‬،‭ ‬نقلاً‭ ‬عن‭ ‬اثني‭ ‬عشر‭ ‬شخصاً‭ ‬عملوا‭ ‬معه،‭ ‬فقد‭ ‬عمد‭ ‬ميلستين‭ ‬مراراً‭ ‬إلى‭ ‬إلغاء‭ ‬تقارير‭ ‬السفارة‭ ‬الموجهة‭ ‬إلى‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬صياغتها،‭ ‬وذلك‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬مصالح‭ ‬حكومة‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭.‬

وعندما‭ ‬سرّعت‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬إجراءات‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬المستوطنات‭ ‬المخصصة‭ ‬لليهود‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة،‭ ‬أعدّ‭ ‬موظفو‭ ‬السفارة‭ ‬مذكرة‭ ‬عاجلة‭ ‬حذروا‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬قد‭ ‬تتجاوز‭ ‬‮«‬الخط‭ ‬الأحمر‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬وضعه‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬نفسه‭ ‬ضد‭ ‬عمليات‭ ‬ضم‭ ‬الأراضي‭.‬

ووفقاً‭ ‬لصحيفة‭ ‬‮«‬نيويورك‭ ‬تايمز‮»‬،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬المذكرة‭ ‬لم‭ ‬تغادر‭ ‬القدس‭ ‬قط،‭ ‬ولم‭ ‬تصل‭ ‬بالتالي‭ ‬إلى‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬هجمات‭ ‬المجموعات‭ ‬اليهودية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬منازل‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ومزارعهم،‭ ‬أعدّ‭ ‬موظفو‭ ‬السفارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬تقريراً‭ ‬يوثّق‭ ‬تقاعس‭ ‬إسرائيل‭ ‬عن‭ ‬كبح‭ ‬جماح‭ ‬العنف‭ ‬الذي‭ ‬يمارسه‭ ‬الشباب‭ ‬الصهاينة‭. ‬

لكن‭ ‬ميلستين‭ ‬أعاد‭ ‬صياغة‭ ‬التقرير‭ ‬وأرسل‭ ‬برقية‭ ‬من‭ ‬السفارة‭ ‬إلى‭ ‬واشنطن‭ ‬بعنوان‭: ‬‮«‬الحكومة‭ ‬تتخذ‭ ‬إجراءات‭ ‬صارمة‭ ‬ضد‭ ‬تصاعد‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬أشار‭ ‬فيه‭ ‬دبلوماسيون‭ ‬أمريكيون‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مواقع‭ ‬توزيع‭ ‬المساعدات‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مؤسسة‭ ‬غزة‭ ‬الإنسانية‮»‬‭ ‬كانت‭ ‬تشهد‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الفوضى‭ ‬وتتسبب‭ ‬في‭ ‬وقوع‭ ‬وفيات،‭ ‬خلص‭ ‬ميلستين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العملية‭ ‬كانت‭ ‬ناجحة‭.‬

تساءل‭ ‬ثلاثون‭ ‬عضواً‭ ‬في‭ ‬الكونغرس‭ ‬الأمريكي،‭ ‬بقيادة‭ ‬السيناتور‭ ‬كريس‭ ‬فان‭ ‬هولين،‭ ‬عن‭ ‬مصير‭ ‬التحقيقات‭ ‬في‭ ‬مقتل‭ ‬تسعة‭ ‬فلسطينيين‭ ‬أمريكيين‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬عصابات‭ ‬وجنود‭ ‬إسرائيليين‭.‬

أعدّ‭ ‬موظفو‭ ‬السفارة‭ ‬تقريراً‭ ‬يُظهر‭ ‬تقدماً‭ ‬ضئيلاً‭ ‬وعدم‭ ‬توجيه‭ ‬أي‭ ‬اتهامات‭. ‬ووفقاً‭ ‬لصحيفة‭ ‬التايمز،‭ ‬تمّ‭ ‬تجاهل‭ ‬التقرير‭ ‬لصالح‭ ‬رسالة‭ ‬تُفيد‭ ‬بأن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬القضايا‭ ‬بشكل‭ ‬سليم‭.‬

انخفضت‭ ‬مراسلات‭ ‬القسم‭ ‬المُختص‭ ‬بالشؤون‭ ‬الفلسطينية‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬مراسلات‭ ‬أسبوعياً‭ ‬إلى‭ ‬بضع‭ ‬مراسلات‭ ‬شهرياً،‭ ‬خشية‭ ‬موظفي‭ ‬السفارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬عرقلة‭ ‬عملهم‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬تقاريرهم‭ ‬أو‭ ‬التأثير‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬مسيرتهم‭ ‬الدبلوماسية‭.‬

كان‭ ‬ميلستين‭ ‬يسأل‭ ‬موظفي‭ ‬السفارة‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬كانوا‭ ‬‮«‬مؤيدين‭ ‬لإسرائيل‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬مؤيدين‭ ‬لحماس‮»‬،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬سؤالهم‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬كانوا‭ ‬أمريكيين‭ ‬مخلصين‭ ‬لبلادهم‭. ‬فمثل‭ ‬هذه‭ ‬البعثة‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬التي‭ ‬تُخضع‭ ‬الولاء‭ ‬للاختبار‭ ‬عبر‭ ‬أسئلة‭ ‬كهذه،‭ ‬تفقد‭ ‬صفتها‭ ‬كسفارة‭ ‬أمريكية‭.‬

ذات‭ ‬مرة،‭ ‬جلستُ‭ ‬إلى‭ ‬مائدة‭ ‬الغداء‭ ‬مع‭ ‬سفير‭ ‬أمريكي‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬الخارج‭. ‬روى‭ ‬لي‭ ‬أنه‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬تولي‭ ‬جورج‭ ‬شولتز‭ ‬منصب‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية،‭ ‬كان‭ ‬شولتز‭ ‬يلتقي‭ ‬بالسفراء‭ ‬المعينين‭ ‬حديثاً،‭ ‬ويشير‭ ‬إلى‭ ‬خريطة‭ ‬للعالم‭ ‬معلقة‭ ‬في‭ ‬مكتبه،‭ ‬طالباً‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬تحديد‭ ‬بلده‭. ‬

كان‭ ‬معظمهم‭ ‬يشيرون‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬عُيّنوا‭ ‬فيها،‭ ‬فيصحح‭ ‬لهم‭ ‬شولتز‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬لا،‭ ‬بلدكم‭ ‬هو‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وواجبكم‭ ‬هو‭ ‬خدمة‭ ‬مصالح‭ ‬بلدكم،‭ ‬لا‭ ‬مصالح‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬أُرسلتم‭ ‬إليها‮»‬‭. ‬

ربما‭ ‬لم‭ ‬يسمع‭ ‬السفير‭ ‬مايك‭ ‬هاكابي‭ ‬وميلستين‭ ‬بهذا‭ ‬الدرس‭ ‬قط،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬خدمة‭ ‬إسرائيل‭ ‬هي‭ ‬أولويتهما‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬تمثيل‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية،‭ ‬تعمل‭ ‬السفارة‭ ‬كـ‭ ‬‮«‬مبعوث‮»‬‭ ‬لإسرائيل‭ ‬داخل‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭. ‬

لقد‭ ‬تحولت‭ ‬السفارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬بعثة‭ ‬صهيونية‭ ‬تديرها‭ ‬الكنيسة‭ ‬الإنجيلية،‭ ‬ويقودها‭ ‬صهيوني‭ ‬متشبع‭ ‬بأفكار‭ ‬أيديولوجية،‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬زوج‭ ‬والدته‭ ‬يُلقب‭ ‬بـ«تل‭ ‬أبيب‭ ‬ليفين‮»‬‭.‬

مرة‭ ‬أخرى،‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يتهم‭ ‬هاكابي‭ ‬أو‭ ‬ميلستين‭ ‬بأنهما‭ ‬‮«‬عملاء‭ ‬لدولة‭ ‬أجنبية‮»‬‭. ‬وبصراحة،‭ ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ذلك؛‭ ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬بحاجة‭ ‬لتجنيدهما‭          ‬أو‭ ‬دفع‭ ‬الأموال‭ ‬لهما‭ ‬كما‭ ‬فعلت‭ ‬مع‭ ‬بولارد‭. ‬فالمسؤولون‭ ‬الملتزمون‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬تجاه‭ ‬إسرائيل‭ ‬يمكنهم‭ ‬القيام‭ ‬بالعمل‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬نفسها،‭ ‬تحت‭ ‬مسميات‭ ‬وظيفية‭ ‬مشروعة‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬التعرض‭ ‬لخطر‭ ‬الاعتقال‭.‬

لا‭ ‬توجد‭ ‬دولة‭ ‬تتلقى‭ ‬مساعدات‭ ‬مالية‭ ‬وعسكرية‭ ‬أمريكية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬إسرائيل؛‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فقد‭ ‬صنفت‭ ‬تقييمات‭ ‬أجهزة‭ ‬مكافحة‭ ‬التجسس‭ ‬الأمريكية‭ ‬إسرائيل‭ ‬كواحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الجهات‭ ‬عدوانية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬جمع‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستخباراتية‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الأمريكي‭.‬

ربما‭ ‬كان‭ ‬جوناثان‭ ‬بولارد‭ ‬وآخرون‭ ‬أمثلةً‭ ‬نموذجيةً‭ ‬للجواسيس‭ ‬التقليديين‭ ‬الذين‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬الخفاء‭. ‬لكن‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬سرقة‭ ‬ملفات‭ ‬سرية،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬أمريكيين‭ ‬يقدّمون‭ ‬ولاءهم‭ ‬لإسرائيل‭ ‬على‭ ‬واجبهم‭ ‬تجاه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ويعملون‭ ‬داخل‭ ‬أروقة‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬والبنتاغون‭ ‬بهدفٍ‭ ‬واحدٍ‭ ‬فقط‭: ‬خدمة‭ ‬إسرائيل‭.‬

لنأخذ‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬ديفيد‭ ‬فروم،‭ ‬الذي‭ ‬صاغ‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬محور‭ ‬الشر‮»‬‭ ‬للرئيس‭ ‬جورج‭ ‬دبليو‭ ‬بوش،‭ ‬مساهماً‭ ‬بذلك‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬المسار‭ ‬الخطابي‭ ‬لأطول‭ ‬حربٍ‭ ‬خاضتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬الخارج‭. ‬كما‭ ‬تولّى‭ ‬فروم‭ ‬كتابة‭ ‬خطاباتٍ‭ ‬لسفير‭ ‬إسرائيل‭ ‬لدى‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬مدافعاً‭ ‬عن‭ ‬الموقف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬الهيئة‭ ‬الدولية‭.‬

ديفيد‭ ‬فروم‭ ‬هو‭ ‬الكاتب‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬يخدم‭ ‬أجندةً‭ ‬تضع‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منصتين‭ ‬مختلفتين‭: ‬تارةً‭ ‬بالمساعدة‭ ‬في‭ ‬الترويج‭ ‬لحربٍ‭ ‬أمريكية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وتارةً‭ ‬أخرى‭ ‬بالدفاع‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬إسرائيل‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭.‬

وفي‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين،‭ ‬ومع‭ ‬سيطرة‭ ‬الصهاينة‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الرئيسية،‭ ‬ووجود‭ ‬عناصر‭ ‬موالية‭ ‬لهم‭ ‬داخل‭ ‬أروقة‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬إسرائيل‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬جواسيس‭ ‬يرتدون‭ ‬معاطف‭ ‬واقية‭ ‬أو‭ ‬وثائق‭ ‬مسروقة‭.‬

إن‭ ‬إسرائيل‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فهي‭ ‬تعمل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مسؤولين‭ ‬يشغلون‭ ‬مناصب‭ ‬نافذة،‭ ‬يحددون‭ ‬ما‭ ‬يطالعه‭ ‬صنّاع‭ ‬القرار‭ ‬الأمريكيون؛‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬صياغة‭ ‬التقارير‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬وحجب‭ ‬المعلومات،‭ ‬وتوجيه‭ ‬القرارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬المصالح‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لإسرائيل‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭ ‬ذاتها‭.‬

وحين‭ ‬تتعارض‭ ‬مصالح‭ ‬إسرائيل‭ ‬مع‭ ‬احتياجات‭ ‬واشنطن‭ ‬من‭ ‬المعلومات،‭ ‬يتم‭ ‬تطويع‭ ‬هذه‭ ‬المعلومات‭ ‬وتقديمها‭ ‬في‭ ‬العلن،‭ ‬عبر‭ ‬قنوات‭ ‬رسمية،‭ ‬وبمسميات‭ ‬وظيفية‭ ‬رسمية،‭ ‬وعلى‭ ‬نفقة‭ ‬دافعي‭ ‬الضرائب‭ ‬الأمريكيين‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬فلسطيني‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا