من مدينة غزة في فلسطين المحتلة إلى حي «ماربل هيل» في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، يبرز تشابهٌ مقلقٌ بين العنف العسكري اليومي الذي يتعرض له الفلسطينيون على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلية، وأساليب الإنفاذ القاتلة التي تستخدمها سلطات الهجرة الفيدرالية في الشوارع السكنية داخل الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي هذا السياق، يمكن طرح حجةٍ وجيهةٍ مفادها أن العنف الممنهج داخل الأجهزة المحلية -مثل «إدارة الهجرة والجمارك» - يرتبط ارتباطاً جوهرياً بالسياسات الأمريكية التي مكنت، على مدى عقود، الممارسات الوحشية الإسرائيلية في فلسطين.
وعندما تتخلى سلطة الدولة عن قيودها، تتلاشى فعلياً المسافة الجغرافية الفاصلة بين منطقة حرب بعيدة وحيٍّ سكني محلي، مما يترك فئات سكانية ضعيفة وعزلاء عرضةً لعدوانٍ لا رادع له، وبلا مساءلة.
وتُعد حادثة إطلاق النار في حي «ماربل هيل» بمانهاتن في مدينة نيويورك أحدث مثال على عنفٍ جامحٍ تباركه الدولة. ففي شارعٍ يعجّ بالعائلات، قام عنصرٌ من وكالة الهجرة والجمارك، يرتدي ملابس مدنية ويخفي وجهه، بإطلاق ذخيرة حية نحو مركبة، فأصاب أباً بينما كان ابنه البالغ من العمر خمس سنوات يجلس في المقعد الخلفي، يملؤه الرعب.
إن هذا العدوان السافر، وما يصاحبه من شعورٍ بالإفلات من العقاب وانتهاكاتٍ لحقوق الإنسان من قِبل وكالة الهجرة والجمارك، قد حوَّل المجتمعات الأمريكية إلى ما يشبه مناطق خاضعة لاحتلالٍ عسكري.
وقعت 32 حادثة إطلاق نار منفصلة تورط فيها عناصر من وكالات الهجرة منذ أن وسّعت إدارة الرئيس ترامب عملياتها في يناير 2025، مستهدفةً ما تسميه «مدن الملاذ الآمن»)، مثل لوس أنجلوس ومينيابوليس وشيكاغو وبورتلاند ونيويورك، وقد أسفرت هذه المواجهات عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة 15 آخرين.
ووفقاً لوزارة الصحة في غزة، فقد بلغ عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في قطاع غزة حتى أكتوبر 2026 أكثر من 74,382 شخصاً، بينما تجاوز عدد القتلى في الضفة الغربية - بما فيها القدس الشرقية - 1,138 شخصاً، وذلك منذ السابع من أكتوبر 2023.
وتجدر الإشارة إلى أن وزارة الصحة لا تحصي سوى الوفيات التي تُسجَّل داخل المستشفيات؛ علماً بأنه لا يوجد اليوم في قطاع غزة أي مستشفى يعمل بكامل طاقته، إذ لا تزال 18 منشأة فقط تقدم خدماتها في ظل قيود وظروف بالغة الصعوبة.
ومن الواضح أنه لا يمكننا المساواة بين حجم الموت والدمار الذي عانى منه سكان غزة وسكان مدينة نيويورك. ومع ذلك، ينبغي الإقرار بالواقع المشترك بينهما، والمتمثل في الاستخدام المفرط وغير المقيد للقوة، وأيضا التجاهل التام للأطر القانونية، وانعدام الاكتراث بالقيم الإنسانية الأساسية.
ورغم اختلاف النطاقات والأسس القانونية في كلتا الحالتين، إلا أنهما تعكسان معاً منظومةً مؤسسيةً تُجرّد المدنيين من إنسانيتهم، وتُلحق بالأطفال صدماتٍ نفسيةً عميقة، وتمارس عنفاً شديد الحدة دون أدنى خشية من المحاسبة.
إن وضع هذين الحدثين جنباً إلى جنب لا يعني الخلط بين الحرب الوحشية التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين وممارسات أجهزة إنفاذ القانون في الولايات المتحدة الأمريكية، بل يسلط الضوء على حقيقةٍ قاتمة: وهي أنه حين تغيب الرقابة والمحاسبة عن سلطة الدولة، تتحول الأماكن العامة المعتادة إلى ساحاتٍ تخلّف صدماتٍ تغيِّر مجرى حياة البشر.
يعيش المدنيون في قطاع غزة والضفة الغربية في بيئة يطغى عليها وجود عسكري مكثف، حيث مُحيت الحدود -عن عمد وبشكل كامل- بين الأحياء السكنية ومناطق القتال.
وتُعد الحوادث المأساويةٍ، مثل تلك التي وقعت في «ماربل هيل»، مثالاً على تلاشٍ مماثل للحدود داخل البيئة المحلية. ففي معظم الأحياء التي تقطنها أقليات ذات دخل منخفض، يتصرف عناصر «إدارة الهجرة والجمارك» -الذين يفتقرون إلى التدريب الكافي- وكأنهم قوة احتلال، إذ يجوبون الشوارع بعقلية المحارب، ويتعاملون مع السكان باعتبارهم أعداءً يجب إخضاعهم.
لقد بدأ الأمريكيون العُزل يفقدون شعورهم الأساسي بالأمان والسكينة، وذلك حين يجدون أنفسهم وجهاً لوجه أمام عناصر فيدراليين مدججين بالسلاح.
وفي المقابل، يظل الفلسطينيون محرومين تماماً من أي ملاذ أو مكان آمن، وذلك على امتداد أكثر من 87 عاماً من التهجير القسري والاحتلال العسكري.
في فلسطين المحتلة، صنّف النظام الإسرائيلي السكان جميعاً كتهديد أمني وأعداء خطرين يجب القضاء عليهم. وفي المقابل، تواجه مجتمعات المهاجرين المستضعفة في المدن الأمريكية نظاماً إنفاذيا ينظر إليهم كعناصر يمكن الاستغناء عنها، ولا يوفر لهم سوى القليل جداً من الحماية الدستورية.
لقد كشفت واقعة حي «ماربل هيل» -حيث أُطلقت النار على مركبة مغلقة-وفق «منطق» عملياتي يُعطي الأولوية للقبض على «الشخص المستهدف» على حساب السلامة العامة.
إن العيش في ظل تهديد مستمر بعنف الدولة، أياً كان مستواه، يخلّف ندوباً نفسية عميقة وصدماتٍ تدوم مدى الحياة، ويولّد انعدام ثقةٍ جذرياً في السلطات والمؤسسات الرسمية.
لقد أجبر نشوء أطفال فلسطين وسط قصفٍ جويٍّ لا يتوقف، ورقابةٍ إسرائيليةٍ دائمة، وانعدامٍ منهجيٍّ للأمان، هؤلاء الأطفال على التأقلم مع العنف الجسدي كجزءٍ من واقعهم اليومي.
وبالنسبة إلى الفئات المهمشة والمهاجرين، تخلق حوادث إنفاذ القانون العنيفة مناخًا متفشيًا من اليقظة المفرطة. ونتيجة لذلك، تفتقد الأنشطة اليومية الروتينية إلى الأمان الضروري لها.
وقد أثار غياب المساءلة الملحوظ، في كلا السياقين، غضبًا شعبيًا عارمًا في الداخل والخارج. ولا يزال كثير من الناس يجهلون الفظائع التي ارتكبتها إسرائيل في غزة والضفة الغربية. علاوة على ذلك، فإن تحقيق المساءلة يعرقله بشدة بطء وتعقيد الآليات القانونية الدولية.
في الولايات المتحدة الأمريكية، يعمل وكلاء الهجرة الفيدراليون العاملون في البلديات المحلية في منطقة رمادية من حيث الاختصاص القضائي، محميين بالحصانة الفيدرالية ومعزولين عن رقابة الشرطة المحلية، حيث تحرم هذه العوائق الهيكلية في نهاية المطاف المجتمعات المتضررة من القدرة على السعي لتحقيق العدالة عبر القنوات القانونية التقليدية.
وعلى الرغم من أن الدماء التي تناثرت في الشوارع الأمريكية والغبار السام الذي يغطي أنقاض مدينة غزة تفصل بينهما محيطات، إلا أنهما ترتبطان بدورة من الوحشية التي تُعامل فيها حياة الإنسان باعتبارها «خسائر جانبية».
وخلف الخطاب السياسي والتباعد الجغرافي، تكمن المأساة الحقيقية: قلوبُ عائلاتٍ تحطمت في أجزاء من الثانية، تاركةً وراءها مستقبلاً مهدوراً، وأعماراً ضائعة ومجتمعاتٍ تغرق في الحداد.
وفي الوقت الذي تواجه فيه منطقة «ماربل هيل» كارثتها المباشرة، بينما تستمر فلسطين في معايشة كابوسها المتواصل، تأتي هذه الانتهاكات والفظائع لتكون تذكيراً مؤلماً بفشل البشرية الذريع في حماية أكثر أفرادها ضعفاً.
هذا ما يفرض علينا طرح السؤال: كم من الأحزان ينبغي أن نتحملها بعد، قبل أن تصبح قيمة حياة الإنسان -بكل ما تحمله من أهمية ملحة- فوق العنف الذي ينهيها؟
{ أكاديمي مختص في السياسات
المقارنة بجامعة إلينوي الأمريكية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك