العدد : ١٧٧٤٩ - الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٩ - الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

من فلسطين المحتلة إلى حي «ماربل هيل» بالولايات المتحدة

بقلم: د. رضا بنهام

الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

من‭ ‬مدينة‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬المحتلة‭ ‬إلى‭ ‬حي‭ ‬‮«‬ماربل‭ ‬هيل‮»‬‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬يبرز‭ ‬تشابهٌ‭ ‬مقلقٌ‭ ‬بين‭ ‬العنف‭ ‬العسكري‭ ‬اليومي‭ ‬الذي‭ ‬يتعرض‭ ‬له‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وأساليب‭ ‬الإنفاذ‭ ‬القاتلة‭ ‬التي‭ ‬تستخدمها‭ ‬سلطات‭ ‬الهجرة‭ ‬الفيدرالية‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬السكنية‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يمكن‭ ‬طرح‭ ‬حجةٍ‭ ‬وجيهةٍ‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬الممنهج‭ ‬داخل‭ ‬الأجهزة‭ ‬المحلية‭ -‬مثل‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬الهجرة‭ ‬والجمارك‮»‬‭ - ‬يرتبط‭ ‬ارتباطاً‭ ‬جوهرياً‭ ‬بالسياسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬مكنت،‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود،‭ ‬الممارسات‭ ‬الوحشية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭.‬

وعندما‭ ‬تتخلى‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة‭ ‬عن‭ ‬قيودها،‭ ‬تتلاشى‭ ‬فعلياً‭ ‬المسافة‭ ‬الجغرافية‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬منطقة‭ ‬حرب‭ ‬بعيدة‭ ‬وحيٍّ‭ ‬سكني‭ ‬محلي،‭ ‬مما‭ ‬يترك‭ ‬فئات‭ ‬سكانية‭ ‬ضعيفة‭ ‬وعزلاء‭ ‬عرضةً‭ ‬لعدوانٍ‭ ‬لا‭ ‬رادع‭ ‬له،‭ ‬وبلا‭ ‬مساءلة‭.‬

وتُعد‭ ‬حادثة‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬‮«‬ماربل‭ ‬هيل‮»‬‭ ‬بمانهاتن‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬نيويورك‭ ‬أحدث‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬عنفٍ‭ ‬جامحٍ‭ ‬تباركه‭ ‬الدولة‭. ‬ففي‭ ‬شارعٍ‭ ‬يعجّ‭ ‬بالعائلات،‭ ‬قام‭ ‬عنصرٌ‭ ‬من‭ ‬وكالة‭ ‬الهجرة‭ ‬والجمارك،‭ ‬يرتدي‭ ‬ملابس‭ ‬مدنية‭ ‬ويخفي‭ ‬وجهه،‭ ‬بإطلاق‭ ‬ذخيرة‭ ‬حية‭ ‬نحو‭ ‬مركبة،‭ ‬فأصاب‭ ‬أباً‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬ابنه‭ ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬يجلس‭ ‬في‭ ‬المقعد‭ ‬الخلفي،‭ ‬يملؤه‭ ‬الرعب‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬العدوان‭ ‬السافر،‭ ‬وما‭ ‬يصاحبه‭ ‬من‭ ‬شعورٍ‭ ‬بالإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬وانتهاكاتٍ‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬وكالة‭ ‬الهجرة‭ ‬والجمارك،‭ ‬قد‭ ‬حوَّل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬مناطق‭ ‬خاضعة‭ ‬لاحتلالٍ‭ ‬عسكري‭.‬

وقعت‭ ‬32‭ ‬حادثة‭ ‬إطلاق‭ ‬نار‭ ‬منفصلة‭ ‬تورط‭ ‬فيها‭ ‬عناصر‭ ‬من‭ ‬وكالات‭ ‬الهجرة‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬وسّعت‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬عملياتها‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2025،‭ ‬مستهدفةً‭ ‬ما‭ ‬تسميه‭ ‬‮«‬مدن‭ ‬الملاذ‭ ‬الآمن‮»‬‭)‬،‭ ‬مثل‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس‭ ‬ومينيابوليس‭ ‬وشيكاغو‭ ‬وبورتلاند‭ ‬ونيويورك،‭ ‬وقد‭ ‬أسفرت‭ ‬هذه‭ ‬المواجهات‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬تسعة‭ ‬أشخاص‭ ‬وإصابة‭ ‬15‭ ‬آخرين‭.‬

ووفقاً‭ ‬لوزارة‭ ‬الصحة‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬فقد‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬الذين‭ ‬قُتلوا‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬حتى‭ ‬أكتوبر‭ ‬2026‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬74‭,‬382‭ ‬شخصاً،‭ ‬بينما‭ ‬تجاوز‭ ‬عدد‭ ‬القتلى‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ - ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭ - ‬1‭,‬138‭ ‬شخصاً،‭ ‬وذلك‭ ‬منذ‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭. ‬

وتجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وزارة‭ ‬الصحة‭ ‬لا‭ ‬تحصي‭ ‬سوى‭ ‬الوفيات‭ ‬التي‭ ‬تُسجَّل‭ ‬داخل‭ ‬المستشفيات؛‭ ‬علماً‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬أي‭ ‬مستشفى‭ ‬يعمل‭ ‬بكامل‭ ‬طاقته،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬18‭ ‬منشأة‭ ‬فقط‭ ‬تقدم‭ ‬خدماتها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬قيود‭ ‬وظروف‭ ‬بالغة‭ ‬الصعوبة‭.‬

ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬حجم‭ ‬الموت‭ ‬والدمار‭ ‬الذي‭ ‬عانى‭ ‬منه‭ ‬سكان‭ ‬غزة‭ ‬وسكان‭ ‬مدينة‭ ‬نيويورك‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ينبغي‭ ‬الإقرار‭ ‬بالواقع‭ ‬المشترك‭ ‬بينهما،‭ ‬والمتمثل‭ ‬في‭ ‬الاستخدام‭ ‬المفرط‭ ‬وغير‭ ‬المقيد‭ ‬للقوة،‭ ‬وأيضا‭ ‬التجاهل‭ ‬التام‭ ‬للأطر‭ ‬القانونية،‭ ‬وانعدام‭ ‬الاكتراث‭ ‬بالقيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬الأساسية‭.‬

ورغم‭ ‬اختلاف‭ ‬النطاقات‭ ‬والأسس‭ ‬القانونية‭ ‬في‭ ‬كلتا‭ ‬الحالتين،‭ ‬إلا‭ ‬أنهما‭ ‬تعكسان‭ ‬معاً‭ ‬منظومةً‭ ‬مؤسسيةً‭ ‬تُجرّد‭ ‬المدنيين‭ ‬من‭ ‬إنسانيتهم،‭ ‬وتُلحق‭ ‬بالأطفال‭ ‬صدماتٍ‭ ‬نفسيةً‭ ‬عميقة،‭ ‬وتمارس‭ ‬عنفاً‭ ‬شديد‭ ‬الحدة‭ ‬دون‭ ‬أدنى‭ ‬خشية‭ ‬من‭ ‬المحاسبة‭.‬

إن‭ ‬وضع‭ ‬هذين‭ ‬الحدثين‭ ‬جنباً‭ ‬إلى‭ ‬جنب‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬الحرب‭ ‬الوحشية‭ ‬التي‭ ‬تشنها‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وممارسات‭ ‬أجهزة‭ ‬إنفاذ‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬بل‭ ‬يسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬حقيقةٍ‭ ‬قاتمة‭: ‬وهي‭ ‬أنه‭ ‬حين‭ ‬تغيب‭ ‬الرقابة‭ ‬والمحاسبة‭ ‬عن‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة،‭ ‬تتحول‭ ‬الأماكن‭ ‬العامة‭ ‬المعتادة‭ ‬إلى‭ ‬ساحاتٍ‭ ‬تخلّف‭ ‬صدماتٍ‭ ‬تغيِّر‭ ‬مجرى‭ ‬حياة‭ ‬البشر‭.‬

يعيش‭ ‬المدنيون‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬يطغى‭ ‬عليها‭ ‬وجود‭ ‬عسكري‭ ‬مكثف،‭ ‬حيث‭ ‬مُحيت‭ ‬الحدود‭ -‬عن‭ ‬عمد‭ ‬وبشكل‭ ‬كامل‭- ‬بين‭ ‬الأحياء‭ ‬السكنية‭ ‬ومناطق‭ ‬القتال‭.‬

وتُعد‭ ‬الحوادث‭ ‬المأساويةٍ،‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬‮«‬ماربل‭ ‬هيل‮»‬،‭ ‬مثالاً‭ ‬على‭ ‬تلاشٍ‭ ‬مماثل‭ ‬للحدود‭ ‬داخل‭ ‬البيئة‭ ‬المحلية‭. ‬ففي‭ ‬معظم‭ ‬الأحياء‭ ‬التي‭ ‬تقطنها‭ ‬أقليات‭ ‬ذات‭ ‬دخل‭ ‬منخفض،‭ ‬يتصرف‭ ‬عناصر‭ ‬‮«‬إدارة‭ ‬الهجرة‭ ‬والجمارك‮»‬‭ -‬الذين‭ ‬يفتقرون‭ ‬إلى‭ ‬التدريب‭ ‬الكافي‭- ‬وكأنهم‭ ‬قوة‭ ‬احتلال،‭ ‬إذ‭ ‬يجوبون‭ ‬الشوارع‭ ‬بعقلية‭ ‬المحارب،‭ ‬ويتعاملون‭ ‬مع‭ ‬السكان‭ ‬باعتبارهم‭ ‬أعداءً‭ ‬يجب‭ ‬إخضاعهم‭.‬

لقد‭ ‬بدأ‭ ‬الأمريكيون‭ ‬العُزل‭ ‬يفقدون‭ ‬شعورهم‭ ‬الأساسي‭ ‬بالأمان‭ ‬والسكينة،‭ ‬وذلك‭ ‬حين‭ ‬يجدون‭ ‬أنفسهم‭ ‬وجهاً‭ ‬لوجه‭ ‬أمام‭ ‬عناصر‭ ‬فيدراليين‭ ‬مدججين‭ ‬بالسلاح‭. ‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يظل‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬محرومين‭ ‬تماماً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬ملاذ‭ ‬أو‭ ‬مكان‭ ‬آمن،‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬87‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬التهجير‭ ‬القسري‭ ‬والاحتلال‭ ‬العسكري‭.‬

في‭ ‬فلسطين‭ ‬المحتلة،‭ ‬صنّف‭ ‬النظام‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬السكان‭ ‬جميعاً‭ ‬كتهديد‭ ‬أمني‭ ‬وأعداء‭ ‬خطرين‭ ‬يجب‭ ‬القضاء‭ ‬عليهم‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تواجه‭ ‬مجتمعات‭ ‬المهاجرين‭ ‬المستضعفة‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الأمريكية‭ ‬نظاماً‭ ‬إنفاذيا‭ ‬ينظر‭ ‬إليهم‭ ‬كعناصر‭ ‬يمكن‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنها،‭ ‬ولا‭ ‬يوفر‭ ‬لهم‭ ‬سوى‭ ‬القليل‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬الحماية‭ ‬الدستورية‭. ‬

لقد‭ ‬كشفت‭ ‬واقعة‭ ‬حي‭ ‬‮«‬ماربل‭ ‬هيل‮»‬‭ -‬حيث‭ ‬أُطلقت‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬مركبة‭ ‬مغلقة‭-‬وفق‭ ‬‮«‬منطق‮»‬‭ ‬عملياتي‭ ‬يُعطي‭ ‬الأولوية‭ ‬للقبض‭ ‬على‭ ‬‮«‬الشخص‭ ‬المستهدف‮»‬‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬السلامة‭ ‬العامة‭.‬

إن‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تهديد‭ ‬مستمر‭ ‬بعنف‭ ‬الدولة،‭ ‬أياً‭ ‬كان‭ ‬مستواه،‭ ‬يخلّف‭ ‬ندوباً‭ ‬نفسية‭ ‬عميقة‭ ‬وصدماتٍ‭ ‬تدوم‭ ‬مدى‭ ‬الحياة،‭ ‬ويولّد‭ ‬انعدام‭ ‬ثقةٍ‭ ‬جذرياً‭ ‬في‭ ‬السلطات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الرسمية‭.‬

لقد‭ ‬أجبر‭ ‬نشوء‭ ‬أطفال‭ ‬فلسطين‭ ‬وسط‭ ‬قصفٍ‭ ‬جويٍّ‭ ‬لا‭ ‬يتوقف،‭ ‬ورقابةٍ‭ ‬إسرائيليةٍ‭ ‬دائمة،‭ ‬وانعدامٍ‭ ‬منهجيٍّ‭ ‬للأمان،‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬على‭ ‬التأقلم‭ ‬مع‭ ‬العنف‭ ‬الجسدي‭ ‬كجزءٍ‭ ‬من‭ ‬واقعهم‭ ‬اليومي‭.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الفئات‭ ‬المهمشة‭ ‬والمهاجرين،‭ ‬تخلق‭ ‬حوادث‭ ‬إنفاذ‭ ‬القانون‭ ‬العنيفة‭ ‬مناخًا‭ ‬متفشيًا‭ ‬من‭ ‬اليقظة‭ ‬المفرطة‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬تفتقد‭ ‬الأنشطة‭ ‬اليومية‭ ‬الروتينية‭ ‬إلى‭ ‬الأمان‭ ‬الضروري‭ ‬لها‭.‬

وقد‭ ‬أثار‭ ‬غياب‭ ‬المساءلة‭ ‬الملحوظ،‭ ‬في‭ ‬كلا‭ ‬السياقين،‭ ‬غضبًا‭ ‬شعبيًا‭ ‬عارمًا‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭. ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬يجهلون‭ ‬الفظائع‭ ‬التي‭ ‬ارتكبتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭. ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تحقيق‭ ‬المساءلة‭ ‬يعرقله‭ ‬بشدة‭ ‬بطء‭ ‬وتعقيد‭ ‬الآليات‭ ‬القانونية‭ ‬الدولية‭.‬

في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬يعمل‭ ‬وكلاء‭ ‬الهجرة‭ ‬الفيدراليون‭ ‬العاملون‭ ‬في‭ ‬البلديات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬رمادية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الاختصاص‭ ‬القضائي،‭ ‬محميين‭ ‬بالحصانة‭ ‬الفيدرالية‭ ‬ومعزولين‭ ‬عن‭ ‬رقابة‭ ‬الشرطة‭ ‬المحلية،‭ ‬حيث‭ ‬تحرم‭ ‬هذه‭ ‬العوائق‭ ‬الهيكلية‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬المجتمعات‭ ‬المتضررة‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬السعي‭ ‬لتحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬القانونية‭ ‬التقليدية‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الدماء‭ ‬التي‭ ‬تناثرت‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬الأمريكية‭ ‬والغبار‭ ‬السام‭ ‬الذي‭ ‬يغطي‭ ‬أنقاض‭ ‬مدينة‭ ‬غزة‭ ‬تفصل‭ ‬بينهما‭ ‬محيطات،‭ ‬إلا‭ ‬أنهما‭ ‬ترتبطان‭ ‬بدورة‭ ‬من‭ ‬الوحشية‭ ‬التي‭ ‬تُعامل‭ ‬فيها‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬باعتبارها‭ ‬‮«‬خسائر‭ ‬جانبية‮»‬‭.‬

وخلف‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬والتباعد‭ ‬الجغرافي،‭ ‬تكمن‭ ‬المأساة‭ ‬الحقيقية‭: ‬قلوبُ‭ ‬عائلاتٍ‭ ‬تحطمت‭ ‬في‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬الثانية،‭ ‬تاركةً‭ ‬وراءها‭ ‬مستقبلاً‭ ‬مهدوراً،‭ ‬وأعماراً‭ ‬ضائعة‭ ‬ومجتمعاتٍ‭ ‬تغرق‭ ‬في‭ ‬الحداد‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تواجه‭ ‬فيه‭ ‬منطقة‭ ‬‮«‬ماربل‭ ‬هيل‮»‬‭ ‬كارثتها‭ ‬المباشرة،‭ ‬بينما‭ ‬تستمر‭ ‬فلسطين‭ ‬في‭ ‬معايشة‭ ‬كابوسها‭ ‬المتواصل،‭ ‬تأتي‭ ‬هذه‭ ‬الانتهاكات‭ ‬والفظائع‭ ‬لتكون‭ ‬تذكيراً‭ ‬مؤلماً‭ ‬بفشل‭ ‬البشرية‭ ‬الذريع‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬أكثر‭ ‬أفرادها‭ ‬ضعفاً‭. ‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬علينا‭ ‬طرح‭ ‬السؤال‭: ‬كم‭ ‬من‭ ‬الأحزان‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نتحملها‭ ‬بعد،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬قيمة‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ -‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬ملحة‭- ‬فوق‭ ‬العنف‭ ‬الذي‭ ‬ينهيها؟

 

{‭ ‬أكاديمي‭ ‬مختص‭ ‬في‭ ‬السياسات

‭ ‬المقارنة‭ ‬بجامعة‭ ‬إلينوي‭ ‬الأمريكية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا