العدد : ١٧٧٤٩ - الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٩ - الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

ما وراء الهجوم الإرهابي في الأردن الشقيق

بقلم: د. نبيل العسومي

الثلاثاء ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬اعتقد‭ ‬العالم‭ ‬بأن‭ ‬الظاهرة‭ ‬الإرهابية‭ ‬قد‭ ‬انحسرت‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬هزيمة‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬توقفت‭ ‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬رسمي‭ ‬الحملات‭ ‬الدولية‭ ‬الضخمة‭ ‬تحارب‭ ‬الإرهاب‭ ‬بكل‭ ‬أشكاله‭ ‬وأنواعه،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬تتعرض‭ ‬المملكة‭ ‬الأردنية‭ ‬الهاشمية‭ ‬الشقيقة‭ ‬إلى‭ ‬هجوم‭ ‬إرهابي‭ ‬غريب‭ ‬وغير‭ ‬معتاد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬العربي‭ ‬الشقيق‭ ‬المتعايش‭ ‬المتسامح‭ ‬حيث‭ ‬رأينا‭ ‬مشاهد‭ ‬غريبة‭ ‬ظننا‭ ‬أنها‭ ‬اختفت‭ ‬بلا‭ ‬عودة‭ ‬بعد‭ ‬قيام‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المتطرفين‭ ‬بمهاجمة‭ ‬جنازة‭ ‬في‭ ‬كنسية‭ ‬أرثوذكسية‭ ‬في‭ ‬محافظة‭ ‬الكرك‭ ‬بالأردن‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬الهجوم‭ ‬الإرهابي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬جريمة‭ ‬جنائية‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬رسالة‭ ‬خطيرة‭ ‬تستهدف‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يفتخر‭ ‬به‭ ‬الأردن‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحكم‭ ‬الهاشمي‭ ‬وهو‭ ‬الأمن‭ ‬والتعايش‭ ‬والتسامح‭ ‬فاختيار‭ ‬كنسية‭ ‬أرثوذكسية‭ ‬وجنازة‭ ‬تحديدا‭ ‬يكشف‭ ‬نية‭ ‬الإرهابيين‭ ‬المجرمين‭ ‬إيقاع‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬بسبب‭ ‬وجود‭ ‬مشيعين‭ ‬كما‭ ‬يكشف‭ ‬وجود‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬نفسيا‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬قطاعات‭ ‬المجتمع‭ ‬الأردني‭ ‬وهم‭ ‬المسيحيون‭ ‬وضرب‭ ‬المشيعين‭ ‬ضربة‭ ‬قوية‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬حزن‭ ‬محاولين‭ ‬بذلك‭ ‬زرع‭ ‬الشك‭ ‬بين‭ ‬مكونات‭ ‬المجتمع‭ ‬الأردني‭ ‬المتماسك‭ ‬والمتضامن‭ ‬والمتعايش‭ ‬عبر‭ ‬السنين‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الهدف‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬إيقاع‭ ‬ضحايا‭.‬

وأما‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الأمني‭ ‬فإن‭ ‬حادثة‭ ‬الكرك‭ ‬تذكرنا‭ ‬بهجمات‭ ‬مماثلة‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2016‭ ‬عندما‭ ‬تبنى‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬الإرهابي‭ ‬آنذاك‭ ‬هجوما‭ ‬مماثلا‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬قتل‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الأشخاص‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬رجال‭ ‬أمن،‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬ذلك‭ ‬العمل‭ ‬الإرهابي‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2016‭ ‬وهذه‭ ‬الجريمة‭ ‬الإرهابية‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬أن‭ ‬الضحايا‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬جميعهم‭ ‬من‭ ‬المدنيين‭ ‬الأردنيين‭ ‬المسيحيين‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬حزن‭ ‬وفي‭ ‬دار‭ ‬عبادة‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تكرار‭ ‬هذا‭ ‬الاستهداف‭ ‬يطرح‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬جدية‭ ‬القول‭ ‬بانتهاء‭ ‬الإرهاب‭ ‬وهزيمة‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬الإرهابي‭.‬

على‭ ‬الصعيد‭ ‬الأمني‭ ‬لا‭ ‬يخفى‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬المملكة‭ ‬الأردنية‭ ‬الهاشمية‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬جغرافي‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬والكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬ولبنان‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬والعراق‭ ‬وهو‭ ‬وسط‭ ‬مضطرب‭ ‬وإن‭ ‬الحدود‭ ‬تشهد‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الزمان‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬التهريب‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬المخدرات‭ ‬وطالما‭ ‬اشتكى‭ ‬الأردن‭ ‬الشقيق‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يخفى‭ ‬ارتدادات‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬على‭ ‬الأردن‭ ‬ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬تمنح‭ ‬الجماعات‭ ‬المتطرفة‭ ‬فرصة‭ ‬لتنفيذ‭ ‬العمليات‭ ‬الإرهابية‭ ‬وجعل‭ ‬الأردن‭ ‬هدفا‭ ‬لمن‭ ‬يريد‭ ‬ضرب‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬المستقر‭.‬

وعلى‭ ‬صعيد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬في‭ ‬الأردن‭ ‬فإن‭ ‬محافظة‭ ‬الكرك‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬معروف‭ ‬وجهة‭ ‬سياحية‭ ‬ودينية‭ ‬وأي‭ ‬هجوم‭ ‬عليها‭ ‬يهدد‭ ‬قطاعا‭ ‬حيويا‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الأردني‭ ‬خاصة‭ ‬السياحة‭ ‬ونتذكر‭ ‬أن‭ ‬هجوم‭ ‬عام‭ ‬2016‭ ‬على‭ ‬ذات‭ ‬المنطقة‭ ‬قد‭ ‬أثر‭ ‬سلبا‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬السياحي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬وأدى‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬عدد‭ ‬السياح‭.‬

ومع‭ ‬ذلك‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬شراسة‭ ‬هذا‭ ‬العدوان‭ ‬الإرهابي‭ ‬وبشاعته‭ ‬فإن‭ ‬الرد‭ ‬الأردن‭ ‬الرسمي‭ ‬وعلى‭ ‬أعلى‭ ‬قمة‭ ‬وتضامنه‭ ‬الشعبي‭ ‬الكبير‭ ‬والإدانات‭ ‬العربية‭ ‬والدولية‭ ‬قد‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬إفشال‭ ‬الهدف‭ ‬الأساسي‭ ‬لهؤلاء‭ ‬الإرهابيين‭ ‬وهو‭ ‬إحداث‭ ‬شرخ‭ ‬داخل‭ ‬الجسم‭ ‬الأردني‭ ‬الموحد‭ ‬والمتضامن‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬الرسمي‭ ‬بمحاصرة‭ ‬تداعيات‭ ‬العمل‭ ‬الإرهابي‭ ‬كانت‭ ‬إيجابية‭ ‬وقوية‭ ‬وسريعة‭.‬

وبالرغم‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬نفذت‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬الإجرامية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬غير‭ ‬معروفة‭ ‬فإن‭ ‬الأمن‭ ‬الأردني‭ ‬المعروف‭ ‬بقوته‭ ‬وفاعليته‭ ‬سوف‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬وضع‭ ‬يديه‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العصابات‭ ‬المجرمة‭ ‬وأن‭ ‬التحقيقات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهذا‭ ‬الموضوع‭ ‬سوف‭ ‬تبين‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الجماعة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بتنظيم‭ ‬داعش‭ ‬الإرهابي‭ ‬أو‭ ‬بتنظيمات‭ ‬أو‭ ‬جماعات‭ ‬أخرى‭ ‬داخل‭ ‬الأردن‭ ‬أو‭ ‬خارجها‭.‬

وهذا‭ ‬أمر‭ ‬سوف‭ ‬نرى‭ ‬نتائجه‭ ‬قريبا‭ ‬بإذن‭ ‬الله‭ ‬فثقتنا‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬الأردني‭ ‬كبيرة‭ ‬وفي‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تعقب‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬الضالة‭ ‬الخارجة‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬وتقديمها‭ ‬للعدالة‭ ‬لتنال‭ ‬الجزاء‭ ‬العادل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ارتكبته‭ ‬من‭ ‬جرائم‭ ‬ضد‭ ‬المواطنين‭ ‬المسالمين‭ ‬وهم‭ ‬يوارون‭ ‬الثرى‭ ‬شخصا‭ ‬عزيزا‭ ‬عليهم‭ .. ‬ويبقى‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح‭ ‬هو‭: ‬هل‭ ‬إن‭ ‬الإرهاب‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬انتهى‭ ‬بالفعل‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬موجة‭ ‬جديدة‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬طلائعها‭ ‬بهذا‭ ‬العدوان‭ ‬الآثم‭ ‬على‭ ‬الآمنين‭ ‬في‭ ‬الأردن‭ ‬الشقيق؟‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا