في الوقت الذي اعتقد العالم بأن الظاهرة الإرهابية قد انحسرت خاصة بعد هزيمة تنظيم داعش في العراق وسوريا وفي الوقت الذي توقفت ولو بشكل غير رسمي الحملات الدولية الضخمة تحارب الإرهاب بكل أشكاله وأنواعه، في هذا الوقت تتعرض المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة إلى هجوم إرهابي غريب وغير معتاد في هذا البلد العربي الشقيق المتعايش المتسامح حيث رأينا مشاهد غريبة ظننا أنها اختفت بلا عودة بعد قيام عدد من المتطرفين بمهاجمة جنازة في كنسية أرثوذكسية في محافظة الكرك بالأردن.
إن هذا الهجوم الإرهابي ليس مجرد جريمة جنائية بل هو رسالة خطيرة تستهدف أكثر ما يفتخر به الأردن في ظل الحكم الهاشمي وهو الأمن والتعايش والتسامح فاختيار كنسية أرثوذكسية وجنازة تحديدا يكشف نية الإرهابيين المجرمين إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا بسبب وجود مشيعين كما يكشف وجود رغبة في التأثير نفسيا في قطاع مهم من قطاعات المجتمع الأردني وهم المسيحيون وضرب المشيعين ضربة قوية في لحظة حزن محاولين بذلك زرع الشك بين مكونات المجتمع الأردني المتماسك والمتضامن والمتعايش عبر السنين ولم يكن الهدف في حد ذاته إيقاع ضحايا.
وأما على الصعيد الأمني فإن حادثة الكرك تذكرنا بهجمات مماثلة وقعت في عام 2016 عندما تبنى تنظيم داعش الإرهابي آنذاك هجوما مماثلا أدى إلى قتل عديد من الأشخاص بما في ذلك رجال أمن، الفارق بين ذلك العمل الإرهابي الذي حدث في عام 2016 وهذه الجريمة الإرهابية الجديدة في عام 2026 أن الضحايا هذه المرة جميعهم من المدنيين الأردنيين المسيحيين في لحظة حزن وفي دار عبادة كما أن تكرار هذا الاستهداف يطرح العديد من التساؤلات حول مدى جدية القول بانتهاء الإرهاب وهزيمة تنظيم داعش الإرهابي.
على الصعيد الأمني لا يخفى على أحد أن المملكة الأردنية الهاشمية تقع في وسط جغرافي يحيط بها كل من سوريا والكيان الصهيوني ولبنان والضفة الغربية والعراق وهو وسط مضطرب وإن الحدود تشهد منذ عقود من الزمان العديد من عمليات التهريب بما فيها المخدرات وطالما اشتكى الأردن الشقيق من ذلك كما لا يخفى ارتدادات الحرب في غزة على الأردن ومن الواضح أن هذه البيئة تمنح الجماعات المتطرفة فرصة لتنفيذ العمليات الإرهابية وجعل الأردن هدفا لمن يريد ضرب هذا النموذج المستقر.
وعلى صعيد الاقتصاد الوطني في الأردن فإن محافظة الكرك كما هو معروف وجهة سياحية ودينية وأي هجوم عليها يهدد قطاعا حيويا للاقتصاد الأردني خاصة السياحة ونتذكر أن هجوم عام 2016 على ذات المنطقة قد أثر سلبا في القطاع السياحي في هذه المنطقة وأدى إلى انخفاض عدد السياح.
ومع ذلك وبالرغم من شراسة هذا العدوان الإرهابي وبشاعته فإن الرد الأردن الرسمي وعلى أعلى قمة وتضامنه الشعبي الكبير والإدانات العربية والدولية قد أسهمت في إفشال الهدف الأساسي لهؤلاء الإرهابيين وهو إحداث شرخ داخل الجسم الأردني الموحد والمتضامن كما أن ردود الفعل الرسمي بمحاصرة تداعيات العمل الإرهابي كانت إيجابية وقوية وسريعة.
وبالرغم أيضا من أن الجماعات الإرهابية التي نفذت هذه العملية الإجرامية لا تزال غير معروفة فإن الأمن الأردني المعروف بقوته وفاعليته سوف يتمكن من وضع يديه على هذه العصابات المجرمة وأن التحقيقات المرتبطة بهذا الموضوع سوف تبين ما إذا كانت هذه الجماعة مرتبطة بتنظيم داعش الإرهابي أو بتنظيمات أو جماعات أخرى داخل الأردن أو خارجها.
وهذا أمر سوف نرى نتائجه قريبا بإذن الله فثقتنا في الأمن الأردني كبيرة وفي قدرته على تعقب هذه الفئة الضالة الخارجة عن القانون وتقديمها للعدالة لتنال الجزاء العادل على ما ارتكبته من جرائم ضد المواطنين المسالمين وهم يوارون الثرى شخصا عزيزا عليهم .. ويبقى في النهاية السؤال المطروح هو: هل إن الإرهاب في المنطقة انتهى بالفعل أم أن موجة جديدة قد بدأت طلائعها بهذا العدوان الآثم على الآمنين في الأردن الشقيق؟.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك