تتجه إسرائيل إلى انتخابات 27 أكتوبر 2026 وسط أزمة سياسية واجتماعية وأمنية عميقة، تتجاوز المنافسة بين بنيامين نتنياهو ومعارضيه إلى صراع حول مستقبل الحكم وتوازنات القوى داخل المجتمع الإسرائيلي. وتزداد أهمية الانتخابات مع تصاعد التوترات في الضفة الغربية، وتداعيات الحروب، والدعم الأمريكي لنتنياهو، والضغوط الأوروبية.
ويطرح تزامن هذه التطورات سؤالًا بالغ الحساسية: هل نشهد أحداثًا منفصلة فرضتها ظروف مختلفة، أم أن التصعيد الإقليمي قد يتحول إلى عامل يعيد تشكيل المشهد الانتخابي، وربما يؤثر في موعد الانتخابات نفسها؟
مأزق الأغلبية وصعود آيزنكوت: تشير استطلاعات أكتوبر إلى تقارب المعسكرين المتنافسين في الانتخابات؛ إذ منح متوسط سبعة استطلاعات معسكر نتنياهو 54 مقعدًا، مقابل 52 للمعارضة الصهيونية و14 للأحزاب العربية، دون حصول أي معسكر على أغلبية 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل الحكومة.
ويبرز غادي آيزنكوت رئيس الأركان السابق وزعيم حزب «ياشار» ومهندس سياسة الأرض المحروقة، الذي يلوم نتنياهو على عدم استخدامه هذه السياسة بشكل كاف في غزة، يبرز منافسًا قويا لنتنياهو، مستفيدًا من الانتقادات الموجهة لإدارة الحروب والإخفاقات الأمنية. لكن صعوده لا يضمن تشكيل حكومة، خصوصًا مع التباينات بين مكونات المعارضة.
وتضيف أصول آيزنكوت المغربية بُعدًا اجتماعيًا للمنافسة في مجتمع عرف تاريخيًا بتمايزات بين الأشكناز والسفارديم والمزراحيم، وإن كانت الاعتبارات الأمنية والحزبية والدينية تتداخل مع الانتماءات الإثنية.
الأحزاب الدينية: قوة تتجاوز المقاعد
يظل الليكود مركز الثقل في معسكر نتنياهو، لكنه يعتمد على شاس ويهدوت هتوراه والقوة اليهودية والصهيونية الدينية. وتتمتع هذه الأحزاب بقدرة تفاوضية كبيرة بشأن التجنيد والميزانيات الدينية والاستيطان والسياسات الأمنية.
ويمثل بن غفير وسموتريتش أبرز التيارات الداعية إلى الاستيلاء على أراضي وبيوت الفلسطينيين والتوسع الاستيطاني، مع تبني مقترحات تشجع خروج الفلسطينيين من أراضيهم أما الأحزاب العربية، فرغم أهميتها في الحسابات البرلمانية، فتواجه قيودًا سياسية على المشاركة في تشكيل الحكومات ونفورا شديدا منها.
موقف ترامب.. قبلة حياة لنتنياهو: جاء تأييد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة انتخاب نتنياهو في 18 أكتوبر ليمنحه دعمًا سياسيًا مهمًا في مرحلة انتخابية حرجة.
ويحمل هذا التأييد ثلاثة أبعاد: تعزيز صورة نتنياهو السياسية، وإبراز علاقته الأمنية بواشنطن، ومحاولة التأثير في المزاج الانتخابي. كما أن دعم إدارة ترامب يزيد حدة الاستقطاب الداخلي حيث يمكن نتنياهو من استقطاب ناخبين من المنافسين الآخرين وضمهم إلى المصوتين له.
رغم أن أوروبا تمارس ضغطا باتجاه آخر بشأن غزة والاستيطان والسلطة الفلسطينية في محاولة منها لتغيير اتجاهات الناخب الصهيوني وهو ما تعد به السلطة الفلسطينية أو تعشمها للاستمرار ولكن ثقل وتأثير ذلك ضعيف على الناخب الصهيوني الذي يتجه أكثر وأكثر إلى العنصرية والفاشية ولا يؤثر فيه كثيرا بل إنهم تعودوا سابقا من تجارب أخرى القدرة على التأثير في سياسات الدول من خلال قوى ضاغطة داخل هذه الدول لتعيد مرة أخرى استقطابها لما يخدم مصلحة من يحكم الكيان الصهيوني.
اختلاف على القيادة وتقارب بشأن فلسطين
تكمن المفارقة الأساسية في أن المنافسة بين نتنياهو وآيزنكوت وبينيت لا تعني بالضرورة اختلافًا جذريًا بشأن الحقوق الفلسطينية. فبينما يتبنى بن غفير وسموتريتش سياسات توسعية صريحة، يرفض آيزنكوت المعروف بسياسة الأرض المحروقة إقامة دولة فلسطينية في الظروف الحالية، رغم معارضته الاستيلاء على أراضي وبيوت الفلسطينيين الكامل للضفة وانتقاده عنف المستوطنين والذي يوصفه من حوله بأنه مراوغة منه لتجاوز الضغوط الدولية خاصة الأوروبية والأمريكية في بعض منها والتحايل عليها والالتفاف حولها. ولكنهم جميعا يرفضون السيادة الفلسطينية.
السيناريو المرجح: التصعيد الشامل بدلا من الحسم الانتخابي
إلى جانب الخمسة سيناريوهات متداولة لدى المراقبين وهي تشمل:
1. تحقيق نتنياهو الأغلبية المطلوبة واستمراره في الحكم وقد يشكل دعم ترامب قبلة الحياة التي يريدها
2. صعود آيزنكوت الذي يرى بعض الناخبين في خلفيته (مهندس الأرض المحروقة) وطرحة المراوغ للسلطة الفلسطينية وهمجية المستوطنين مرشح مناسب لإخراج الكيان من أزمته العالمية واستمرار قبضته المجرمة،
3. حكومة وحدة وطنية بحيث يتنازل نتنياهو وآيزنكوت لبعضهما فيتناوبا على حكم وهو أمر صعب
4. حكومة أقلية وهو مستبعد نتيجة حاجة هذه الحكومة إلى الأحزاب العربية التي ينفرون الناخب الصهيوني منها بشدة نتيجة معتقدهم الصهيوني وننتقل إلى المجتمع الصهيوني واتجاه أكثر إلى الفاشية ورفض الفلسطينيين والرابط التخلص منهم.
5. استمرار الانسداد السياسي فلا حكومة ولا قرار وهو يعني لبننة (من لبنان) الحالة السياسية في الكيان الصهيوني،
6. يبرز سيناريو سادس وقد يكون المرجح أكثر من غيره فبعد تصريح ترامب المذكور سابقا والذي يعتبر أكثر من قبلة حياة لنتنياهو حيث يمنحه شرعية من نوع ما في داخل الكيان الصهيوني (المرتكز في وجوده على التفوق الأمني والعسكري) وعلى المستوى الإقليمي والدولي أيضا سيتجه الأمر إلى اتساع التصعيد في الضفة وغزة، وامتداد التوتر إلى البيئة الإقليمية، بما يغير أولويات المشهد الإسرائيلي ليؤثر في العملية الانتخابية أو يدفع نتنياهو إلى تعليق الانتخابات لأسباب أمنية والاستيلاء على السلطة فترة أطول وبدء عملية واسعة لتهجير الفلسطينيين من الضفة بحكم اعتبارات أمنية ووجودية للكيان.
ويفترض هذا السيناريو احتمال تداخل ثلاثة مسارات:
1. تسارع إجراءات الاستيلاء على أراضي وبيوت الفلسطينيين والتهجير.
2. تصاعد المواجهات الأمنية.
3. توظيف حالة الطوارئ سياسيًّا.
من المؤشرات القوية المتسارعة حتى الآن ما حدث في الـ23 و24 أكتوبر
• فرض إغلاق فوري على مدينة الخليل والاستعداد لإغلاق شامل على الضفة.
• دعوة نتنياهو حزبه إلى إلغاء الأنشطة الانتخابية على خلفية هجوم الخليل.
• في مقابلة مع قناة «آي 24 نيوز»، أعلن نتنياهو عن نيته تفكيك السلطة، وفضل أسلوب «المباغتة والمفاجأة».
• قوات الاحتلال الإسرائيلي أخلت أحياء الجلدة ودير بحة في مدينة الخليل، وأرغمت نحو 2200 فلسطيني على مغادرة منازلهم وجرّفت نحو 7 دونمات
•استنفار أمني بعد إلقاء زجاجة على موكب نتنياهو في أحد أحياء القدس
وقد يؤدي تصعيد واسع إلى إعادة ترتيب الأولويات الانتخابية أو زيادة الضغوط لتأجيل الاقتراع.
الانقسامات الداخلية وخطر الانفجار، يفاقمان الأزمة الإسرائيلية بفعل الخلاف حول القضاء، وتجنيد الحريديم، والأعباء الاقتصادية والعسكرية، والتوتر بين العلمانيين والمتدينين، وتراجع الثقة بالقيادة.
وقد نقل موقع Drop Site News مضمون تقييم استخباري أمريكي مزعوم يحذر من احتمالات اضطرابات داخلية واسعة، لكن الوثيقة الأصلية لم تُنشر، ولم تثبت صحتها بصورة مستقلة.
وتشير هذه الانقسامات إلى هشاشة التوافق السياسي، دون أن تعني فورا الانهيار أو الحرب الأهلية ولكنها بداية الطريق إلى ذلك ومسرع حاسم للهجمة العكسية وزيادة عزلة الكيان.
تقف إسرائيل أمام انتخابات تتداخل فيها أزمة القيادة مع الصراعات الاجتماعية والدينية، وتداعيات الحروب، والتنافس الدولي، وتوجه حاسم للتخلص من الوجود الفلسطيني أو تحجيمه قسرا، قد يمنح دعم ترامب نتنياهو فرصة لتعزيز موقعه، ويؤثر في حسم الصراع الداخلي. أما صعود آيزنكوت لا يضمن تحولًا جوهريًا في الموقف من الحقوق الفلسطينية.
ويبقى السؤال الأعمق: هل تنتج الانتخابات تغييرًا سياسيًا حقيقيًا، أم أن اتساع الصراع ومحاولات فرض الأمر الواقع سيجعلان مستقبل الفلسطينيين والمنطقة رهينة أزمة إسرائيلية تتجاوز صناديق الاقتراع؟
ومن هنا، فإن السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه الانتخابات لا يتعلق فقط بمن سيحكم الكيان، بل بما إذا كانت التحولات السياسية ستقود إلى مراجعة جوهرية للسياسات تجاه النقيض للمشروع الصهيوني «الفلسطينيين/ العرب» بعد سقوط السردية الإسرائيلية وما تأثير ذلك في تداعي الطرح اليهودي لهوية الدولة وانكماش الفكرة الصهيونية بين أتباعه، أم سيظل الكيان في صراع لن تتحول فيه قبلة ترامب (صهاينة أمريكا) إلى قبلة حياة بل إلى منشط هايبر يدفع الكيان ليصطدم بالزمن والقيم والبشرية وتزداد عزلته وحصاره وتلاشيه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك