لا يوجد أفضل من ولاية كانساس لتحليل تأثر مقدرات الجمهوريين بالتبعات الاقتصادية لحرب إيران، وخصوصا في انتخابات مجلس الشيوخ. فبعد أكثر من عقدين جسدت فيهما كانساس الأزمة الجوهرية للحزب الديمقراطي، إذا بها اليوم تجسد ورطة الجمهوريين! فالديمقراطيون خسروا كانساس في منتصف التسعينيات بعدما اتبعوا سياسات اقتصادية يمينية لجذب الأموال الكبرى رغم علمهم يقينا أنها ستكون على حساب العمال الذين ظلوا أهم قطاعات القاعدة الانتخابية للحزب على مدار نصف قرن.
وقد أدى خيار الحزب إلى انفجار غضب يميني شعبوي كانت كانساس فيه الإنذار المبكر بظاهرة ترامب التي لم تبرز على السطح إلا بعدها بأكثر من عقد تقريبا. فترامب استطاع أن يوظف ذلك الغضب فبات هؤلاء قاعدته الانتخابية، حتى جاءت اللحظة التي لم يأبه فيها بالأوضاع الاقتصادية الصعبة التي خلقتها الحرب.
فنقص الديزل، مثلا، أثر مباشرة على مقدرات عمال النقل الثقيل، والارتفاع المتزايد للأسعار أثر على الحياة اليومية للملايين، ما خلق غضبا واسعا بات موجها هذه المرة للجمهوريين، حتى بات الديمقراطيون لأول مرة منذ التسعينيات قادرين على المنافسة في الولاية!
الجمهوريون يسيطرون اليوم على الأغلبية بمجلس الشيوخ بواقع 47:53، لذلك فإن فوز الديمقراطيين بأغلبية المقاعد معناه الاحتفاظ بمقاعدهم كلها مع الفوز بأربعة مقاعد إضافية.
وانتخابات مجلس الشيوخ عادة ما تحسمها مقاعد قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة. فكل عامين تجرى انتخابات المجلس على ثلث المقاعد المائة فقط. وتلك المقاعد بعضها محسوم سلفا لأحد الحزبين؛ وهو ما يعنى أن حفنة صغيرة للغاية من تلك المقاعد هي التي تشهد منافسة فعلية، إما لأن شاغل المقعد قرر التقاعد، فصارت منافسة الحزبين «مفتوحة»، وإما لأن شاغل المقعد تدهورت شعبيته فأصبحت هزيمته ممكنة.
لكن أغلب تلك المقاعد التنافسية اختارت ترامب 2024 بأغلبيات مريحة، وهو ما مثل في البداية عقبة أمام الديمقراطيين، إلى أن تبدلت أوضاع البلاد. فمن بين المقاعد «المفتوحة»، ظلت ولاية ميتشجان واعدة بالنسبة إلى الديمقراطيين لأن ترامب فاز فيها بأغلبية ضئيلة للغاية لم تتعد 1%. وعبدالرحمن السيد هو المرشح الديمقراطي بالولاية وإن ظل حتى وقت قريب ليس المفضل لقيادات الحزب.. فبسبب دعمه لغزة وقفت تلك القيادات بقوة مع منافسته في الانتخابات التمهيدية، لكن تلك القيادات مجبرة اليوم على دعمه لضمان الفوز بالمقعد.
أما المقاعد التي تدهورت شعبية شاغليها فلعل أهمها مقعد ولاية ماين، الذى تشغله السيناتور الجمهورية سوزان كولينز؛ ففي الظروف الاقتصادية الحالية لم ينس الناخبون موقفها المتذبذب تجاه أهم القوانين الاقتصادية إلى نجح ترامب في انتزاع موافقة الكونجرس عليه رغم تأثيره على الفئات الاقتصادية الأضعف.
المفارقة أن حزب ترامب ينفق أموالا طائلة لإعادة انتخاب كولينز في الوقت الذي تقوم فيها استراتيجية حملتها على التهرب من سجلها الداعم لترامب، حتى إنها رفضت طوال الحملة ظهوره معها في جولاتها الانتخابية! فالجمهوريون يواجهون موقفا صعبا في ولايات ظلت عقودا تحسم لصالحهم كولاية ألاسكا، بينما يبدو أنهم أدركوا استحالة الفوز في نورث كارولاينا فسحبوا تمويلهم منها ووجهوه للاحتفاظ بمقعد ولاية كانساس التي فاز فيها ترامب فوزا كاسحا.
باختصار، صارت هناك عشر ولايات تشهد منافسة في مجلس الشيوخ، بينما الديمقراطيون يحتاجون منها إلى أربع فقط لتحقيق الأغلبية، بشرط الاحتفاظ بكل المقاعد التي يشغلونها اليوم.
لكن لأن تدني شعبية الحزبين متساوية عند 38% لكل منهما، فما يحسم نتيجة الانتخابات هو أي الحزبين الأقدر على حشد جمهوره للتصويت يوم الاقتراع، ومدى قدرة حزب ترامب على التلاعب بالتصويت!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك