العدد : ١٧٧٤٧ - الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٧ - الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أمريكا واستراتيجية الضغوط الاقتصادية على النظام الإيراني

بقلم: د. عمرو حمزاوي

السبت ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬منذ‭ ‬اللحظة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬قررت‭ ‬فيها‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬أمام‭ ‬خيار‭ ‬آخر‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬وأكثر‭ ‬اتساقًا‭ ‬مع‭ ‬مصالحها‭ ‬ومصالح‭ ‬حلفائها‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬لواشنطن‭ ‬أن‭ ‬تمتنع‭ ‬عن‭ ‬التورط‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬مفتوحة،‭ ‬وأن‭ ‬تعمد‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تشديد‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬جهد‭ ‬دبلوماسي‭ ‬واسع‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬سلوكها‭ ‬الخارجي‭ ‬ودفعها‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬سياساتها‭ ‬الإقليمية‭ ‬والنووية‭ ‬والصاروخية‭. ‬وليس‭ ‬المقصود‭ ‬هنا‭ ‬افتراض‭ ‬أن‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬كانت‭ ‬ستؤدى‭ ‬بالضرورة‭ ‬وبسرعة‭ ‬إلى‭ ‬استسلام‭ ‬إيران‭ ‬أو‭ ‬تغيير‭ ‬نظامها‭ ‬السياسي،‭ ‬وإنما‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬أداة‭ ‬الضغط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬إذا‭ ‬اقترنت‭ ‬بالدبلوماسية‭ ‬والحوافز‭ ‬والتنسيق‭ ‬الدولي‭ ‬والإقليمي،‭ ‬كانت‭ ‬ستتيح‭ ‬لواشنطن‭ ‬مجالا‭ ‬أوسع‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إطلاق‭ ‬حرب‭ ‬تحمل‭ ‬اليوم‭ ‬الخليج‭ ‬والشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬والعالم‭ ‬خسائر‭ ‬وأخطارا‭ ‬هائلة‭.‬

فالحرب‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬الماضي‭ ‬لم‭ ‬تفض،‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬إلى‭ ‬النتيجة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تبرر‭ ‬كلفتها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والإنسانية‭. ‬وبعد‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬الضربات‭ ‬والتصعيد،‭ ‬مازالت‭ ‬إيران‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬الاستسلام،‭ ‬ومازالت‭ ‬المفاوضات‭ ‬متعثرة،‭ ‬فيما‭ ‬تحول‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أخطر‭ ‬بؤر‭ ‬التوتر‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭. ‬وتراجعت‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬عبر‭ ‬المضيق‭ ‬بشدة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬والشحن‭ ‬والتجارة‭ ‬الدولية‭.‬

المفارقة‭ ‬الأكثر‭ ‬دلالة‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عادت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬بعد‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬إلى‭ ‬الأداة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تجعلها‭ ‬محور‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭: ‬الضغط‭ ‬الاقتصادي‭. ‬فقد‭ ‬بدأت‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬تكثيف‭ ‬العقوبات‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬وسائل‭ ‬جديدة‭ ‬لتجفيف‭ ‬مصادر‭ ‬تمويل‭ ‬إيران،‭ ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬مسئولون‭ ‬أمريكيون‭ ‬أن‭ ‬العقوبات‭ ‬والحصار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يلحقا‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الإيراني‭ ‬ضررًا‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬ربما‭ ‬يفوق‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحققه‭ ‬الضربات‭ ‬العسكرية‭.‬

والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬هنا‭ ‬هو‭: ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تبدأ‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تخوض‭ ‬الحرب‭ ‬ثم‭ ‬تعود‭ ‬إليها‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الضغط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ليس‭ ‬أداة‭ ‬سحرية؛‭ ‬فقد‭ ‬أثبتت‭ ‬العقوبات،‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬قدرة‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬والالتفاف‭ ‬على‭ ‬القيود‭ ‬المالية‭ ‬والتجارية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬العقوبات‭ ‬الواسعة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تلحق‭ ‬أضرارا‭ ‬بالمجتمع‭ ‬الإيراني‭ ‬وتدفع‭ ‬قطاعات‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬الالتفاف‭ ‬حول‭ ‬السلطة‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬معارضتها‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الملاحظات‭ ‬لا‭ ‬تلغى‭ ‬الفارق‭ ‬الجوهري‭ ‬بين‭ ‬العقوبات‭ ‬والحرب؛‭ ‬فالعقوبات‭ ‬تمنح‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تستخدمها‭ ‬إمكانية‭ ‬التصعيد‭ ‬التدريجي‭ ‬والتراجع‭ ‬والتفاوض‭ ‬والمقايضة،‭ ‬بينما‭ ‬الحرب‭ ‬تخلق‭ ‬ديناميكية‭ ‬يصعب‭ ‬التحكم‭ ‬فيها،‭ ‬وتفتح‭ ‬أبوابا‭ ‬للرد‭ ‬والرد‭ ‬المضاد،‭ ‬وتدفع‭ ‬الأطراف‭ ‬إلى‭ ‬استهداف‭ ‬مصالح‭ ‬بعضها‭ ‬بعضا‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬متعددة‭.‬

وكان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬تتبنى‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬استراتيجية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬عزل‭ ‬إيران‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬وماليًا‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬إحكامًا،‭ ‬مع‭ ‬استهداف‭ ‬مصادر‭ ‬تمويل‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬والشبكات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتجارة‭ ‬النفط‭ ‬والتهريب،‭ ‬وتشديد‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬طهران‭ ‬على‭ ‬الالتفاف‭ ‬على‭ ‬العقوبات‭. ‬

وفى‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬لواشنطن‭ ‬أن‭ ‬تعرض‭ ‬مسارًا‭ ‬واضحًا‭ ‬لتخفيف‭ ‬العقوبات‭ ‬مقابل‭ ‬خطوات‭ ‬إيرانية‭ ‬قابلة‭ ‬للتحقق‭ ‬في‭ ‬الملفات‭ ‬النووية‭ ‬والصاروخية‭ ‬والإقليمية؛‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الضغط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بديلًا‭ ‬عن‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬لتعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬التفاوضية‭ ‬الأمريكية‭.‬

وكان‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬سيمنح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أيضًا‭ ‬فرصة‭ ‬للعمل‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والقوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬الأخرى‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬حرب‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مساراتها‭. ‬فدول‭ ‬الخليج،‭ ‬حتى‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬بعلاقات‭ ‬أمنية‭ ‬وثيقة‭ ‬مع‭ ‬واشنطن،‭ ‬لا‭ ‬مصلحة‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬أراضيها‭ ‬وموانئها‭ ‬ومنشآتها‭ ‬النفطية‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬للمواجهة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية‭. ‬وكلما‭ ‬اتسعت‭ ‬الحرب‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تجنب‭ ‬استهدافها‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬إيران‭.‬

أما‭ ‬الكلفة‭ ‬التي‭ ‬تحملها‭ ‬الخليج‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الخسائر‭ ‬المباشرة‭ ‬أو‭ ‬مخاطر‭ ‬الهجمات؛‭ ‬فمجرد‭ ‬تهديد‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬يكفي‭ ‬لرفع‭ ‬كلفة‭ ‬التأمين‭ ‬والنقل‭ ‬والطاقة،‭ ‬وإرباك‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬والمضيق‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ممر‭ ‬مائي‭ ‬خليجي،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬شريان‭ ‬أساسي‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬تراجع‭ ‬حركة‭ ‬السفن‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬درجة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬والشحن‭.‬

وهكذا‭ ‬تحولت‭ ‬الخلافات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬عالمية‭ ‬يدفع‭ ‬ثمنها‭ ‬المستهلكون‭ ‬والاقتصادات‭ ‬والأسواق،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬أطراف‭ ‬النزاع‭ ‬المباشر‭. ‬والأخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬أضعفت‭ ‬فكرة‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تعززها‭. ‬فعندما‭ ‬تصبح‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬هي‭ ‬الأداة‭ ‬الرئيسية‭ ‬لمواجهة‭ ‬إيران،‭ ‬تتراجع‭ ‬فرص‭ ‬بناء‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمن‭ ‬جماعي‭ ‬تضم‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وإيران‭ ‬والعراق‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬الرئيسية‭ ‬وغيرها‭. ‬وتجد‭ ‬الدول‭ ‬الإقليمية‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬خيار‭ ‬الاصطفاف‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الطرف‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬قواعد‭ ‬مشتركة‭ ‬لإدارة‭ ‬الخلافات‭ ‬ومنع‭ ‬استخدام‭ ‬القوة‭.‬

وهذا‭ ‬تحديدًا‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬الدروس‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬استخلاصها‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭ ‬الراهنة‭. ‬فالشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬تخوضها‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬بالوكالة‭ ‬أو‭ ‬مباشرة،‭ ‬وإنما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬أمنى‭ ‬إقليمي‭ ‬يستطيع‭ ‬معالجة‭ ‬مصادر‭ ‬التوتر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحوار‭ ‬والردع‭ ‬المتبادل‭ ‬والضمانات‭ ‬والالتزامات‭ ‬المتبادلة‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬تستخدم‭ ‬ثقلها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والدبلوماسي‭ ‬لدفع‭ ‬إيران‭ ‬نحو‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬طرفًا‭ ‬مباشرًا‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬واسعة‭.‬

وكان‭ ‬يمكن‭ ‬لواشنطن‭ ‬أن‭ ‬تجمع‭ ‬لتحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬بين‭ ‬العقوبات‭ ‬الذكية،‭ ‬والعزل‭ ‬المالي،‭ ‬والضغط‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬النفط‭ ‬والتهريب،‭ ‬والتنسيق‭ ‬مع‭ ‬أوروبا‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬والصين‭ ‬والهند‭ ‬وغيرها،‭ ‬وعرض‭ ‬حوافز‭ ‬اقتصادية‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬واضحة‭ ‬مقابل‭ ‬التزامات‭ ‬إيرانية‭ ‬محددة‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬كان‭ ‬سيحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬وصبر،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬سيجنب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬خطرًا‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭: ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬غاية‭ ‬في‭ ‬ذاتها،‭ ‬وأن‭ ‬تصبح‭ ‬كل‭ ‬جولة‭ ‬من‭ ‬التصعيد‭ ‬مبررًا‭ ‬لجولة‭ ‬جديدة‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬تستطيع‭ ‬تدمير‭ ‬منشآت‭ ‬وقدرات،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬بالضرورة‭ ‬إنتاج‭ ‬السلوك‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬تريده‭ ‬الدولة‭ ‬المهاجمة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التشدد،‭ ‬وإلى‭ ‬استخدام‭ ‬أوراق‭ ‬جغرافية‭ ‬واستراتيجية‭ ‬مثل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬والمليشيات‭ ‬والجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬وشبكات‭ ‬التجارة‭ ‬غير‭ ‬الرسمية‭. ‬وتكشف‭ ‬التطورات‭ ‬الحالية‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬تستخدم‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬طرق‭ ‬الطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬رفع‭ ‬كلفة‭ ‬المواجهة‭ ‬على‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفائها‭.‬

ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يطرح‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬كيف‭ ‬تنتهي‭ ‬الحرب،‭ ‬وإنما‭ ‬لماذا‭ ‬بدأت‭ ‬أصلًا‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة،‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بالإمكان‭ ‬تحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬الأمريكية‭ ‬من‭ ‬دونها‭. ‬والجواب،‭ ‬في‭ ‬تقديري،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الخيار‭ ‬البديل‭ ‬كان‭ ‬موجودًا،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سهلًا‭ ‬أو‭ ‬مضمونًا‭. ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬تمارس‭ ‬ضغطًا‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬أشد،‭ ‬وأن‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬أكثر،‭ ‬وأن‭ ‬تعمل‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الوسيطة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وأوروبا،‭ ‬وأن‭ ‬تجعل‭ ‬أي‭ ‬تخفيف‭ ‬للعقوبات‭ ‬مشروطًا‭ ‬بتغييرات‭ ‬محددة‭ ‬في‭ ‬السلوك‭ ‬الإيراني‭.‬

ولو‭ ‬اتبعت‭ ‬واشنطن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬منذ‭ ‬البداية،‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬ضمان‭ ‬أن‭ ‬تتراجع‭ ‬إيران‭ ‬عن‭ ‬جميع‭ ‬سياساتها،‭ ‬لكن‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬تجنب‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الخسائر‭ ‬التي‭ ‬تحققت‭ ‬بالفعل‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الخليج‭ ‬مضطرًا‭ ‬إلى‭ ‬تحمل‭ ‬مخاطر‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬منشآته‭ ‬وممراته‭ ‬البحرية،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬لتتعرض‭ ‬بهذا‭ ‬الحجم‭ ‬من‭ ‬الاضطراب،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لتجد‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬حرب‭ ‬طويلة‭ ‬يصعب‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬نهايتها،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ليُدفع‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الاستقطاب‭ ‬العسكري‭.‬

إن‭ ‬القوة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للدولة‭ ‬العظمى‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬خوض‭ ‬الحرب،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬خوضها‭. ‬وكان‭ ‬أمام‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬في‭ ‬تعاملها‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬أن‭ ‬تستخدم‭ ‬تفوقها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمالي‭ ‬والدبلوماسي‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬نقطة‭ ‬الانطلاق‭. ‬واليوم،‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حدث،‭ ‬تعود‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬الضغط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتفاوض،‭ ‬وكأنها‭ ‬تعترف،‭ ‬بصورة‭ ‬متأخرة،‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بداية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أصبح‭ ‬محاولة‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا