كانت الولايات المتحدة، منذ اللحظة الأولى التي قررت فيها استخدام القوة العسكرية المباشرة ضد إيران، أمام خيار آخر أقل كلفة وأكثر اتساقًا مع مصالحها ومصالح حلفائها في الخليج والشرق الأوسط. كان يمكن لواشنطن أن تمتنع عن التورط في حرب مفتوحة، وأن تعمد بدلًا من ذلك إلى تشديد الضغوط الاقتصادية والمالية على إيران، بالتوازي مع جهد دبلوماسي واسع يهدف إلى تغيير سلوكها الخارجي ودفعها إلى إعادة النظر في سياساتها الإقليمية والنووية والصاروخية. وليس المقصود هنا افتراض أن العقوبات الاقتصادية كانت ستؤدى بالضرورة وبسرعة إلى استسلام إيران أو تغيير نظامها السياسي، وإنما القول إن أداة الضغط الاقتصادي، إذا اقترنت بالدبلوماسية والحوافز والتنسيق الدولي والإقليمي، كانت ستتيح لواشنطن مجالا أوسع لتحقيق أهدافها من دون إطلاق حرب تحمل اليوم الخليج والشرق الأوسط والعالم خسائر وأخطارا هائلة.
فالحرب التي بدأت في فبراير الماضي لم تفض، حتى الآن، إلى النتيجة التي كان يمكن أن تبرر كلفتها الاستراتيجية والإنسانية. وبعد أشهر من الضربات والتصعيد، مازالت إيران قادرة على عدم الاستسلام، ومازالت المفاوضات متعثرة، فيما تحول مضيق هرمز إلى أحد أخطر بؤر التوتر في النظام الاقتصادي العالمي. وتراجعت حركة الملاحة عبر المضيق بشدة، الأمر الذي انعكس على أسواق الطاقة والشحن والتجارة الدولية.
المفارقة الأكثر دلالة أن الولايات المتحدة عادت بعد ذلك، بعد أشهر من الحرب، إلى الأداة التي كان يمكن أن تجعلها محور استراتيجيتها منذ البداية: الضغط الاقتصادي. فقد بدأت إدارة الرئيس دونالد ترامب في أغسطس تكثيف العقوبات والبحث عن وسائل جديدة لتجفيف مصادر تمويل إيران، بينما يرى مسئولون أمريكيون أن العقوبات والحصار الاقتصادي يمكن أن يلحقا بالاقتصاد الإيراني ضررًا طويل الأمد ربما يفوق ما يمكن أن تحققه الضربات العسكرية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا لم تبدأ الولايات المتحدة من هذه النقطة بدلا من أن تخوض الحرب ثم تعود إليها.
لا شك أن الضغط الاقتصادي ليس أداة سحرية؛ فقد أثبتت العقوبات، على مدى سنوات طويلة، قدرة إيران على التكيف والالتفاف على القيود المالية والتجارية، كما أن العقوبات الواسعة يمكن أن تلحق أضرارا بالمجتمع الإيراني وتدفع قطاعات منه إلى الالتفاف حول السلطة بدلا من معارضتها. لكن هذه الملاحظات لا تلغى الفارق الجوهري بين العقوبات والحرب؛ فالعقوبات تمنح الدولة التي تستخدمها إمكانية التصعيد التدريجي والتراجع والتفاوض والمقايضة، بينما الحرب تخلق ديناميكية يصعب التحكم فيها، وتفتح أبوابا للرد والرد المضاد، وتدفع الأطراف إلى استهداف مصالح بعضها بعضا في مناطق متعددة.
وكان من الممكن للولايات المتحدة أن تتبنى منذ البداية استراتيجية تقوم على عزل إيران اقتصاديًا وماليًا بصورة أكثر إحكامًا، مع استهداف مصادر تمويل الحرس الثوري والشبكات المرتبطة بتجارة النفط والتهريب، وتشديد الرقابة على المؤسسات التي تساعد طهران على الالتفاف على العقوبات.
وفى الوقت نفسه، كان يمكن لواشنطن أن تعرض مسارًا واضحًا لتخفيف العقوبات مقابل خطوات إيرانية قابلة للتحقق في الملفات النووية والصاروخية والإقليمية؛ أي أن الضغط الاقتصادي لم يكن ينبغي أن يكون بديلًا عن الدبلوماسية، بل أداة لتعزيز القدرة التفاوضية الأمريكية.
وكان هذا الخيار سيمنح الولايات المتحدة أيضًا فرصة للعمل مع دول الخليج والقوى الإقليمية الأخرى بدلًا من وضعها في قلب حرب لا تملك السيطرة على مساراتها. فدول الخليج، حتى تلك التي ترتبط بعلاقات أمنية وثيقة مع واشنطن، لا مصلحة لها في أن تتحول أراضيها وموانئها ومنشآتها النفطية إلى ساحات للمواجهة الأمريكية الإيرانية. وكلما اتسعت الحرب أصبحت هذه الدول مضطرة إلى الموازنة بين التحالف مع الولايات المتحدة والحاجة إلى تجنب استهدافها من جانب إيران.
أما الكلفة التي تحملها الخليج فهي لا تقتصر على الخسائر المباشرة أو مخاطر الهجمات؛ فمجرد تهديد الملاحة في مضيق هرمز يكفي لرفع كلفة التأمين والنقل والطاقة، وإرباك الأسواق العالمية. والمضيق ليس مجرد ممر مائي خليجي، وإنما هو شريان أساسي للاقتصاد العالمي، وقد أدى تراجع حركة السفن فيه إلى ارتفاع درجة عدم اليقين في أسواق النفط والغاز والشحن.
وهكذا تحولت الخلافات الأمريكية الإيرانية إلى أزمة عالمية يدفع ثمنها المستهلكون والاقتصادات والأسواق، وليس فقط أطراف النزاع المباشر. والأخطر من ذلك أن الحرب أضعفت فكرة الأمن الإقليمي بدلًا من أن تعززها. فعندما تصبح القوة العسكرية الأمريكية هي الأداة الرئيسية لمواجهة إيران، تتراجع فرص بناء ترتيبات أمن جماعي تضم دول الخليج وإيران والعراق والدول العربية الرئيسية وغيرها. وتجد الدول الإقليمية نفسها أمام خيار الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك، بدلًا من بناء قواعد مشتركة لإدارة الخلافات ومنع استخدام القوة.
وهذا تحديدًا هو أحد الدروس الكبرى التي ينبغي استخلاصها من الأزمة الراهنة. فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من الحروب التي تخوضها القوى الكبرى بالوكالة أو مباشرة، وإنما يحتاج إلى إطار أمنى إقليمي يستطيع معالجة مصادر التوتر من خلال الحوار والردع المتبادل والضمانات والالتزامات المتبادلة. وكان من الممكن للولايات المتحدة أن تستخدم ثقلها الاقتصادي والدبلوماسي لدفع إيران نحو مثل هذا المسار بدلًا من أن تصبح طرفًا مباشرًا في حرب واسعة.
وكان يمكن لواشنطن أن تجمع لتحقيق ذلك بين العقوبات الذكية، والعزل المالي، والضغط على شبكات النفط والتهريب، والتنسيق مع أوروبا ودول الخليج والصين والهند وغيرها، وعرض حوافز اقتصادية ودبلوماسية واضحة مقابل التزامات إيرانية محددة. صحيح أن مثل هذا المسار كان سيحتاج إلى وقت وصبر، لكنه كان سيجنب الولايات المتحدة خطرًا بالغ الأهمية: أن تتحول الحرب إلى غاية في ذاتها، وأن تصبح كل جولة من التصعيد مبررًا لجولة جديدة.
لقد أثبتت الأشهر الماضية أن القوة العسكرية تستطيع تدمير منشآت وقدرات، لكنها لا تستطيع بالضرورة إنتاج السلوك السياسي الذي تريده الدولة المهاجمة، بل قد تدفع الطرف الآخر إلى مزيد من التشدد، وإلى استخدام أوراق جغرافية واستراتيجية مثل مضيق هرمز والمليشيات والجماعات المسلحة وشبكات التجارة غير الرسمية. وتكشف التطورات الحالية أن إيران تستخدم الضغوط على طرق الطاقة والتجارة من أجل رفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس فقط كيف تنتهي الحرب، وإنما لماذا بدأت أصلًا بهذه الطريقة، وما إذا كان بالإمكان تحقيق الأهداف الأمريكية من دونها. والجواب، في تقديري، هو أن الخيار البديل كان موجودًا، وإن لم يكن سهلًا أو مضمونًا. كان يمكن للولايات المتحدة أن تمارس ضغطًا اقتصاديًا أشد، وأن تستثمر في الدبلوماسية أكثر، وأن تعمل مع القوى الوسيطة في الشرق الأوسط وأوروبا، وأن تجعل أي تخفيف للعقوبات مشروطًا بتغييرات محددة في السلوك الإيراني.
ولو اتبعت واشنطن هذا المسار منذ البداية، لما كان من الممكن ضمان أن تتراجع إيران عن جميع سياساتها، لكن كان يمكن تجنب كثير من الخسائر التي تحققت بالفعل. لم يكن الخليج مضطرًا إلى تحمل مخاطر الحرب على منشآته وممراته البحرية، ولم تكن أسواق الطاقة العالمية لتتعرض بهذا الحجم من الاضطراب، ولم تكن الولايات المتحدة لتجد نفسها في مواجهة حرب طويلة يصعب التحكم في نهايتها، ولم يكن الشرق الأوسط ليُدفع مرة أخرى إلى دائرة جديدة من الاستقطاب العسكري.
إن القوة الحقيقية للدولة العظمى لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحرب، وإنما بقدرتها على تحقيق أهدافها من دون الحاجة إلى خوضها. وكان أمام الولايات المتحدة، في تعاملها مع إيران، أن تستخدم تفوقها الاقتصادي والمالي والدبلوماسي بدلا من أن تجعل التفوق العسكري نقطة الانطلاق. واليوم، بعد كل ما حدث، تعود واشنطن إلى الضغط الاقتصادي والتفاوض، وكأنها تعترف، بصورة متأخرة، بأن ما كان يمكن أن يكون بداية الاستراتيجية أصبح محاولة لإنهاء الحرب.
{ أستاذ العلوم السياسية
في جامعة القاهرة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك