لا شد أن إسرائيل تدين بقوتها العسكرية إلى حد كبير للمساعدة الأمنية الأمريكية الضخمة على مدى عقود، وهي المساعدات التي اكتسبت أهمية بالغة منذ ستينيات القرن العشرين الماضي، وازدادت أهميتها بشكل أكبر في السنوات الأخيرة.
خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1946 و2024، كانت إسرائيل الدولة الأكثر استفادة من المساعدات العسكرية من الولايات المتحدة الأمريكية، إذ أغدقت عليها سلطات واشنطن ما مجموعه 244 مليار دولار (مقوّمة بأسعار عام 2024 الثابتة)، وذلك وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية.
يضع هذا الأمر إسرائيل في صدارة الدول التي تتلقى دعماً عسكرياً من واشنطن بفارق كبير؛ إذ تأتي حرب أفغانستان في المرتبة الثانية بمبلغ 113 مليار دولار فقط، تليها حرب فيتنام الجنوبية بمبلغ 96 مليار دولار.
غير أن المساعدات الضخمة التي قُدمت لهاتين الدولتين الأخيرتين كانت ناجمة عن حالة حرب، وهو وضع لا ينطبق -بشكل دائم- على إسرائيل.
ويُضاف إلى ذلك مساعدات اقتصادية حصلت عليها إسرائيل وبلغ مجموعها التراكمي 85 مليار دولار في الفترة ما بين عامي 1971 و2007.
وتهدف هذه المساعدات إلى تمكين إسرائيل من تحقيق تفوق عملياتي على خصومها المحتملين في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما تطلق عليه الولايات المتحدة الأمريكية مصطلح «التفوق العسكري النوعي».
وهذا يفسر، على وجه الخصوص، سبب عدم تمكّن الدول العربية من الحصول على طائرات مقاتلة من طراز «إف-35» (F-35) على مدى سنوات عديدة من الولايات المتحدة الأمريكية رغم ما تقطعه من وعود.
وعلاوة على ذلك، أصبح معيار «التفوق العسكري النوعي» ركيزة أساسية في السياسة الخارجية الأمريكية منذ أن أقر الكونغرس في عام 2008 قانوناً يُلزم الرئيس بضمان هذا التفوق لإسرائيل في مواجهة خصومها، وهو ما يترجم إلى تقديم تمويلات ضخمة.
لقد شهدت المساعدات العسكرية الأمريكية تزايداً مستمراً بمرور الوقت، حتى في أوقات السلم؛ ففي عام 1998، على سبيل المثال لا الحصر، أُبرمت واشنطن اتفاقية مدتها عشر سنوات لاستبدال المساعدات الاقتصادية المقدمة لإسرائيل بأخرى عسكرية بقيمة إجمالية تبلغ 21.3 مليار دولار، وذلك عبر برنامج «التمويل العسكري الأجنبي». كما وُقِّعت اتفاقية جديدة عام 2008 بقيمة 32 مليار دولار، وجُدِّدت في عام 2016 بمبلغ 38 مليار دولار.
يُضاف إلى ذلك مساعدات استثنائية تُقدَّمها الولايات المتحدة الأمريكية عندما يكون أمن إسرائيل في خطر. ففي غضون العامين اللذين تليا هجوم 7 أكتوبر 2023 قدّمت الولايات المتحدة الأمريكية مساعدات عسكرية إضافية بقيمة 8.7 مليارات دولار، خُصِّصت في المقام الأول لأنظمة الدفاع الصاروخي.
ووفقاً لويليام هارتونغ، كبير الباحثين في معهد كوينسي، قدّم الجيش الأمريكي أيضاً تبرعات عينية من مخزوناته الخاصة من المعدات (بقيمة 4.4 مليارات دولار) والذخائر (بقيمة 800 مليون دولار).
كما أعلنت إدارة الرئيس الأمريكية دونالد ترامب، ضمن مشروع قانون الميزانية لعام 2026، نيتها تسليم 30 مروحية من طراز «أباتشي» و3200 مركبة مشاة مجاناً، بقيمة إجمالية تبلغ 6 مليارات دولار.
تدين بعض القدرات العسكرية الإسرائيلية بالكثير للدعم الأمريكي؛ فقد تلقت إسرائيل أكثر من 3.4 مليارات دولار منذ عام 2009 لدعم منظومتها للدفاع الصاروخي (باستثناء المساعدات الاستثنائية).
وعلى سبيل المثال، تم تمويل نظام «القبة الحديدية» الإسرائيلي إلى حد كبير بفضل المساعدات الأمريكية؛ إذ حصل هذا البرنامج، منذ عام 2011، على مساعدات تراكمية بلغت 1.3 مليار دولار.
ومن السمات المميزة للمساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل أنها لا تقتصر على توفير العتاد مجاناً، إذ يتيح نظام «المشتريات الخارجية» لإسرائيل استخدام جزء من مخصصات «التمويل العسكري الأجنبي» لشراء معدات محلية الصنع.
ورغم اتفاق البلدين على إنهاء هذه الآلية بحلول عام 2028، فإنها أسهمت على مدى سنوات في تمويل تشغيل القاعدة الصناعية والتكنولوجية الإسرائيلية فعلياً؛ حيث كانت حصة نظام تشكل 25% من مخصصات في عام 2019.
وعلاوة على ذلك، يجري تمويل منظومة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية عبر برنامج منفصل، يُسمح في إطاره بأن تكون 50% من المكونات ذات منشأ إسرائيلي، ما يشكل دعماً كبيراً للصناعة المحلية لتعزيز قدراتها في هذا المجال.
وبالإضافة إلى ذلك، تُعد إسرائيل من أبرز المستفيدين من برنامج «المعدات الدفاعية الفائضة»، الذي يتيح للجيش الأمريكي نقل معدات لم تعد هناك حاجة إليها إلى دول أخرى مجاناً؛ ووفقاً لوزارة الخارجية الأمريكية، تبلغ القيمة التراكمية لهذه العمليات 6.6 مليارات دولار.
وثمة ميزة أخرى تتمثل في قيام الولايات المتحدة الأمريكية -منذ ثمانينيات القرن الماضي- بتخزين كميات مسبقة من الذخائر والمعدات داخل الأراضي الإسرائيلية، وذلك في إطار برنامج «مخزون احتياطي الحرب الأمريكي».
ويُفترض أن يتيح هذا المخزون -الذي تبلغ قيمته 3.4 مليارات دولار- تجهيز إسرائيل في حالات الطوارئ. ويُعد هذا الأمر، بحكم الواقع، شكلاً آخر من أشكال المساعدة المالية، إذ يمكن للجيش الإسرائيلي توظيف المخصصات المالية التي أصبحت متاحة بفضل ذلك في مجالات أخرى، نظراً إلى عدم اضطراره إلى تكوين مخزونات مماثلة.
ووفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فقد أنفقت إسرائيل ما يقرب من 950 مليار دولار (بالدولار الثابت) منذ تأسيسها كدولة في أربعينيات القرن الماضي لضمان دفاعها.
ورغم أن المساعدات الأمريكية تظل محدودة مقارنة بهذه الجهود الذاتية (وإن كانت تشكل نحو 20% من إجمالي الإنفاق العسكري)، فقد أتاحت لإسرائيل تركيز جهودها التكنولوجية والصناعية على مجالات تميز محددة -مثل الصواريخ والحرب الإلكترونية والفضاء السيبراني- ما ساعدها على اكتساب مقومات استراتيجية جوهرية.
وبناء عليه، فإن نجاح إسرائيل يعتمد إلى حد كبير على نقل عبء الدفاع إلى كاهل دافع الضرائب الأمريكي، إذ لا يمكن فهم القدرات العسكرية الإسرائيلية من دون الأخذ في الاعتبار أشكال الدعم المتعددة التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية.
تحجب الميزانية العسكرية المعلنة نطاقاً أوسع بكثير، وتخفي أيضاً قدرة إسرائيل على تركيز جهودها على مجموعة أهداف أكثر محدودية، ما يتيح لها بلوغ «كتلة حرجة» تضاعف من فعالية إنفاقها مقارنةً بالدول الأخرى التي يتعين عليها تغطية نطاق أوسع بكثير من النفقات.
ومن ناحية أخرى، يسهم الدعم الأمريكي للقاعدة الصناعية والتكنولوجية الإسرائيلية في تقديم ابتكارات تنبع -في آن واحد- من التركيز على قطاعات رئيسية محددة ومن القدرة على اختبار هذه الابتكارات باستمرار، نظراً إلى أن القوات المسلحة الإسرائيلية ظلت منخرطة في عمليات عسكرية أو في حالة استعداد دائم تقريباً منذ عام 1948.
وهذا ما يفسر تمتع القدرات العسكرية الإسرائيلية بميزة «الإثبات الميداني» (أو الكفاءة المثبتة في القتال) والحصول على مصادقة عملية. وفي هذا السياق، لم يغب هذا الأمر عن هريتاج (Heritage Foundation) -وهي مؤسسة فكرية محافظة- إذ اقترحت خفض المساعدات العسكرية الأمريكية تدريجياً واستبدالها بآليات للتطوير والإنتاج المشترك للمعدات العسكرية.
{ باحث أكاديمي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك