العدد : ١٧٧٤٥ - الجمعة ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٥ - الجمعة ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

لماذا الحنين إلى الثمانينيات؟

بقلم: رشا عمران

الجمعة ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

ينتشر‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬‮«‬ترند‮»‬‭ ‬لطيف‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬يستعيد‭ ‬فيه‭ ‬المتصفحون‭ ‬حقبة‭ ‬ثمانينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وينشرون‭ ‬صورهم‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬صغيراً‭ ‬وقتها‭ ‬يستعين‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬ليولد‭ ‬صورة‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬بقصّات‭ ‬الشعر‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬دارجة‭ ‬وموضة‭ ‬الملابس‭ ‬والألوان‭. ‬‮«‬الترند‮»‬‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬اللطافة،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬استراحة‭ ‬مؤقتة‭ ‬وضرورية‭ ‬من‭ ‬موجات‭ ‬الكراهية‭ ‬المتبادلة‭ ‬الرائجة‭ ‬بكثافة‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬العربية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬الصور‭ ‬المنتشرة‭ ‬تعطي‭ ‬فكرة‭ ‬معقولة‭ ‬لمن‭ ‬لم‭ ‬يعش‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬عن‭ ‬الثقافة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬وقتها،‭ ‬بسبب‭ ‬ارتباط‭ ‬الموضة‭ (‬تسريحات‭ ‬الشعر‭ ‬واللباس‭ ‬والألوان‭) ‬بالأفكار‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬السائدة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭.‬

شكل‭ ‬عقد‭ ‬الثمانينيات‭ ‬مفترقاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬للعبور‭ ‬نحو‭ ‬زمن‭ ‬عالمي‭ ‬جديد‭ ‬غير‭ ‬نهائي‭ ‬من‭ ‬شكل‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬ترسّخ‭ ‬مع‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ففيه‭ ‬انتهت‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬التي‭ ‬قسّمت‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬حلفين‭ ‬متصارعين،‭ ‬معلنة‭ ‬انتصار‭ ‬الحلف‭ ‬الغربي‭ ‬الرأسمالي‭ ‬وصعود‭ ‬البيرسترويكا‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬السابق،‭ ‬وهدم‭ ‬جدار‭ ‬برلين‭ ‬الذي‭ ‬دفنت‭ ‬تحت‭ ‬حجارته‭ ‬الأحلام‭ ‬بعالم‭ ‬شيوعي‭ ‬اشتراكي‭ ‬ثوري‭ ‬يساري‭ ‬إلى‭ ‬الأبد،‭ ‬ليدخل‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬العولمة‭ ‬الثقافية‭ ‬والعولمة‭ ‬السياسية‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬بنت‭ ‬أرضية‭ ‬مثالية‭ ‬لصعود‭ ‬التيارات‭ ‬الدينية‭ ‬إكمالاً‭ ‬للثورة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬نقطة‭ ‬البداية‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬الفكر‭ ‬اليساري‭ ‬لصالح‭ ‬اليمين‭ ‬الديني‭ ‬المتشدّد،‭ ‬وفي‭ ‬تغير‭ ‬منطق‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬القضايا‭ ‬الدولية‭.‬

شكل‭ ‬ذلك‭ ‬العقد‭ ‬نقطة‭ ‬انطلاق‭ ‬نحو‭ ‬عالم‭ ‬الصوت‭ ‬والصورة‭ ‬معاً‭ ‬مع‭ ‬انتشار‭ ‬التلفزيون‭ ‬وشريط‭ ‬الكاسيت‭ ‬والإعلان‭ ‬التجاري‭ ‬ممهداً‭ ‬لثقافة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬العلامة‭ ‬التجارية‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬الشخصية‭.‬

أما‭ ‬الأهم،‭ ‬فهو‭ ‬انتقال‭ ‬البشرية‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬المحلية‭ ‬إلى‭ ‬الثقافة‭ ‬العالمية،‭ ‬وبدء‭ ‬نهاية‭ ‬العالم‭ ‬التناظري‭ ‬لصالح‭ ‬العالم‭ ‬الرقمي‭ ‬الذي‭ ‬نشهد‭ ‬ذروته‭ ‬الآن‭. ‬ففي‭ ‬الثمانينيات‭ ‬ظهر‭ ‬الكومبيوتر‭ ‬الذي‭ ‬نعرفه‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬وانتشر‭ ‬في‭ ‬البيوت‭ ‬والمكاتب،‭ ‬معلناً‭ ‬بدء‭ ‬نهاية‭ ‬التدوين‭ ‬اليدوي‭ ‬والورق‭ ‬والحبر‭ ‬والرسائل‭ ‬المكتوبة‭ ‬بخط‭ ‬اليد،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحتاج‭ ‬شهراً‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬متسلمها‭. ‬وفيه‭ ‬أيضاً‭ ‬بدأ‭ ‬انتهاء‭ ‬مفهوم‭ ‬الزمن‭ ‬ببطئه‭ ‬وإيقاعه‭ ‬الرتيب‭ ‬المنتظر‭ ‬لصالح‭ ‬سرعة‭ ‬بارقة،‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬فيها‭ ‬أي‭ ‬مساحة‭ ‬للرتابة‭ ‬الجميلة‭ ‬أحياناً،‭ ‬ولا‭ ‬للانتظار‭ ‬بكل‭ ‬مكابداته‭ ‬الذاتية‭ ‬والعامة‭.‬

عنّي،‭ ‬شخصيا،‭ ‬عشتُ‭ ‬في‭ ‬الثمانينيات‭ ‬خياراتٍ‭ ‬شخصية‭ ‬كانت‭ ‬فاشلة‭ ‬ومريعة،‭ ‬وعشت‭ ‬حدث‭ ‬الأمومة‭ ‬الذي‭ ‬غيّر‭ ‬فيّ‭ ‬معنى‭ ‬فهمي‭ ‬للزمن‭ ‬والالتزام‭ ‬والتعلق،‭ ‬وعشتُ‭ ‬أكثر‭ ‬مراحل‭ ‬حياتي‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬القراءة‭ ‬والمعرفة‭ ‬والفهم‭ ‬والاكتشاف،‭ ‬عشتُ‭ ‬تناقضاتٍ‭ ‬شخصية‭ ‬وعائلية‭ ‬هائلة‭ ‬صنعت‭ ‬شخصيتي‭ ‬اليوم‭.‬

أتذكّر‭ ‬عقد‭ ‬الثمانينيات‭ ‬وأراه‭ ‬الآن‭ ‬طويلاً‭ ‬جدّاً‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬أو‭ ‬زمن‭ ‬كامل،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يمر‭ ‬فيه‭ ‬وقت‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬حدث‭ ‬ما‭ ‬سوف‭ ‬يترك‭ ‬طابعه‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬سيأتي‭ ‬لاحقاً‭. ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬كنت‭ ‬أراه‭ ‬هكذا‭ ‬وأنا‭ ‬أعيشه؟‭ ‬كان‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليّ‭ ‬حياة‭ ‬يومية‭ ‬أعيشها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اكتراثٍ‭ ‬لما‭ ‬يحدُث‭ ‬خلالها‭ ‬خارج‭ ‬عالمي‭ ‬الصغير‭.‬

لكن‭ ‬حدثاً‭ ‬رئيسيّاً‭ ‬أتذكره‭ ‬اليوم،‭ ‬وأتذكر‭ ‬طعم‭ ‬المرارة‭ ‬الذي‭ ‬ملأ‭ ‬روحي‭ ‬وقتها‭: ‬كنتُ‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬أهلي‭ ‬في‭ ‬قريتي‭ ‬أقرأ‭ ‬كتاباً‭ ‬ما‭. ‬وكانت‭ ‬إذاعة‭ ‬لندن‭ ‬من‭ ‬راديو‭ ‬بيت‭ ‬عمي‭ ‬الملاصق‭ ‬لبيتنا،‭ ‬فجأة‭ ‬يُذاع‭ ‬خبر‭ ‬إعلان‭ ‬جورباتشوف‭ ‬تفكيك‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬ونهاية‭ ‬المرحلة‭ ‬الشيوعية‭ ‬بالكامل‭. ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬بتفاصيله‭ ‬سيبقى‭ ‬لاحقاً‭ ‬الأكثر‭ ‬حضوراً‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭ ‬عن‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬بعد‭ ‬حدث‭ ‬ولادتي‭ ‬ابنتي‭ ‬الوحيدة‭.‬

ورغم‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬يوماً‭ ‬شيوعية‭ ‬التنظيم،‭ ‬لكنني‭ ‬كنت،‭ ‬وما‭ ‬زلت،‭ ‬أؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الاشتراكية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشكل‭ ‬ثقافة‭ ‬تحقق‭ ‬قدرا‭ ‬متوازنا‭ ‬من‭ ‬العدالة‭ ‬للبشرية،‭ ‬شرط‭ ‬ألّا‭ ‬تتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬ديكتاتورية‭ ‬شمولية‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬لها‭.‬

لا‭ ‬أعرف‭ ‬اليوم‭ ‬سبب‭ ‬حنين‭ ‬بعضهم‭ ‬إلى‭ ‬الثمانينيات،‭ ‬ولا‭ ‬سبب‭ ‬‮«‬الترند‮»‬‭ ‬المتداول‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭. ‬ولكن‭ ‬يبدو‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬الفوضى‭ ‬الكبيرة‭ ‬غير‭ ‬المفهومة‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬عالم‭ ‬اليوم‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬الثمانينيات‭ ‬الفردوس‭ ‬المفقود،‭ ‬فرغم‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬اليوم‭ ‬مهّدت‭ ‬هي‭ ‬له،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬أيضاً‭ ‬مرحلة‭ ‬المشاعر‭ ‬الكبيرة،‭ ‬الحلم‭ ‬والتوق‭ ‬والأمل‭ ‬والفقد‭ ‬والخيبة‭ ‬والخسارة‭ ‬والدهشة‭ ‬والهزيمة‭.‬

‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬مشاعر‭ ‬عامة‭ ‬وكأن‭ ‬الجميع‭ ‬كان‭ ‬مشاركاً‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فتحدث‭ ‬كل‭ ‬الفداحة‭ ‬تلو‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تهتز‭ ‬فينا‭ ‬شعرة‭. ‬أليس‭ ‬الجحيم‭ ‬هو‭ ‬المشاعر‭ ‬الميتة‭ ‬والفردوس‭ ‬هو‭ ‬اشتعالها‭ ‬وحياتها؟‭!‬

 

{‭ ‬كاتبة‭ ‬وشاعرة‭ ‬سورية‭.‬

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا