ينتشر منذ فترة «ترند» لطيف على وسائل التواصل الاجتماعي، يستعيد فيه المتصفحون حقبة ثمانينيات القرن الماضي، وينشرون صورهم في تلك المرحلة، ومن كان صغيراً وقتها يستعين بالذكاء الاصطناعي ليولد صورة له من تلك المرحلة، بقصّات الشعر نفسها التي كانت دارجة وموضة الملابس والألوان. «الترند» في غاية اللطافة، وقد يكون استراحة مؤقتة وضرورية من موجات الكراهية المتبادلة الرائجة بكثافة على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي العربية، خصوصاً أن الصور المنتشرة تعطي فكرة معقولة لمن لم يعش تلك المرحلة عن الثقافة الاجتماعية التي كانت وقتها، بسبب ارتباط الموضة (تسريحات الشعر واللباس والألوان) بالأفكار السياسية والاجتماعية السائدة في ذلك الوقت.
شكل عقد الثمانينيات مفترقاً حقيقياً للعبور نحو زمن عالمي جديد غير نهائي من شكل العالم الذي ترسّخ مع بدايات القرن الماضي، ففيه انتهت الحرب الباردة التي قسّمت العالم إلى حلفين متصارعين، معلنة انتصار الحلف الغربي الرأسمالي وصعود البيرسترويكا في دول الاتحاد السوفييتي السابق، وهدم جدار برلين الذي دفنت تحت حجارته الأحلام بعالم شيوعي اشتراكي ثوري يساري إلى الأبد، ليدخل العالم في مرحلة العولمة الثقافية والعولمة السياسية الأمريكية التي بنت أرضية مثالية لصعود التيارات الدينية إكمالاً للثورة الإسلامية في إيران، التي كانت نقطة البداية في تراجع الفكر اليساري لصالح اليمين الديني المتشدّد، وفي تغير منطق القوة في التعامل مع القضايا الدولية.
شكل ذلك العقد نقطة انطلاق نحو عالم الصوت والصورة معاً مع انتشار التلفزيون وشريط الكاسيت والإعلان التجاري ممهداً لثقافة الاستهلاك التي جعلت من العلامة التجارية جزءاً من الهوية الشخصية.
أما الأهم، فهو انتقال البشرية من الثقافة المحلية إلى الثقافة العالمية، وبدء نهاية العالم التناظري لصالح العالم الرقمي الذي نشهد ذروته الآن. ففي الثمانينيات ظهر الكومبيوتر الذي نعرفه لأول مرة، وانتشر في البيوت والمكاتب، معلناً بدء نهاية التدوين اليدوي والورق والحبر والرسائل المكتوبة بخط اليد، التي كانت تحتاج شهراً لتصل إلى متسلمها. وفيه أيضاً بدأ انتهاء مفهوم الزمن ببطئه وإيقاعه الرتيب المنتظر لصالح سرعة بارقة، لا توجد فيها أي مساحة للرتابة الجميلة أحياناً، ولا للانتظار بكل مكابداته الذاتية والعامة.
عنّي، شخصيا، عشتُ في الثمانينيات خياراتٍ شخصية كانت فاشلة ومريعة، وعشت حدث الأمومة الذي غيّر فيّ معنى فهمي للزمن والالتزام والتعلق، وعشتُ أكثر مراحل حياتي رغبة في القراءة والمعرفة والفهم والاكتشاف، عشتُ تناقضاتٍ شخصية وعائلية هائلة صنعت شخصيتي اليوم.
أتذكّر عقد الثمانينيات وأراه الآن طويلاً جدّاً كما لو أنه نصف قرن أو زمن كامل، إذ لم يمر فيه وقت من غير حدث ما سوف يترك طابعه على ما سيأتي لاحقاً. ولكن هل كنت أراه هكذا وأنا أعيشه؟ كان بالنسبة إليّ حياة يومية أعيشها من دون اكتراثٍ لما يحدُث خلالها خارج عالمي الصغير.
لكن حدثاً رئيسيّاً أتذكره اليوم، وأتذكر طعم المرارة الذي ملأ روحي وقتها: كنتُ في بيت أهلي في قريتي أقرأ كتاباً ما. وكانت إذاعة لندن من راديو بيت عمي الملاصق لبيتنا، فجأة يُذاع خبر إعلان جورباتشوف تفكيك الاتحاد السوفييتي ونهاية المرحلة الشيوعية بالكامل. هذا الحدث بتفاصيله سيبقى لاحقاً الأكثر حضوراً في ذاكرتي عن الثمانينيات، بعد حدث ولادتي ابنتي الوحيدة.
ورغم أنني لم أكن يوماً شيوعية التنظيم، لكنني كنت، وما زلت، أؤمن بأن الاشتراكية يمكن أن تشكل ثقافة تحقق قدرا متوازنا من العدالة للبشرية، شرط ألّا تتحوّل إلى ديكتاتورية شمولية كما حدث لها.
لا أعرف اليوم سبب حنين بعضهم إلى الثمانينيات، ولا سبب «الترند» المتداول في مواقع التواصل الاجتماعي. ولكن يبدو لي أن الفوضى الكبيرة غير المفهومة التي يعيشها عالم اليوم تجعل من مرحلة الثمانينيات الفردوس المفقود، فرغم أن كل ما يحدث اليوم مهّدت هي له، إلا أنها كانت أيضاً مرحلة المشاعر الكبيرة، الحلم والتوق والأمل والفقد والخيبة والخسارة والدهشة والهزيمة.
كانت هذه مشاعر عامة وكأن الجميع كان مشاركاً بكل ما يحدث. أما اليوم، فتحدث كل الفداحة تلو الأخرى من دون أن تهتز فينا شعرة. أليس الجحيم هو المشاعر الميتة والفردوس هو اشتعالها وحياتها؟!
{ كاتبة وشاعرة سورية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك