في مقال له بجريدة الشرق الأوسط نُشر يوم (الجمعة الموافق 16 أكتوبر 2026 العدد 17489) وضع الكاتب الإيراني المخضرم أمير طاهري – وهو بالمناسبة من المعارضين «لنظام الملالي في إيران» – يده على المأزق الوجودي الحرج الذي تعيشه الدولة التي أنشأها الخميني؛ حيث لخص الأزمة في عجز طهران عن مواصلة الحرب وعدم قدرتها في الوقت نفسه على صنع سلام ينقذها من الانهيار.
هذا التشخيص الدقيق لا يصف أزمة داخلية فحسب، بل يمثل حجر الزاوية لفهم ديناميكية الصراع في المنطقة؛ حيث يتغذى هذا المأزق الإيراني على مسارين متوازيين: الأول، إقليمي، تتمثل خطورته في استغلال طهران التماهي المذهبي كأداة ناعمة لاختراق النسيج الاجتماعي لدول الخليج العربي التي باتت المتضرر الأكبر من هذا السلوك. والثاني: دولي، يكمن في تعمد الغرب والولايات المتحدة انتهاج «سياسة الجمود الاستراتيجي المتعمد» والاكتفاء بإدارة الأزمة بدلاً من تفكيكها وحلها، بما يضمن تأمين مصالحهم الخاصة، وهو ما يضعنا أمام ضرورة تفكيك هذه الجدلية عبر ثلاثة محاور رئيسية:
المحور الأول: يتجسد في أن النظام الإيراني نفسه بات محاصرا داخل صيغة سياسية مأزومة ترفض منطق «الدولة القومية الطبيعية» وتصر على العمل كـ«أداة لنشر الآيديولوجيا وهذا الإجراء يكلف الخزينة الإيرانية باهظاً، ويكون على حساب المواطن الإيراني الذي بات يعاني من تصاعد معدلات التضخم والفقر. فمن جهة أصبحت كلفة الحروب الإقليمية والمواجهات بالوكالة تفوق قدرة الاقتصاد الإيراني المتهالك، وخاصة مع تصاعد الاحتقان الشعبي في الداخل جراء الأزمات المعيشية.
ومن جهة أخرى، فإن ذهاب النظام نحو «سلام حقيقي» وتصفير الأزمات مع جيرانه يعني حتمية تخليه عن مبدأ «تصدير الثورة» المنصوص عليه في المادة 154 من الدستور الإيراني. هذا التراجع سيجرد النظام من مبرر وجوده وحالة التعبئة العامة، مما يعرض شرعيته للتآكل الكامل. هذا العجز عن خوض حرب مباشرة شاملة خوفاً من السقوط، والرعب من كلفة السلام خوفاً من الانكشاف، يضعان دولة الملالي في حالة شلل استراتيجي يهددها بالانهيار التلقائي من الداخل.
أما المحور الثاني: فيتمثل في المأزق الذي يعيشه النظام؛ فهو لا ينكفئ نحو الداخل بل يصدر أزمته مستهدفاً دول الخليج العربي التي تعد المتضرر الأكبر من هذا السلوك العدواني. تعتمد طهران هنا على «استراتيجية ناعمة» بالغة الخطورة، تقوم على استغلال «التماهي المذهبي» والديني لدى بعض الفئات الشعبية في المجتمعات الخليجية. ويسعى الخطاب الأيديولوجي الإيراني إلى نزع الانتماء الوطني واستبداله بولاء عابر للحدود يخدم مشروع الولي الفقيه. هذا الاختراق لا يهدف فقط إلى إيجاد خلايا موالية، بل يسعى عمداً إلى تحويل التنوع الاجتماعي الطبيعي في الخليج إلى بؤر توتر سياسي، واستخدام هذا التعاطف كأوراق ضغط وأدوات لتعطيل القرار الوطني الخليجي من الداخل عند أي مواجهة إقليمية.
أما المحور الثالث: فيتجلى في التواطؤ الغربي من خلال استراتيجية «الفشل الممنهج» وإعلاء المصالح. وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا لم يضع المجتمع الدولي حداً لهذا التهديد؟
الحقيقة أن الغرب والولايات المتحدة لم يفشلا عجزاً، بل «أرادا» هذا الفشل وتعمدا إبقاء الأزمة معلقة حيث يتعامل الغرب مع طهران بمنطق «إدارة السلوك» وليس «إنهاء الخطر». فإبقاء بعبع إيراني يهدد المنطقة يضمن استمرار المصالح الغربية الضخمة، وعلى رأسها تدفق مبيعات السلاح بمليارات الدولارات، ولعل الاتفاق النووي لعام 2015 يجسد هذا النهج بوضوح؛ حيث حيد الغرب الخطر الذي يهدده (الملف النووي)، وتجاهل تماماً خطر الصواريخ الباليستية الإيرانية والمليشيات التابعة لطهران، وهي الملفات التي تمس الأمن القومي الخليجي بشكل مباشر، تفضيلاً لبقاء نظام ضعيف ومحاصر على بديل مجهول قد يهدد تدفقات الطاقة العالمية. إن هذه الاستراتيجية ليست وليدة اليوم، وإنما منذ أمد بعيد؛ وهي التي أرسى قواعدها مهندس الدبلوماسية الأمريكية وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر في عهد الرئيسين نيكسون وفورد في سبعينيات القرن الماضي. والمصطلح المعروف بـ بالواقعية السياسية التي تقوم على إدارة النزاعات واستغلالها لخدمة المصالح الاستراتيجية وتوازن القوى، وليس إطفاء الحرائق أو حل الصراعات بشكل جذري.
وقد طبق كيسنجر هذه الاستراتيجية في عدد من الصراعات الدولية، ومنها ما حدث خلال حرب أكتوبر 1973 فلم يكن هدفه إنهاء الحرب سريعاً بقدر ما كان هندسة نتائجها لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الأمريكية؛ حيث أدار كيسنجر هذا «الحريق» خطوة بخطوة، فبعد وقف إطلاق النار، رفض كيسنجر الذهاب إلى مؤتمر سلام شامل يحل القضية من جذورها. بدلا من ذلك قاد مفاوضات منفردة للفصل بين القوات (مصر وإسرائيل، وسوريا وإسرائيل). هذه الطريقة جزأت الصراع، وجعلت القاهرة وتل أبيب تعتمدان كلياً على الوساطة الأمريكية. باختصار فإن كيسنجر لم يتدخل لإطفاء حرب أكتوبر فور اندلاعها، بل ترك نيرانها تشتعل بالقدر الذي يسمح بإنهاك الطرفين، ثم يتدخل ليوظف الرماد في بناء خريطة سياسية جديدة تضمن التبعية الكاملة لأمريكا في المنطقة.
في المشهد الحالي للمواجهة الأمريكية الإيرانية، نقول: ما أشبه الليلة بالبارحة؛ حيث يسير الرئيس ترامب على النهج «الكيسنجري» فهو لا يريد إنهاء النظام الإيراني بالضربة القاضية، لأنه يدرك تماماً أن هذا التوجه لا يخدم الاستراتيجية الأمريكية على المديين القريب والبعيد. ولذلك، فإن هدفه من هذا الصراع إضعاف جسد النظام وإنهاكه. تأسيساً على ما تقدم، يتضح أن المشهد الإقليمي الراهن يتجاوز مجرد أزمة سياسية عابرة، ليتحول إلى صراع استراتيجي مركب؛ فنظام الولي الفقيه يقف اليوم في أضعف حالاته التاريخية، عاجزاً عن الحسم وعاجزاً عن الانكفاء.
ومع ذلك، فإن الرهان على تغيير في السياسة الغربية أو التعويل على رغبة أمريكية في حسم الصراع لهو رهان على سراب؛ فالغرب يرى في بقاء إيران مشاغبة أداة مثالية لاستنزاف المنطقة وإدامة التبعية الأمنية والاقتصادية.
بناء عليه، فإن حماية الأمن القومي الخليجي لم تعد ترتبط بانتظار الحلول الدولية، بل بتبني إستراتيجية خليجية مستقلة وجامعة، ترتكز على محورين: تحصين الجبهات الداخلية فكرياً واجتماعياً لقطع دابر الاختراق المذهبي، وتعميق التحالفات السياسية والعسكرية المستقلة لفرض معادلة ردع جديدة تجبر طهران والشرق والغرب معاً على احترام سيادة الخليج العربي ومصالحه العليا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك