ربما كان منطقيا أكثر لو شكل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لجنة أمريكية رفيعة المستوى لتكريم الأكثر تطرفا وتوحشا. فلقد أصيب الرئيس ترامب بحالة ذهول حين تناهى إلى أسماعه خبر تخصيص لجنة نوبل للسلام جائزة هذا العام للقاضية الجنوب إفريقية نافي بيلاي.
يصعق الإنسان حين يفكر مجرد التفكير بأن شخصية مثل الرئيس ترامب بسجله في إشعال الحروب يمكن أن يحصل على جائزة نوبل، وذلك بعد الحروب التي شنها في غير مكان من العالم وهو لا يتوقف عن الادعاء بأن الولايات المتحدة هي الأعظم والأقوى والتي تمتلك قوة عسكرية، تستطيع أن تفعل ما تشاء ضد أي قوة تشاء بناء على مزاج ترامب وقواعده الأخلاقية.
منذ الأيام الأولى من ولايته الثانية، شن حرباً تجارية على معظم دول العالم بادعاء أنه يسترد حقوقاً للولايات المتحدة تعرضت للسرقة من قبل الحلفاء وغير الحلفاء.
شن الحرب على أوروبا وعلى حلف الناتو، وقام بقرصنة على فنزويلا وأخرى على جرينلاند وخليج المكسيك وشن حرباً على إيران تضررت بسببها دول الخليج والمنطقة ولا تزال مستمرة حتى الآن.
أما حربه على المحكمة الجنائية الدولية فقد بدأت خلال فترته الرئاسية الأولى، ثم تابع هذه الحرب على واحدة من أهم منصات العدالة الدولية، التي تعرضت لعقوبات جديدة بمجرد أن أصدرت لجنة نوبل قرارها بمنح الجائزة هذا العام للقاضية الجنوب إفريقية.
ذلك أن العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها في المرة الأولى كان بعضها بسبب ملاحقة مزاعم جرائم حرب تكون ارتكبتها القوات الأمريكية خلال غزوها واحتلالها لأفغانستان قبل أن تهرب من الجحيم.
أما حربه على المحكمة خلال مرحلته الحالية فهي لأسباب تتعلق بالدفاع عن إسرائيل، ولمنعها من ملاحقة مجرمي الحرب، بالإضافة طبعاً إلى أسباب ذاتية تتعلق برغبته الشديدة في الحصول على جائزة نوبل، ليست فقط الجنائية الدولية ومدعوها العامون وقضاتها، من تعرضوا ويتعرضون لعقوبات أمريكية شديدة، وإنما علينا أن نتذكر قرارات ترامب لإسكات صوت المدافعة عن حقوق الإنسان فرانشيسكا البانيز.
ليس هذا وحسب بل إن الرئيس ترامب أصدر قراراً تنفيذياً بإسكات منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، من مؤسسة الضمير إلى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إلى مركز الميزان لحقوق الإنسان ومؤسسة الحق، بسبب أدوارها في تقديم البيانات والدلائل التي تدين إسرائيل لمحكمة الجنايات الدولية.
ترامب يشن حرباً بالوكالة للدفاع عن مرتكبي جرائم حرب ضد الإنسانية والقانون الدولي، ويرتكبون أفظع جرائم الإبادة الجماعية، والتجويع والحصار الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، ويرتكبون أفظع الجرائم في الضفة والقدس عبر الاستيطان والتدمير، والتهجير وسرقة الأرض، والإرهاب الذي تمارسه المليشيات بمشاركة ودعم وحماية من جيش الاحتلال وحكومة نتنياهو.
يدعي ترامب أنه قام بدور حاسم في تحقيق السلام في ثماني مناطق يكاد الإنسان لا يتذكر أنها تعاني من حروب تهدد الأمن والسلام، بينما يتجاهل فشله في الحرب في أوكرانيا ويتجاهل الحرب في السودان، والمهزلة أنه يدعي وقف الحرب وتحقيق السلام بين إسرائيل و«حماس» على حد زعمه.
يحمل ترامب كل هذه الادعاءات، والتي تدعو إلى السخرية، إلى اللقاءات الجماهيرية التي يقيمها أنصاره في الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار حملته لدعم المرشحين الجمهوريين في الانتخابات النصفية بعد نحو ثلاثة أسابيع دون أن يدرك أن ما يروجه سيترك انطباعات سلبية عنه وعلى مرشحي حزبه.
غير أن واحدة من أبرز السقطات التي يقع فيها رئيس حتى لدولة صغيرة وليست الدولة الأقوى في العالم، حين يدعي أنه لم يسمع عن القاضية نافي بيلاي، ويعتبرها نكرة، وهو بهذا إما أن يكون جاهلاً أو أنه يستهتر بجمهور المستمعين لخطاباته.
وفيما تسعى الولايات المتحدة إلى تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، بعد أن حاولت تفكيك مؤسسات دولية ذات طابع تاريخي مثل الأونروا ومنظمة الصحة العالمية، فإن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، يعتبرها محكمة مارقة وأنه سيقطع عنها كل مواردها بهدف شل قدرتها على العمل وحظر كل أنواع وأشكال التعاملات معها.
تستطيع الولايات المتحدة أن تفعل كل ذلك، فهي التي تسيطر وتتحكم في التعاملات المالية ولديها إمكانيات حقيقية فاعلة في التأثير في المحكمة، وتنشر الخوف لإسكات أي أصوات.
أما إسرائيل التي لم تتوقف عن إعلان العداء للمحكمة، وتمارس كل أشكال الضغط عليها، وتتهمها بمعاداة السامية ودعم الإرهاب فهي تمتلك مهارات من نوع مختلف، تجيد إسرائيل عمليات التخطيط لإسقاط المستهدفين وابتزازهم، كما تفعل مع الطبقة السياسية الأمريكية وغيرها من السياسيين حتى في الدول الحليفة.
لم تستسلم فرانشيسكا البانيز، واستمرت في عملها دون أي استعداد للتراجع، وتستمر منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية رغم تأثرها الشديد والعميق بالعقوبات الأمريكية، ويستمر قضاة المحكمة الجنائية في خوض التحدي ومواصلة تحقيقاتها.
لقد أظهرت المحكمة الجنائية الدولية ضعفاً حين أصدت مذكرة اعتقال بحق الرئيس بوتين بعد أسابيع من الحرب، بينما تأخرت كثيراً حين أصدرت مذكرة اعتقال بحق نتنياهو وجالانت، وكان عليها أن تتابع التحقيقات لملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين الآخرين، والجماعات الاستيطانية الإرهابية.
المحكمة بعد حالة العداء التي تعلنها الولايات المتحدة وإسرائيل تشكل عملياً، صفحة حرب حقيقية بين هؤلاء وأنصار العدالة الدولية، ويلفت النظر البيان الذي صدر عن وزراء خارجية كندا والدانمارك وألمانيا وفرنسا، وإيطاليا واليابان وهولندا وبريطانيا، ويؤكد دعمهم المستمر والثابت للمحكمة، والسؤال: أين يقف العرب والمسلمون من هذه الحرب وهم يملكون إمكانيات تعزز قدرة المحكمة على مواصلة عملها؟
{ كاتب ومحلل سياسي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك