العدد : ١٧٧٤٤ - الخميس ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٤ - الخميس ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أقرب إليه من حبل الوريد

بقلم: نبيلة رجب {

الخميس ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

أحبُّ‭ ‬العفوية‭ ‬في‭ ‬مناجاة‭ ‬الله؛‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬ما‭ ‬يشغلنا‭ ‬بكلماتنا،‭ ‬مطمئنين‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬يعلم‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬قلوبنا،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬نحسن‭ ‬التعبير‭ ‬عنه‭. ‬أحيانًا‭ ‬ندعو‭ ‬بدعاء‭ ‬تعلَّمناه‭ ‬من‭ ‬أمّ‭ ‬أو‭ ‬أب،‭ ‬وما‭ ‬زلنا‭ ‬نتذكَّر‭ ‬صوته‭ ‬وهو‭ ‬يردّده،‭ ‬ثم‭ ‬نضيف‭ ‬إليه‭ ‬ما‭ ‬جاءت‭ ‬به‭ ‬حياتنا‭ ‬من‭ ‬قلق‭ ‬على‭ ‬الأبناء،‭ ‬أو‭ ‬رجاء‭ ‬في‭ ‬شفاء،‭ ‬أو‭ ‬طلب‭ ‬للرزق‭.‬

وجدتُ‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬حكاية‭ ‬رمزية‭ ‬يرويها‭ ‬جلال‭ ‬الدين‭ ‬الرومي‭ ‬في‭ ‬‮«‬المثنوي‮»‬،‭ ‬عن‭ ‬النبي‭ ‬موسى‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬وراعٍ‭ ‬يتمنى‭ ‬لو‭ ‬يقدّم‭ ‬لربه‭ ‬اللبن،‭ ‬ويخدمه‭ ‬ويسهر‭ ‬على‭ ‬راحته‭ ‬كما‭ ‬يفعل‭ ‬مع‭ ‬ضيف‭ ‬عزيز‭. ‬يسمع‭ ‬موسى‭ ‬كلامه،‭ ‬فينكره‭ ‬عليه‭ ‬لما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬وصف‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ ‬بالله،‭ ‬فيمضي‭ ‬الراعي‭ ‬حزينًا‭. ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬العتاب‭ ‬لموسى،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الحكاية،‭ ‬لأنه‭ ‬أبعد‭ ‬عبدًا‭ ‬كان‭ ‬يناجي‭ ‬ربه،‭ ‬فيخرج‭ ‬يبحث‭ ‬عنه‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬يصوّر‭ ‬الرومي‭ ‬اختلاف‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬طباعهم‭ ‬وطرائق‭ ‬تعبيرهم،‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يخفى‭ ‬وراء‭ ‬العبارة‭ ‬من‭ ‬محبة‭.‬

أكثر‭ ‬ما‭ ‬لامس‭ ‬قلبي‭ ‬في‭ ‬الحكاية‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الراعي‭ ‬فهمه‭ ‬من‭ ‬التوبيخ؛‭ ‬فقد‭ ‬ظنّ‭ ‬أن‭ ‬دعاءه‭ ‬غير‭ ‬مقبول،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬أراد‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬محبته‭ ‬لله‭. ‬ومن‭ ‬يشعر‭ ‬بذلك‭ ‬قد‭ ‬يصعب‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬مناجاته‭ ‬بالعفوية‭ ‬نفسها،‭ ‬إذ‭ ‬ينشغل‭ ‬بمراجعة‭ ‬كل‭ ‬كلمة،‭ ‬ويخشى‭ ‬أن‭ ‬يخطئ‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

قد‭ ‬نعتاد‭ ‬سماع‭ ‬الدعاء‭ ‬بصيغة‭ ‬معينة،‭ ‬حتى‭ ‬نظن‭ ‬أنها‭ ‬الطريقة‭ ‬الوحيدة‭ ‬المناسبة‭. ‬فإذا‭ ‬سمعنا‭ ‬إنسانًا‭ ‬يدعو‭ ‬بكلماته‭ ‬البسيطة‭ ‬ولهجته‭ ‬اليومية،‭ ‬استغربنا‭ ‬كلامه‭. ‬وأتساءل‭ ‬هنا‭: ‬هل‭ ‬وجدنا‭ ‬في‭ ‬عبارته‭ ‬خطأً،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬تختلف‭ ‬عما‭ ‬تعوّدنا‭ ‬سماعه؟‭ ‬هذا‭ ‬الفارق‭ ‬يستحق‭ ‬التأمل؛‭ ‬فما‭ ‬نألفه‭ ‬قد‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬حكمنا‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ننتبه‭.‬

يمتد‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الناس؛‭ ‬لباسهم،‭ ‬وطريقة‭ ‬حديثهم،‭ ‬وما‭ ‬يظهر‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬عبادتهم‭. ‬قد‭ ‬نكوّن‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬صورة‭ ‬عن‭ ‬إيمان‭ ‬شخص،‭ ‬ثم‭ ‬نتعامل‭ ‬معه‭ ‬كأننا‭ ‬عرفناه‭ ‬كله‭. ‬لكننا‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬ما‭ ‬يراجعه‭ ‬في‭ ‬نفسه،‭ ‬ولا‭ ‬ما‭ ‬يحاول‭ ‬تغييره،‭ ‬ولا‭ ‬الخير‭ ‬الذي‭ ‬يفعله‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬أعيننا‭. ‬لهذا‭ ‬أتردد‭ ‬أمام‭ ‬وصف‭ ‬إنسان‭ ‬بأنه‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬غيره؛‭ ‬فما‭ ‬أعرفه‭ ‬عنه‭ ‬يظل‭ ‬أقل‭ ‬مما‭ ‬أجهله‭.‬

وفي‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭: (‬ولقد‭ ‬خلقنا‭ ‬الإنسان‭ ‬ونعلم‭ ‬ما‭ ‬توسوس‭ ‬به‭ ‬نفسه‭ ‬ونحن‭ ‬أقرب‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬حبل‭ ‬الوريد‭). ‬أجد‭ ‬في‭ ‬الآية‭ ‬طمأنينة؛‭ ‬فما‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬شرحه‭ ‬يعلمه‭ ‬الله،‭ ‬وما‭ ‬أبحث‭ ‬له‭ ‬عن‭ ‬عبارة‭ ‬لا‭ ‬يخفى‭ ‬عليه‭. ‬ويجمع‭ ‬الحديث‭ ‬الشريف‭ ‬بين‭ ‬القلب‭ ‬والعمل‭: ‬‮«‬إن‭ ‬الله‭ ‬لا‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬صوركم‭ ‬وأموالكم،‭ ‬ولكن‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬قلوبكم‭ ‬وأعمالكم‮»‬‭. ‬وحين‭ ‬أتأمل‭ ‬هذا‭ ‬المعنى،‭ ‬يبدو‭ ‬لي‭ ‬التمهّل‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الإنصاف‭ ‬مع‭ ‬أناس‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬من‭ ‬حياتهم‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬ظهر‭ ‬لي‭.‬

ولهذا‭ ‬الاحترام‭ ‬مكانه‭ ‬في‭ ‬الدستور‭ ‬البحريني؛‭ ‬فقد‭ ‬نصّت‭ ‬المادة‭ ‬الثانية‭ ‬والعشرون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬حرية‭ ‬الضمير‭ ‬مطلقة،‭ ‬وكفلت‭ ‬حرية‭ ‬القيام‭ ‬بشعائر‭ ‬الأديان‭ ‬طبقًا‭ ‬للعادات‭ ‬المرعية‭ ‬في‭ ‬البلد‭. ‬وأجد‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬الحماية‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬تجمع‭ ‬أصحاب‭ ‬المعتقدات‭ ‬المختلفة‭ ‬تحت‭ ‬ضمانة‭ ‬يعرفونها‭ ‬جميعًا‭. ‬يستطيع‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يتمسك‭ ‬بإيمانه،‭ ‬ويطمئن‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اختلاف‭ ‬الآخرين‭ ‬عنه‭ ‬محميّ‭ ‬بالقانون‭ ‬الذي‭ ‬يحميه‭.‬

ويمتد‭ ‬هذا‭ ‬التأمل‭ ‬عندي‭ ‬إلى‭ ‬أناس‭ ‬نشاركهم‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية‭ ‬وتختلف‭ ‬أديانهم‭ ‬عن‭ ‬ديننا‭. ‬ففي‭ ‬بيوت‭ ‬كثيرة‭ ‬تعيش‭ ‬عاملة‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬بعيد،‭ ‬تحمل‭ ‬معها‭ ‬لغتها‭ ‬ومعتقدها‭ ‬ومناسباتها‭. ‬نعرف‭ ‬مواعيد‭ ‬عملها‭ ‬وما‭ ‬تتقنه،‭ ‬وقد‭ ‬نعرف‭ ‬أسماء‭ ‬أبنائها،‭ ‬لكننا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬ننتبه‭ ‬إلى‭ ‬يوم‭ ‬تنتظره،‭ ‬أو‭ ‬مناسبة‭ ‬تزيد‭ ‬فيها‭ ‬وحشتها‭ ‬لأهلها‭. ‬ومع‭ ‬طول‭ ‬الإقامة،‭ ‬يسهل‭ ‬أن‭ ‬نعتاد‭ ‬وجودها‭ ‬ونغفل‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭.‬

اعتدتُ‭ ‬أن‭ ‬أذكر‭ ‬العاملة‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬معنا‭ ‬في‭ ‬مناسباتها‭ ‬الدينية،‭ ‬ولو‭ ‬بهدية‭ ‬رمزية‭. ‬وما‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬هو‭ ‬فرحتها‭ ‬بتلك‭ ‬اللفتة‭. ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تعنيه‭ ‬لها‭ ‬المناسبة،‭ ‬لكنني‭ ‬أعرف‭ ‬أنها‭ ‬تفرح‭ ‬بها،‭ ‬وهذا‭ ‬يكفيني‭ ‬للاهتمام‭. ‬ولا‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬معرفة‭ ‬واسعة‭ ‬بعقيدتها؛‭ ‬فالسؤال‭ ‬عن‭ ‬يومها،‭ ‬والانتباه‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يسعدها،‭ ‬يفتحان‭ ‬بيننا‭ ‬حديثًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬شؤون‭ ‬العمل‭ ‬المعتادة،‭ ‬ويجعلان‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬واحد‭ ‬أكثر‭ ‬مودة‭.‬

يسهل‭ ‬عليّ‭ ‬تقبّل‭ ‬النصيحة‭ ‬عندما‭ ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬صاحبها‭ ‬يحاول‭ ‬فهمي،‭ ‬ويترك‭ ‬لي‭ ‬فرصة‭ ‬أن‭ ‬أشرح‭ ‬ما‭ ‬قصدته‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬قوبل‭ ‬السؤال‭ ‬باستغراب‭ ‬أو‭ ‬تشكيك‭ ‬في‭ ‬الإيمان،‭ ‬فقد‭ ‬أسكت‭ ‬ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬معي‭. ‬ويؤسفني‭ ‬أن‭ ‬يبدو‭ ‬هذا‭ ‬السكوت‭ ‬اقتناعًا،‭ ‬بينما‭ ‬يكون‭ ‬صاحبه‭ ‬قد‭ ‬فقد‭ ‬اطمئنانه‭ ‬إلى‭ ‬الحديث،‭ ‬وصار‭ ‬أكثر‭ ‬حذرًا‭ ‬في‭ ‬إظهار‭ ‬ما‭ ‬يفكر‭ ‬فيه‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬حكاية‭ ‬الراعي‭ ‬عن‭ ‬اختلاف‭ ‬الأديان،‭ ‬لكنها‭ ‬جعلتني‭ ‬أتوقف‭ ‬أمام‭ ‬سهولة‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬وربه‭. ‬يطمئنني‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬يعلم‭ ‬مني‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يعرفه‭ ‬الناس،‭ ‬وأرجو‭ ‬أن‭ ‬يجعلني‭ ‬هذا‭ ‬الاطمئنان‭ ‬أرفق‭ ‬بما‭ ‬أجهله‭ ‬عن‭ ‬غيري‭. ‬وحين‭ ‬أرى‭ ‬فرحة‭ ‬العاملة‭ ‬بهديتها،‭ ‬لا‭ ‬أحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نتفق‭ ‬في‭ ‬المعتقد‭ ‬حتى‭ ‬أفهمها‭. ‬يكفينا‭ ‬أن‭ ‬فرحًا‭ ‬يخصها‭ ‬وجد‭ ‬ترحيبًا‭ ‬عندي‭.‬

 

{‭ ‬قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

‭ ‬nabeelarajab‭.‬blogspot‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا