أحبُّ العفوية في مناجاة الله؛ أن نقول ما يشغلنا بكلماتنا، مطمئنين إلى أنه يعلم ما في قلوبنا، حتى عندما لا نحسن التعبير عنه. أحيانًا ندعو بدعاء تعلَّمناه من أمّ أو أب، وما زلنا نتذكَّر صوته وهو يردّده، ثم نضيف إليه ما جاءت به حياتنا من قلق على الأبناء، أو رجاء في شفاء، أو طلب للرزق.
وجدتُ شيئًا من هذا المعنى في حكاية رمزية يرويها جلال الدين الرومي في «المثنوي»، عن النبي موسى عليه السلام وراعٍ يتمنى لو يقدّم لربه اللبن، ويخدمه ويسهر على راحته كما يفعل مع ضيف عزيز. يسمع موسى كلامه، فينكره عليه لما فيه من وصف لا يليق بالله، فيمضي الراعي حزينًا. ثم يأتي العتاب لموسى، في سياق الحكاية، لأنه أبعد عبدًا كان يناجي ربه، فيخرج يبحث عنه. ومن خلال هذا الحوار يصوّر الرومي اختلاف الناس في طباعهم وطرائق تعبيرهم، وما قد يخفى وراء العبارة من محبة.
أكثر ما لامس قلبي في الحكاية هو ما قد يكون الراعي فهمه من التوبيخ؛ فقد ظنّ أن دعاءه غير مقبول، وهو الذي أراد التعبير عن محبته لله. ومن يشعر بذلك قد يصعب عليه أن يعود إلى مناجاته بالعفوية نفسها، إذ ينشغل بمراجعة كل كلمة، ويخشى أن يخطئ من جديد.
قد نعتاد سماع الدعاء بصيغة معينة، حتى نظن أنها الطريقة الوحيدة المناسبة. فإذا سمعنا إنسانًا يدعو بكلماته البسيطة ولهجته اليومية، استغربنا كلامه. وأتساءل هنا: هل وجدنا في عبارته خطأً، أم أنها تختلف عما تعوّدنا سماعه؟ هذا الفارق يستحق التأمل؛ فما نألفه قد يؤثر في حكمنا من غير أن ننتبه.
يمتد الأمر إلى ما نراه من حياة الناس؛ لباسهم، وطريقة حديثهم، وما يظهر لنا من عبادتهم. قد نكوّن من هذه التفاصيل صورة عن إيمان شخص، ثم نتعامل معه كأننا عرفناه كله. لكننا لا نعرف ما يراجعه في نفسه، ولا ما يحاول تغييره، ولا الخير الذي يفعله بعيدًا عن أعيننا. لهذا أتردد أمام وصف إنسان بأنه أقرب إلى الله من غيره؛ فما أعرفه عنه يظل أقل مما أجهله.
وفي القرآن الكريم: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد). أجد في الآية طمأنينة؛ فما لا أستطيع شرحه يعلمه الله، وما أبحث له عن عبارة لا يخفى عليه. ويجمع الحديث الشريف بين القلب والعمل: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». وحين أتأمل هذا المعنى، يبدو لي التمهّل في الحكم أقرب إلى الإنصاف مع أناس لا أعرف من حياتهم إلا ما ظهر لي.
ولهذا الاحترام مكانه في الدستور البحريني؛ فقد نصّت المادة الثانية والعشرون على أن حرية الضمير مطلقة، وكفلت حرية القيام بشعائر الأديان طبقًا للعادات المرعية في البلد. وأجد قيمة هذه الحماية في أنها تجمع أصحاب المعتقدات المختلفة تحت ضمانة يعرفونها جميعًا. يستطيع الإنسان أن يتمسك بإيمانه، ويطمئن في الوقت نفسه إلى أن اختلاف الآخرين عنه محميّ بالقانون الذي يحميه.
ويمتد هذا التأمل عندي إلى أناس نشاركهم حياتنا اليومية وتختلف أديانهم عن ديننا. ففي بيوت كثيرة تعيش عاملة جاءت من بلد بعيد، تحمل معها لغتها ومعتقدها ومناسباتها. نعرف مواعيد عملها وما تتقنه، وقد نعرف أسماء أبنائها، لكننا قد لا ننتبه إلى يوم تنتظره، أو مناسبة تزيد فيها وحشتها لأهلها. ومع طول الإقامة، يسهل أن نعتاد وجودها ونغفل عن هذه التفاصيل.
اعتدتُ أن أذكر العاملة التي تعيش معنا في مناسباتها الدينية، ولو بهدية رمزية. وما يبقى في نفسي هو فرحتها بتلك اللفتة. لا أعرف كل ما تعنيه لها المناسبة، لكنني أعرف أنها تفرح بها، وهذا يكفيني للاهتمام. ولا يتطلب الأمر معرفة واسعة بعقيدتها؛ فالسؤال عن يومها، والانتباه إلى ما يسعدها، يفتحان بيننا حديثًا يتجاوز شؤون العمل المعتادة، ويجعلان العيش في بيت واحد أكثر مودة.
يسهل عليّ تقبّل النصيحة عندما أشعر أن صاحبها يحاول فهمي، ويترك لي فرصة أن أشرح ما قصدته. أما إذا قوبل السؤال باستغراب أو تشكيك في الإيمان، فقد أسكت ويبقى السؤال معي. ويؤسفني أن يبدو هذا السكوت اقتناعًا، بينما يكون صاحبه قد فقد اطمئنانه إلى الحديث، وصار أكثر حذرًا في إظهار ما يفكر فيه.
لم تكن حكاية الراعي عن اختلاف الأديان، لكنها جعلتني أتوقف أمام سهولة الحكم على ما بين الإنسان وربه. يطمئنني أن الله تعالى يعلم مني ما لا يعرفه الناس، وأرجو أن يجعلني هذا الاطمئنان أرفق بما أجهله عن غيري. وحين أرى فرحة العاملة بهديتها، لا أحتاج إلى أن نتفق في المعتقد حتى أفهمها. يكفينا أن فرحًا يخصها وجد ترحيبًا عندي.
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com
nabeelarajab.blogspot.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك