لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ثورة تقنية تَعِد بتطوير الإنتاج وتحسين الخدمات، بل أصبح أحد العوامل التي تعيد تشكيل موازين القوة في النظام الدولي. فالتنافس على تطوير النماذج الأكثر تقدمًا لم يعد منفصلًا عن الصراع على النفوذ الاقتصادي والتفوق العسكري والقدرة على التأثير في القرارات الاستراتيجية. وفي عالم تتزايد فيه أهمية البيانات وسرعة المعالجة ودقة التنبؤ، بات التفوق التكنولوجي عنصرًا من عناصر القوة الشاملة، لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو القدرات الصناعية أو التحالفات السياسية.
وتكمن خصوصية هذا السباق في أنه يجري إلى حد كبير بعيدًا عن الأنظار. فبينما تظهر المنافسة التقليدية في التحركات العسكرية والاتفاقيات السياسية والمواجهات الاقتصادية، يتقدم التنافس في الذكاء الاصطناعي داخل مراكز الأبحاث ومصانع الرقائق ومنصات الحوسبة العملاقة وشبكات البيانات.
ومع ذلك، فإن نتائجه تتجاوز هذه المواقع لتنعكس على قدرة الدول على جمع المعلومات وتحليلها، وإدارة الأزمات، وتطوير الأسلحة، وحماية البنى التحتية، بل وتوجيه الأسواق والتأثير في الرأي العام. ومن ثم، فإن من يمتلك أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة لا يمتلك تقنية جديدة فحسب، بل يكتسب قدرة أكبر على فهم البيئة الدولية والتأثير في مساراتها.
وتتصدر الولايات المتحدة والصين هذا التنافس، وإن اختلفت أدوات كل منهما وأولوياته. فالولايات المتحدة تستند إلى منظومة متكاملة تجمع الشركات التقنية الكبرى والجامعات ومراكز البحث ورأس المال الاستثماري، فضلًا عن قدرتها على التأثير في سلاسل توريد التكنولوجيا المتقدمة. أما الصين، فتسعى إلى تقليص الفجوة التقنية، مستفيدة من حجم سوقها، وقدرتها على تعبئة الموارد، وتكامل سياساتها الصناعية والتكنولوجية. ولا يدور التنافس بين الطرفين حول تطوير نماذج أكثر كفاءة فحسب، بل يمتد إلى امتلاك البنية التحتية التي تتيح تدريب هذه النماذج وتشغيلها على نطاق واسع، والتحكم في المكونات الأساسية اللازمة لذلك.
وتكشف الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة أن المنافسة لا تُحسم بالابتكار وحده. فالنموذج الذكي يحتاج إلى رقائق متطورة، وطاقة، وقدرات تخزين ومعالجة، وبيانات واسعة، وكفاءات بشرية قادرة على التطوير والتشغيل. ولهذا، باتت أشباه الموصلات إحدى أكثر حلقات السباق حساسية، وأصبحت القيود المفروضة على تصدير بعض التقنيات المتقدمة أداة من أدوات التنافس الجيوسياسي. فحين تتحكم دولة في الوصول إلى الرقائق أو معدات تصنيعها أو البنية التحتية اللازمة لتشغيل النماذج المتقدمة، فإنها تستطيع التأثير في سرعة تقدم منافسيها، وتوسيع هامش تفوقها في قطاعات مدنية وعسكرية على السواء.
وهنا تتضح حقيقة أساسية: إن القوة في عصر الذكاء الاصطناعي لا تتحدد فقط بمن يطور التقنية، وإنما أيضًا بمن يملك مفاتيح تشغيلها وتوسيع نطاق استخدامها. وقد تتحول الشركات التي تسيطر على الحوسبة السحابية والرقائق والنماذج الأساسية إلى أطراف ذات نفوذ يتجاوز حدودها الاقتصادية، لأنها تملك أدوات تحتاج إليها الحكومات والمؤسسات والقطاعات الحيوية. وبهذا المعنى، لم تعد الحدود الفاصلة بين القوة الاقتصادية والقوة السياسية واضحة كما كانت، إذ أصبح القرار التجاري المتعلق بإتاحة التكنولوجيا أو تقييدها قادرًا على إحداث آثار استراتيجية واسعة.
ولا يعني هذا التنافس أن بقية القوى الكبرى فقدت قدرتها على التأثير، لكنه يضعها أمام تحديات متزايدة تتعلق بامتلاك التكنولوجيا أو ضمان الوصول إليها بشروط لا تنتقص من استقلالها. فالدول المتوسطة، حتى تلك التي تمتلك اقتصادات قوية ومؤسسات متقدمة، قد تجد نفسها معتمدة على أطراف خارجية في مكونات أساسية من منظومتها الرقمية. ولا تقتصر مخاطر هذا الاعتماد على الكلفة الاقتصادية، بل تشمل احتمال تعرض البيانات الحساسة أو البنى التحتية الحيوية للنفوذ الخارجي، فضلًا عن تراجع القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة عندما تصبح الخيارات التقنية محكومة بمصالح الموردين ومواقف الدول التي ينتمون إليها.
ولا تقف الدول العربية بمعزل عن هذه التحولات، وإن تفاوتت قدراتها ومواقعها في السباق التكنولوجي. فبينما تمتلك بعض الدول العربية، ولا سيما في دول الخليج، إمكانات استثمارية وطموحات متقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي، تظل المسألة الأهم هي تحويل هذه الإمكانات إلى قدرة مستدامة على امتلاك المعرفة وتوطين التكنولوجيا. ولا يتطلب ذلك الانحياز الكامل إلى أحد القطبين، بقدر ما يتطلب تنويع الشراكات، والاستفادة من التنافس الدولي لنقل المعرفة وبناء القدرات الوطنية، بما يحول دون تحول الاعتماد التكنولوجي إلى مصدر للتبعية أو قيد على استقلال القرار.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع اتساع استخدامات الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري والأمني. فقد أصبحت الخوارزميات قادرة على دعم تحليل المعلومات الاستخباراتية، ورصد التحركات، وتحديد الأهداف، وتسريع عمليات التخطيط واتخاذ القرار. كما أن دمجها في أنظمة القيادة والسيطرة والطائرات المسيّرة والدفاع السيبراني يغيّر طبيعة الاستعداد للصراع وإدارته. ولا يعني ذلك أن التكنولوجيا ألغت دور الإنسان أو حسمت وحدها نتائج المواجهات، لكنه يعني أن سرعة معالجة المعلومات والقدرة على تحويلها إلى قرارات عملية باتتا عاملين حاسمين في تحديد ميزان المبادرة والتفوق.
وتثير هذه التطورات أسئلة تتجاوز الكفاءة العسكرية إلى حدود المسؤولية والسيطرة. فكلما ازدادت سرعة الأنظمة الذكية وتعقّد عملها، ازدادت الحاجة إلى ضمان الرقابة البشرية، والتحقق من المعلومات، وتحديد المسؤولية عن القرارات التي تتخذ بمساعدتها. وقد يؤدي الاعتماد المفرط على مخرجات الخوارزميات، ولا سيما في بيئات الأزمات، إلى أخطاء يصعب تداركها، أو إلى تصعيد غير مقصود نتيجة تقديرات غير دقيقة. لذلك، لا ينفصل التفوق التقني عن القدرة على إدارة مخاطره ووضع الضوابط التي تمنع تحوله إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار.
وتكمن إحدى مفارقات هذا السباق في أن التكنولوجيا التي تُقدَّم بوصفها أداة لزيادة الكفاءة قد توسّع، في الوقت نفسه، فجوات القوة بين الدول. فالدول التي تمتلك رأس المال والبنية التحتية والكوادر المؤهلة تستطيع تطوير قدراتها بوتيرة أسرع، بينما تواجه الدول الأقل امتلاكًا لهذه الموارد خطر اتساع الفجوة بينها وبين القوى المتقدمة. ولا يرتبط ذلك بالضرورة بغياب المواهب أو الأفكار، بقدر ما يرتبط بقدرة المؤسسات على تحويل المعرفة إلى منتجات وتطبيقات، وبناء بيئة تتيح البحث والابتكار والاستثمار طويل الأجل. ومن هنا، فإن المنافسة لا تدور حول التكنولوجيا ذاتها فحسب، بل حول النظم الاقتصادية والتعليمية والمؤسسية القادرة على إنتاجها وتطويرها.
وفي هذا السياق، تبرز السيادة الرقمية باعتبارها مفهومًا يتجاوز امتلاك الخوادم أو إنشاء مراكز البيانات أو استقطاب الشركات العالمية. فالسيادة لا تعني بالضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل، وهو هدف قد يكون مكلفًا وغير واقعي في ظل تشابك سلاسل الإنتاج العالمية، وإنما تعني امتلاك القدرة على إدارة الاعتماد المتبادل، وحماية البيانات، وتنويع مصادر التكنولوجيا، وبناء الكفاءات المحلية، والاحتفاظ بهامش حقيقي من الاستقلال في القرارات الاستراتيجية. فالدولة التي تستخدم أحدث التقنيات من دون أن تفهم آلياتها أو تتحكم في شروط الوصول إليها قد تحقق مكاسب سريعة، لكنها تظل معرضة لتغيرات خارجية لا تملك التأثير فيها.
إن سباق الذكاء الاصطناعي هو، في جوهره، سباق على شروط القوة في النظام الدولي المقبل. وقد يمنح التفوق التقني الدول والشركات نفوذًا واسعًا، لكنه لا يضمن وحده استقرارًا أكبر أو قرارات أكثر حكمة. وبالنسبة إلى الدول العربية، كما لغيرها من القوى المتوسطة، لا يكمن التحدي في تجنب هذا السباق، بل في المشاركة فيه من موقع يتيح الاستفادة من فرصه دون الارتهان لشروطه. فالفارق الحقيقي لن يكون بين من يمتلك التكنولوجيا ومن لا يمتلكها فحسب، بل بين من يستطيع توظيفها وتطوير قدراته من خلالها، ومن يظل معتمدًا على الآخرين في تشغيلها وتحديد حدود الاستفادة منها. وفي هذا الفارق تتحدد ملامح السيادة في العصر الرقمي.
{ باحث في الشؤون العربية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك