العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

كيف يمكن أن يغير الذكاء الاصطناعي موازين القوة في العالم؟

بقلم: خالد فياض

الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬يعد‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬مجرد‭ ‬ثورة‭ ‬تقنية‭ ‬تَعِد‭ ‬بتطوير‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتحسين‭ ‬الخدمات،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬أحد‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬موازين‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭. ‬فالتنافس‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬النماذج‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدمًا‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬منفصلًا‭ ‬عن‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتفوق‭ ‬العسكري‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬القرارات‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬وفي‭ ‬عالم‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬أهمية‭ ‬البيانات‭ ‬وسرعة‭ ‬المعالجة‭ ‬ودقة‭ ‬التنبؤ،‭ ‬بات‭ ‬التفوق‭ ‬التكنولوجي‭ ‬عنصرًا‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة،‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬أو‭ ‬القدرات‭ ‬الصناعية‭ ‬أو‭ ‬التحالفات‭ ‬السياسية‭.‬

وتكمن‭ ‬خصوصية‭ ‬هذا‭ ‬السباق‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬يجري‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الأنظار‭. ‬فبينما‭ ‬تظهر‭ ‬المنافسة‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬التحركات‭ ‬العسكرية‭ ‬والاتفاقيات‭ ‬السياسية‭ ‬والمواجهات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬يتقدم‭ ‬التنافس‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬داخل‭ ‬مراكز‭ ‬الأبحاث‭ ‬ومصانع‭ ‬الرقائق‭ ‬ومنصات‭ ‬الحوسبة‭ ‬العملاقة‭ ‬وشبكات‭ ‬البيانات‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬نتائجه‭ ‬تتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬المواقع‭ ‬لتنعكس‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬جمع‭ ‬المعلومات‭ ‬وتحليلها،‭ ‬وإدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬وتطوير‭ ‬الأسلحة،‭ ‬وحماية‭ ‬البنى‭ ‬التحتية،‭ ‬بل‭ ‬وتوجيه‭ ‬الأسواق‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬أدوات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬المتقدمة‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬تقنية‭ ‬جديدة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يكتسب‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬البيئة‭ ‬الدولية‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬مساراتها‭.‬

وتتصدر‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭ ‬هذا‭ ‬التنافس،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬أدوات‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬وأولوياته‭. ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تجمع‭ ‬الشركات‭ ‬التقنية‭ ‬الكبرى‭ ‬والجامعات‭ ‬ومراكز‭ ‬البحث‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬الاستثماري،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬توريد‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭. ‬أما‭ ‬الصين،‭ ‬فتسعى‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬الفجوة‭ ‬التقنية،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬سوقها،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تعبئة‭ ‬الموارد،‭ ‬وتكامل‭ ‬سياساتها‭ ‬الصناعية‭ ‬والتكنولوجية‭. ‬ولا‭ ‬يدور‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬حول‭ ‬تطوير‭ ‬نماذج‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬امتلاك‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬تدريب‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬وتشغيلها‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع،‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬المكونات‭ ‬الأساسية‭ ‬اللازمة‭ ‬لذلك‭.‬

وتكشف‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الضخمة‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬البيانات‭ ‬والحوسبة‭ ‬المتقدمة‭ ‬أن‭ ‬المنافسة‭ ‬لا‭ ‬تُحسم‭ ‬بالابتكار‭ ‬وحده‭. ‬فالنموذج‭ ‬الذكي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬رقائق‭ ‬متطورة،‭ ‬وطاقة،‭ ‬وقدرات‭ ‬تخزين‭ ‬ومعالجة،‭ ‬وبيانات‭ ‬واسعة،‭ ‬وكفاءات‭ ‬بشرية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التطوير‭ ‬والتشغيل‭. ‬ولهذا،‭ ‬باتت‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات‭ ‬إحدى‭ ‬أكثر‭ ‬حلقات‭ ‬السباق‭ ‬حساسية،‭ ‬وأصبحت‭ ‬القيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬تصدير‭ ‬بعض‭ ‬التقنيات‭ ‬المتقدمة‭ ‬أداة‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬التنافس‭ ‬الجيوسياسي‭. ‬فحين‭ ‬تتحكم‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الرقائق‭ ‬أو‭ ‬معدات‭ ‬تصنيعها‭ ‬أو‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬اللازمة‭ ‬لتشغيل‭ ‬النماذج‭ ‬المتقدمة،‭ ‬فإنها‭ ‬تستطيع‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬سرعة‭ ‬تقدم‭ ‬منافسيها،‭ ‬وتوسيع‭ ‬هامش‭ ‬تفوقها‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬مدنية‭ ‬وعسكرية‭ ‬على‭ ‬السواء‭.‬

وهنا‭ ‬تتضح‭ ‬حقيقة‭ ‬أساسية‭: ‬إن‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لا‭ ‬تتحدد‭ ‬فقط‭ ‬بمن‭ ‬يطور‭ ‬التقنية،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضًا‭ ‬بمن‭ ‬يملك‭ ‬مفاتيح‭ ‬تشغيلها‭ ‬وتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬استخدامها‭. ‬وقد‭ ‬تتحول‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬الحوسبة‭ ‬السحابية‭ ‬والرقائق‭ ‬والنماذج‭ ‬الأساسية‭ ‬إلى‭ ‬أطراف‭ ‬ذات‭ ‬نفوذ‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدودها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬لأنها‭ ‬تملك‭ ‬أدوات‭ ‬تحتاج‭ ‬إليها‭ ‬الحكومات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والقطاعات‭ ‬الحيوية‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الحدود‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والقوة‭ ‬السياسية‭ ‬واضحة‭ ‬كما‭ ‬كانت،‭ ‬إذ‭ ‬أصبح‭ ‬القرار‭ ‬التجاري‭ ‬المتعلق‭ ‬بإتاحة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬تقييدها‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬آثار‭ ‬استراتيجية‭ ‬واسعة‭.‬

ولا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬التنافس‭ ‬أن‭ ‬بقية‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬فقدت‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التأثير،‭ ‬لكنه‭ ‬يضعها‭ ‬أمام‭ ‬تحديات‭ ‬متزايدة‭ ‬تتعلق‭ ‬بامتلاك‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬ضمان‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬بشروط‭ ‬لا‭ ‬تنتقص‭ ‬من‭ ‬استقلالها‭. ‬فالدول‭ ‬المتوسطة،‭ ‬حتى‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬اقتصادات‭ ‬قوية‭ ‬ومؤسسات‭ ‬متقدمة،‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬معتمدة‭ ‬على‭ ‬أطراف‭ ‬خارجية‭ ‬في‭ ‬مكونات‭ ‬أساسية‭ ‬من‭ ‬منظومتها‭ ‬الرقمية‭. ‬ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬مخاطر‭ ‬هذا‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الكلفة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬احتمال‭ ‬تعرض‭ ‬البيانات‭ ‬الحساسة‭ ‬أو‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية‭ ‬للنفوذ‭ ‬الخارجي،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬تراجع‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬مستقلة‭ ‬عندما‭ ‬تصبح‭ ‬الخيارات‭ ‬التقنية‭ ‬محكومة‭ ‬بمصالح‭ ‬الموردين‭ ‬ومواقف‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬ينتمون‭ ‬إليها‭.‬

ولا‭ ‬تقف‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬وإن‭ ‬تفاوتت‭ ‬قدراتها‭ ‬ومواقعها‭ ‬في‭ ‬السباق‭ ‬التكنولوجي‭. ‬فبينما‭ ‬تمتلك‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬إمكانات‭ ‬استثمارية‭ ‬وطموحات‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬تظل‭ ‬المسألة‭ ‬الأهم‭ ‬هي‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬الإمكانات‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬مستدامة‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬المعرفة‭ ‬وتوطين‭ ‬التكنولوجيا‭. ‬ولا‭ ‬يتطلب‭ ‬ذلك‭ ‬الانحياز‭ ‬الكامل‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬القطبين،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬تنويع‭ ‬الشراكات،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬التنافس‭ ‬الدولي‭ ‬لنقل‭ ‬المعرفة‭ ‬وبناء‭ ‬القدرات‭ ‬الوطنية،‭ ‬بما‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬تحول‭ ‬الاعتماد‭ ‬التكنولوجي‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬للتبعية‭ ‬أو‭ ‬قيد‭ ‬على‭ ‬استقلال‭ ‬القرار‭.‬

وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬مع‭ ‬اتساع‭ ‬استخدامات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العسكري‭ ‬والأمني‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الخوارزميات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬تحليل‭ ‬المعلومات‭ ‬الاستخباراتية،‭ ‬ورصد‭ ‬التحركات،‭ ‬وتحديد‭ ‬الأهداف،‭ ‬وتسريع‭ ‬عمليات‭ ‬التخطيط‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرار‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬دمجها‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬القيادة‭ ‬والسيطرة‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬والدفاع‭ ‬السيبراني‭ ‬يغيّر‭ ‬طبيعة‭ ‬الاستعداد‭ ‬للصراع‭ ‬وإدارته‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ألغت‭ ‬دور‭ ‬الإنسان‭ ‬أو‭ ‬حسمت‭ ‬وحدها‭ ‬نتائج‭ ‬المواجهات،‭ ‬لكنه‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬سرعة‭ ‬معالجة‭ ‬المعلومات‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬عملية‭ ‬باتتا‭ ‬عاملين‭ ‬حاسمين‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬ميزان‭ ‬المبادرة‭ ‬والتفوق‭.‬

وتثير‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬أسئلة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الكفاءة‭ ‬العسكرية‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬المسؤولية‭ ‬والسيطرة‭. ‬فكلما‭ ‬ازدادت‭ ‬سرعة‭ ‬الأنظمة‭ ‬الذكية‭ ‬وتعقّد‭ ‬عملها،‭ ‬ازدادت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬ضمان‭ ‬الرقابة‭ ‬البشرية،‭ ‬والتحقق‭ ‬من‭ ‬المعلومات،‭ ‬وتحديد‭ ‬المسؤولية‭ ‬عن‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تتخذ‭ ‬بمساعدتها‭. ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬مخرجات‭ ‬الخوارزميات،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬الأزمات،‭ ‬إلى‭ ‬أخطاء‭ ‬يصعب‭ ‬تداركها،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬تصعيد‭ ‬غير‭ ‬مقصود‭ ‬نتيجة‭ ‬تقديرات‭ ‬غير‭ ‬دقيقة‭.‬‭ ‬لذلك،‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬التفوق‭ ‬التقني‭ ‬عن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬مخاطره‭ ‬ووضع‭ ‬الضوابط‭ ‬التي‭ ‬تمنع‭ ‬تحوله‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬جديد‭ ‬لعدم‭ ‬الاستقرار‭.‬

وتكمن‭ ‬إحدى‭ ‬مفارقات‭ ‬هذا‭ ‬السباق‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬التي‭ ‬تُقدَّم‭ ‬بوصفها‭ ‬أداة‭ ‬لزيادة‭ ‬الكفاءة‭ ‬قد‭ ‬توسّع،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬فجوات‭ ‬القوة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭. ‬فالدول‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والكوادر‭ ‬المؤهلة‭ ‬تستطيع‭ ‬تطوير‭ ‬قدراتها‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع،‭ ‬بينما‭ ‬تواجه‭ ‬الدول‭ ‬الأقل‭ ‬امتلاكًا‭ ‬لهذه‭ ‬الموارد‭ ‬خطر‭ ‬اتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬القوى‭ ‬المتقدمة‭. ‬ولا‭ ‬يرتبط‭ ‬ذلك‭ ‬بالضرورة‭ ‬بغياب‭ ‬المواهب‭ ‬أو‭ ‬الأفكار،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬بقدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬منتجات‭ ‬وتطبيقات،‭ ‬وبناء‭ ‬بيئة‭ ‬تتيح‭ ‬البحث‭ ‬والابتكار‭ ‬والاستثمار‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬المنافسة‭ ‬لا‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ذاتها‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬حول‭ ‬النظم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتعليمية‭ ‬والمؤسسية‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬إنتاجها‭ ‬وتطويرها‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬السيادة‭ ‬الرقمية‭ ‬باعتبارها‭ ‬مفهومًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬امتلاك‭ ‬الخوادم‭ ‬أو‭ ‬إنشاء‭ ‬مراكز‭ ‬البيانات‭ ‬أو‭ ‬استقطاب‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭. ‬فالسيادة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬تحقيق‭ ‬الاكتفاء‭ ‬الذاتي‭ ‬الكامل،‭ ‬وهو‭ ‬هدف‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مكلفًا‭ ‬وغير‭ ‬واقعي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تشابك‭ ‬سلاسل‭ ‬الإنتاج‭ ‬العالمية،‭ ‬وإنما‭ ‬تعني‭ ‬امتلاك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتبادل،‭ ‬وحماية‭ ‬البيانات،‭ ‬وتنويع‭ ‬مصادر‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وبناء‭ ‬الكفاءات‭ ‬المحلية،‭ ‬والاحتفاظ‭ ‬بهامش‭ ‬حقيقي‭ ‬من‭ ‬الاستقلال‭ ‬في‭ ‬القرارات‭ ‬الاستراتيجية‭. ‬فالدولة‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬أحدث‭ ‬التقنيات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفهم‭ ‬آلياتها‭ ‬أو‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬شروط‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬قد‭ ‬تحقق‭ ‬مكاسب‭ ‬سريعة،‭ ‬لكنها‭ ‬تظل‭ ‬معرضة‭ ‬لتغيرات‭ ‬خارجية‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬التأثير‭ ‬فيها‭.‬

إن‭ ‬سباق‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬هو،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬سباق‭ ‬على‭ ‬شروط‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬المقبل‭. ‬وقد‭ ‬يمنح‭ ‬التفوق‭ ‬التقني‭ ‬الدول‭ ‬والشركات‭ ‬نفوذًا‭ ‬واسعًا،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬وحده‭ ‬استقرارًا‭ ‬أكبر‭ ‬أو‭ ‬قرارات‭ ‬أكثر‭ ‬حكمة‭. ‬وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬كما‭ ‬لغيرها‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬المتوسطة،‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬التحدي‭ ‬في‭ ‬تجنب‭ ‬هذا‭ ‬السباق،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬المشاركة‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬يتيح‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬فرصه‭ ‬دون‭ ‬الارتهان‭ ‬لشروطه‭. ‬فالفارق‭ ‬الحقيقي‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يمتلكها‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يستطيع‭ ‬توظيفها‭ ‬وتطوير‭ ‬قدراته‭ ‬من‭ ‬خلالها،‭ ‬ومن‭ ‬يظل‭ ‬معتمدًا‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬في‭ ‬تشغيلها‭ ‬وتحديد‭ ‬حدود‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الفارق‭ ‬تتحدد‭ ‬ملامح‭ ‬السيادة‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي‭.‬

 

{‭ ‬باحث‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬العربية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا