جاء الخطاب السامي لجلالة الملك في افتتاح دور الانعقاد الخامس ليضع أمام البحرين إطارا وطنيا يتجاوز إدارة اللحظة الراهنة إلى صناعة المستقبل. فالأمن في هذا الإطار شرط للتنمية وحارس لاستدامتها، والتنمية ليست نمواً رقمياً بل هي تحسّن محسوس في فرص العمل والسكن والدخل والخدمات، وتكامل السلطات وتفاعل المجتمع ليكون وسيلة لتحويل الرؤية إلى نتائج يمكن قياسها. واستجابة لهذه الدعوة تعهدت الحكومة والمجلس بالإنجاز النوعي وتحديث التشريعات الاقتصادية وتعزيز الاقتصاد المعرفي والأمن الغذائي والمائي واستدامة الطاقة، أصبح السؤال العملي: كيف نترجم الإطار الوطني لجلالة الملك والأولويات التي شملها إلى أداء اقتصادي ومصانع وصادرات ووظائف ومؤشرات نراها في حياة الناس؟
تكشف بيانات الربع الأول من 2026 أن الاقتصاد غير النفطي واصل النمو بنحو 2.2% بالأسعار الثابتة، مما رفع حصة القطاعات غير النفطية إلى 90% من الناتج المحلي. وهنا تبرز أهمية الصناعة كقاطرةً للمرحلة المقبلة. فقد بلغت الصادرات غير النفطية وطنية المنشأ نحو 1.05 مليار دينار في الربع الثالث من 2025 بنمو 12%، ونحو 1.04 مليار في الربع الرابع بنمو 5%، وجاءت سبائك الألمنيوم في مقدمة المنتجات المصدّرة بنسبة 28% في الربع الثالث. وهذا إنجاز يُحسب للصناعة الوطنية، لكنه يشير إلى فرصة واضحة تعبر عن إمكانية الانتقال من تصدير المادة الأولية إلى تصدير منتجات أعلى قيمة. ويكتسب ملتقى «صنع في الخليج 2026» الذي استضافته البحرين هذا الشهر أهمية خاصة في هذا السياق، إذ نقل التعاون الصناعي الخليجي، في إطار الاستراتيجية الموحدة للتنمية الصناعية الخليجية (2022-2030)، من الشعار إلى مشروعات مشتركة بنتائج قابلة للقياس. والمطلوب أن يتحول هذا التوجه إلى سياسة مستمرة تقوم على ثلاث ركائز: أولا: تصنيع تحويلي يضيف قيمة لما ننتجه من صناعات مشتقة من المواد الخام، وغذاء ودواء ومنتجات هندسية؛ ثانيا: قطاع مالي، هو الأكبر في الناتج، يمول التوسع الصناعي والابتكار وتمويل الصادرات؛ وثالثا: تقنيات حديثة وطاقة متجددة تخفض كلفة الإنتاج ومخاطر الإمداد على المدى البعيد. وتكتمل هذه الركائز بسوق خليجية تمنح المنتج البحريني نفاذاً وانتشارا أوسع، وتتيح توحيد المواصفات وتأمين سلاسل الإمداد المشتركة.
ولا يقاس التقدم في هذا المسار بعدد الوظائف فقط، بل إن اكتمال الصورة يقتضي أن نسأل عن نوعية الوظيفة ومستوى أجرها واستدامتها ومسارها المهني. وهنا نستحضر سؤال الدكتور غازي القصيبي في مقالنا السابق: «لمن التنمية»؟ فالطبقة الوسطى الواسعة، كما رأى القصيبي، ركيزة الاستقرار والنمو، وبقاؤها واتساعها رهن بوظائف مجزية في صناعات متقدمة قادرة على المنافسة ودفع أجور تناسب مستوى المعيشة. هذ يتطلب شقين تشريعيين: تحديث قوانين العمل بما يواكب أنماط العمل الجديدة ويحمي الحقوق ويشجع التدريب المستمر؛ وإطاراً للذكاء الاصطناعي يوازن بين الابتكار وحماية البيانات والشفافية والمساءلة، مع شراكة بين القطاعين العام والخاص في مشروعات الصناعة والطاقة والإسكان والنقل والأمن الغذائي والمائي، على ان تُحدَّد في هذه الشراكة المخاطر والمؤشرات مسبقا من شأن هذا الالتزام أن يوسع قاعدة الإنتاج، وكلما اتسعت هذه القاعدة الإنتاجية قلّ الاعتماد على مصدر واحد للدخل، وزادت قدرة الاقتصاد على توزيع ثمار النمو. فالمقياس الأدق للنجاح هو ما يصل إلى الأسرة من دخل حقيقي، وسكن بكلفة مناسبة، وخدمات أسرع، وفرص متكافئة.
لتحقيق ذلك، تحتاج المرحلة إلى تعزيز التوافق المجتمعي بما يؤكد مسؤوليات الأطراف: دولة تقدم تشريعا عادلا وبنية أساسية وتعليما وتدريبا مرتبطين بالسوق وخدمات جيدة وبيانات متاحة للباحثين وصناع القرار؛ وقطاع خاص يلتزم باستثمار منتج وتدريب وتوظيف مجزٍ ورفع الإنتاجية ومسؤولية تجاه المستهلك والبيئة؛ ومواطن يلتزم بالتعلم المستمر والإنتاجية واحترام القانون والمشاركة المسؤولة وترشيد الموارد. ولا ينجح هذا التوافق إلا بتكريس التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الحريات المشروعة وسيادة القانون، فالثقة بالعدالة، وحماية حقوق المستهلك والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وإتاحة المعلومات للبحث والتقييم، ركائز للاستقرار وجاذبة للاستثمار في آنٍ واحد.
ولكي يتابع المجتمع تطورات الرؤية والمشاركة في وضع أسس رؤية 2050، نرى أن يناقش المجلس والحكومة مضامين رؤية 2030 في ضوء مؤشرات تُراجَع وتنشر دورياً، ويشمل ذلك معدلات خلق وظائف جديدة ومدة البحث عن عمل، والأجر الحقيقي ونسبة الوظائف ذات المسار المهني الصناعي، والإنتاجية لكل عامل، والصادرات غير النفطية وحصة المنتجات عالية القيمة، والمحتوى المحلي. كذلك يحتاج الأمر إلى مؤشرات اجتماعية مثل مدة انتظار السكن وكلفة المعيشة مقارنة مع دخل الأسرة، وأهداف كمية للطاقة المتجددة واستدامة المياه والإنتاج الغذائي. وأن يصدر ذلك في تقرير موحد يُنشر كل ستة أشهر، تتبعه جلسة نقاش في المجلس.
هذا التوجه يمَكِّننا من بيان خط البدء (الأساس) والمستهدف والمنجز والإجراءات التصحيحية إن لزم الأمر، بحيث تصبح الرقابة أداة تَعلّم مبكر ومستمر، تخدم الدولة وتمكن الرأي العام من متابعة وتقييم الأداء بموضوعية على أساس معلومات موثوقة. أما خطوات التنفيذ فتستفيد من الاستراتيجية الصناعية الخليجية التي حددت خمس سلاسل صناعية، بالإضافة إلى إعداد حزم تحديث قوانين العمل والذكاء الاصطناعي والشراكة. ولتشهد السنوات الأربع المتبقية من رؤية 2030 تطوير تجمعات صناعية متخصصة مرتبطة بالتدريب والبحث، مثل توسيع التدريب وزيادة ربطه بالتوظيف، وتحسناً قابلاً للرصد في مختلف المؤشرات. وبحلول 2030 تكون القاعدة الصناعية التصديرية أكثر استعدادا وتنوعاً، وسوق العمل أقدر على خلق وظائف مجزية، مع تقدم في أمن الغذاء والمياه والطاقة، بينما تتهيأ المنظومة التنموية لرؤية 2050، وتحديث خارطة التنفيذ على فترات عملية.
وبذلك يكون الخطاب السامي قد منحنا بوصلة واضحة، وما يلزم الآن هو تكثيف الإنجاز والاستعداد لرؤية 2050 باقتصاد أكثر إنتاجية واستدامة إذا قادت الصناعة هذا التحول، وموّلته المنظومة المالية، ورفدته التقنية والطاقة المتجددة، وحمته دولة القانون، وعززه التكامل الخليجي، وتابعت نتائجه سلطة تشريعية فاعلة. عندها تصبح رؤية 2050 امتداداً لمسار 2030 انطلاقاً من الهدف الذي حدده جلالة الملك أن يكون المواطن في قلب التنمية.
mkuwaiti@batelco.com.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك