العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٣ - الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

ثلاثة مطالب للنهوض بهذه الأمة

بقلم: د. رضوان السيد

الأربعاء ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

منذ‭ ‬عام‭ ‬2013‭ ‬وانا‭ ‬أطالب‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬كتاباتي‭ ‬بضرورة‭ ‬تحقيق‭ ‬ثلاثة‭ ‬مطالب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬نهضة‭ ‬هذه‭ ‬الأمة،‭ ‬وهذه‭ ‬المطالب‭ ‬هي‭: ‬استعادة‭ ‬السكينة‭ ‬في‭ ‬الدِّين،‭ ‬وتجديد‭ ‬تجربة‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية،‭ ‬واستعادة‭ ‬العلاقات‭ ‬الطبيعية‭ ‬مع‭ ‬العالم‭.  ‬والسؤال‭: ‬إلى‭ ‬من‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬المطالب‭ ‬موجَّهة؟‭ ‬كانت‭ ‬موجَّهةً‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬عقلاء‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين،‭ ‬والذين‭ ‬خامرتهم‭ ‬آنذاك‭ ‬خشيةٌ‭ ‬كبيرةٌ‭ ‬على‭ ‬الدين‭ ‬وعلى‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬العالمين‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي‭. ‬ولو‭ ‬فكرنا‭ ‬قليلاً‭ ‬لوجدنا‭ ‬أنّ‭ ‬الثوران‭ ‬باسم‭ ‬الإسلام‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬ألقى‭ ‬بأعبائه‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬الدول‭ ‬واستقرارها،‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬بأعماله‭ ‬الإرهابية‭ ‬أفسد‭ ‬علاقات‭ ‬المسلمين‭ ‬بالعالم‭.‬

كنتُ‭ ‬أدرّس‭ ‬بقسم‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬هارفرد‭ ‬عام‭ ‬1993‭ ‬عندما‭ ‬اشتريتُ‭ ‬العددَ‭ ‬الجديدَ‭ ‬من‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الشؤون‭ ‬الخارجية‮»‬‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬أو‭ ‬نوفمبر‭ ‬وقرأتُ‭ ‬مقالةَ‭ ‬صمويل‭ ‬هنتنجتون‭ ‬عن‭ ‬صراع‭ ‬الحضارات‭ (‬صارت‭ ‬كتاباً‭ ‬عام‭ ‬1996‭).‬

وكان‭ ‬هدف‭ ‬هنتنجتون‭ ‬الإعلان‭ ‬مراراً‭ ‬وتكراراً‭ ‬عن‭ ‬انتصار‭ ‬الغرب‭ ‬النهائي‭ ‬والحضارة‭ ‬اليهودية‭ ‬المسيحية‭ ‬وتحوّل‭ ‬الصراعات‭ ‬السياسية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬إلى‭ ‬صراعات‭ ‬وتجاذبات‭ ‬ثقافية‭. ‬كل‭ ‬الحضارات‭ ‬الحية‭ ‬بحسب‭ ‬زعمه،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الحضارة‭ ‬الصينية،‭ ‬ستتلاءم‭ ‬مع‭ ‬الانتصار‭ ‬الغربي،‭ ‬باستثناء‭ ‬الإسلام‭ ‬الذي‭ ‬يملك‭ ‬تخوماً‭ ‬دموية‭ (!) ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬راح‭ ‬عشراتُ‭ ‬الدارسين‭ ‬الغربيين‭ ‬يردّون‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬من‭ ‬تصوره‭ ‬الهائل،‭ ‬انصرف‭ ‬المئاتُ‭ ‬منا‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬الإسلام‭ ‬تاريخاً‭ ‬وحاضراً‭. ‬وما‭ ‬فكّر‭ ‬أحدٌ‭ ‬منا‭ ‬بأمارات‭ ‬الثوران‭ ‬والتطرف‭ ‬العنيف‭ ‬لدى‭ ‬فئاتٍ‭ ‬من‭ ‬الشبان‭ ‬باسم‭ ‬الإسلام،‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬بن‭ ‬لادن‭ ‬أعلن‭ ‬عام‭ ‬1998‭ ‬إقامة‭ ‬جبهةٍ‭ ‬لمكافحة‭ ‬الغرب‭ (!).‬

لقد‭ ‬كشفت‭ ‬هجماتُ‭ ‬11‭ ‬سبتمبر‭ ‬عام‭ ‬2001‭ ‬وما‭ ‬سبقها‭ ‬وتلاها‭ ‬من‭ ‬هجمات‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬عن‭ ‬انشقاقاتٍ‭ ‬عميقةٍ‭ ‬في‭ ‬الإسلام،‭ ‬استهدف‭ ‬صانعوها‭ ‬وأنصارُهم‭ ‬إسقاطَ‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬العالمين‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي،‭ ‬ثم‭ ‬تمخّضت‭ ‬الأحداث‭ ‬عن‭ ‬قيام‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬داعش‮»‬‭ ‬الفظيعة‭ ‬والأسطورية‭ ‬بالعراق‭ ‬وسوريا،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬حركات‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬تستلهمها‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭!‬

إنّ‭ ‬هذا‭ ‬الثوران‭ ‬التخريبي‭ ‬ما‭ ‬اقتصر‭ ‬على‭ ‬المذابح‭ ‬ومزاعم‭ ‬إقامة‭ ‬الشريعة،‭ ‬بل‭ ‬تسلّق‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬أكتاف‭ ‬ما‭ ‬سُمّي،‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬عاد‭ ‬كثيرون‭ ‬منا‭ ‬للاغترار‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بدأ‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬يستولي‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬دولٍ‭ ‬عربيةٍ‭ ‬وإسلامية‭. ‬وبذلك‭ ‬ثبت‭ ‬أنّ‭ ‬للثوران‭ ‬الانشقاقي‭ ‬عدة‭ ‬مظاهر‭ ‬وظواهر‭ ‬وتأثيرات‭ ‬على‭ ‬العامة‭ ‬والفئات‭ ‬الوسطى‭ ‬في‭ ‬المجتمعات،‭ ‬مثلما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الحراك‭ ‬الإيراني‭ ‬عام‭ ‬1979‭.‬

إنّ‭ ‬ما‭ ‬أُريدُ‭ ‬التوصلَ‭ ‬إليه‭ ‬أنّ‭ ‬الأصلَ‭ ‬في‭ ‬الأوضاع‭ ‬الصعبة‭ ‬والاضطراب‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬دولٍ‭ ‬عربيةٍ‭ ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬الهشاشة‭ ‬التي‭ ‬أتاحت‭ ‬خلال‭ ‬ضرب‭ ‬‮«‬القاعدة‮»‬‭ ‬و«داعش‮»‬،‭ ‬لدولٍ‭ ‬إقليمية‭ ‬وأطراف‭ ‬دولية‭ ‬إما‭ ‬استغلالَ‭ ‬شراذم‭ ‬التنظيمين‭ ‬الإرهابيين،‭ ‬أو‭ ‬إنشاء‭ ‬ميليشياتها‭ ‬الخاصة‭ ‬لتتدخل‭ ‬بواسطتها،‭ ‬مستغلةً‭ ‬كذلك‭ ‬التركيبةَ‭ ‬المذهبيةَ‭ ‬ورافعةً‭ ‬شعارَ‭ ‬قضية‭ ‬فلسطين،‭ ‬وذلك‭ ‬داخل‭ ‬عدة‭ ‬دولٍ‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تكافح‭ ‬لاستعادةِ‭ ‬سيادتها‭ ‬واستقرارها‭.‬

لقد‭ ‬جاءت‭ ‬الحروبُ‭ ‬المشتعلةُ‭ ‬بالمنطقة‭ ‬لتطلقَ‭ ‬موجةً‭ ‬جديدةً‭ ‬من‭ ‬التشدد‭ ‬الديني،‭ ‬والرغبات‭ ‬الهوجاء‭ ‬في‭ ‬الحث‭ ‬على‭ ‬الاستكثار‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬تضرب‭ ‬البشرَ‭ ‬والحجرَ‭ ‬وتهدد‭ ‬الأمنَ‭ ‬الإقليمي‭ ‬والعالمي‭.‬

لماذا‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬العالمُ‭ ‬الإسلامي‭ ‬المناعةَ‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬الاستهواء‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬الاضطراب‭ ‬والاستماع‭ ‬إلى‭ ‬كلّ‭ ‬ناعق؟‭ ‬هناك‭ ‬مَن‭ ‬يربط‭ ‬ذلك‭ ‬بتعدد‭ ‬المرجعيات‭ ‬الدينية‭ ‬أو‭ ‬بانعدامها‭. ‬لكنّ‭ ‬الخبراء‭ ‬الاستراتيجيين‭ ‬يرون‭ ‬أنّ‭ ‬الموجات‭ ‬الجديدة‭ ‬كلها‭ ‬مصنوعة‭ ‬من‭ ‬دولٍ‭ ‬وجهاتٍ‭ ‬همّها‭ ‬التخريب‭ ‬على‭ ‬الدين‭ ‬وعلى‭ ‬الدول‭ ‬الوطنية‭.‬

كيف‭ ‬نجعلُ‭ ‬الشبانَ‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬الإغراء‭ ‬والاستهواء؟‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬اعتقادي‭ ‬أنّ‭ ‬السكنية‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬تدعم‭ ‬الدول‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتصحح‭ ‬رؤيةَ‭ ‬العالَم‭ ‬للإسلام،‭ ‬لكن‭ ‬منذ‭ ‬كتابي‭ ‬‮«‬الصراع‭ ‬على‭ ‬الإسلام‮»‬،‭ ‬عام‭ ‬2004،‭ ‬صرتُ‭ ‬أرى‭ ‬العكس،‭ ‬بمعنى‭ ‬أنّ‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تَحدث‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬انشقاقاتٌ،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬هي‭ ‬بوابتنا‭ ‬على‭ ‬العالَم‭.‬

‭ ‬لكن‭ ‬ماذا‭ ‬تفعل‭ ‬النخب‭ ‬الدينية‭ ‬والثقافية‭ ‬والإعلامية؟‭ ‬تبقى‭ ‬لها‭ ‬وظيفتان‭: ‬إطلاق‭ ‬المبادرات‭ ‬التي‭ ‬تغيّر‭ ‬‮«‬رؤية‭ ‬العالم‮»‬‭ ‬لدى‭ ‬الجمهور‭ ‬المتدين‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬وإقامة‭ ‬الشراكات‭ ‬مع‭ ‬المؤسسات‭ ‬العلمية‭ ‬والثقافية‭ ‬والدينية‭ ‬عبر‭ ‬العالم‭ ‬لقراءة‭ ‬التجارب‭ ‬الأخرى‭ ‬وفهمها‭ ‬مع‭ ‬الدين‭ ‬كما‭ ‬مع‭ ‬الدولة‭.‬

{‭ ‬كاتب‭ ‬ومفكر‭ ‬لبناني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا