قال الله تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» سورة آل عمران: 103.
في زمن أصبحت فيه الكلمة تعبر حدود العالم في ثوانٍ، وتنتشر فيه الأخبار قبل أن تُعرف مصادرها، تبرز الحاجة إلى صوتٍ واع يذكرنا بأن ما يجمع شعوب الخليج العربي أكبر من كل خلاف عابر، وأن الأخوة التي صنعتها العقيدة واللغة والتاريخ والروابط الإنسانية لا يجوز أن تكون هدفاً للشائعات عبر منصات التواصل الاجتماع، فالأخوة الخليجية ليست مجرد شعار نرفعه في المناسبات، بل هي مسؤولية وطنية وأخلاقية، وإرث إنساني وحضاري يجب المحافظة عليه، وتوريثه للأجيال القادمة أكثر رسوخاً وقوة.
إن شعوب دول مجلس التعاون الخليجي تجمعها روابط عميقة، تمتد من صلات القربى والمصاهرة والعلاقات الاجتماعية إلى التعاون والتكافل والتطلعات المشتركة نحو الأمن والاستقرار والازدهار. وقد أثبتت التجارب أن التماسك والتعاون يمثلان قيمة مهمة في مواجهة التحديات، وأن الحفاظ على هذه الروابط مسؤولية مشتركة تقع على المؤسسات الرسمية، وكل مواطن ومقيم، وكل كاتب وإعلامي وناشط في الفضاء الإلكتروني.
إن منصات التواصل جعلت العالم أكثر قرباً، ولكن وضعت تحدياً يتمثل في سرعة انتشار المعلومات المضللة والمكذوبة، فقد يُقتطع تصريح من سياقة، أو يعاد تداول مقطع مفبرك أو مجهول المصدر، ثم تتحول إلى مادة للجدل والاتهامات والتعميم على شعوب بأكملها.
والأخطر من ذلك أن بعض المستخدمين يعيدون نشر تلك المادة بدافع الغضب أو الحماس من دون إدراك لما قد تتركه من آثار سلبية في العلاقات بين الأشقاء.
فهنا يجب أن نتذكر أن نشر الخبر قد يكون سببًا في توسيع دائرة الشائعة، فلا بد من قراءة الخبر كاملاً، والتحقق من المصدر والرجوع الى الجهات الموثوقة، والتوقف عن نشر ما لم تثبت صحته، وكلها مسؤوليات تفرضها أخلاق الكلمة وواجب المواطنة.
ولا يعني ذلك أن نتجاهل الاختلافات، أو أن نغلق أبواب المناقشة، بل أن نديرها بعقلانية واحترام، وأن نفرق بين النقد المسؤول والإساءة، وألا نحمَل شعبًا كاملًا مسؤولية تصرف فرد أو محتوى مجهول.
وفي هذا السياق تأتي الحملة الإلكترونية #الأخوة_الخليجية التي نظمتها مجموعة الحملات الوطنية في مملكة البحرين لتؤكد أن حماية العلاقات الخليجية تبدأ بالوعي، وأن تعزيز الوحدة لا يقتصر على المواقف الرسمية، بل يحتاج أيضًا إلى مبادرات مجتمعية تصل إلى الناس وتخاطبهم بلغتهم عبر المنصات التي يستخدمونها يوميًا.
وقد انطلقت الحملة الالكترونية يوم الثلاثاء الموافق 20 أكتوبر 2026 عند الساعة الخامسة مساءً، وحققت تفاعلاً واسعاً ومشاركات من رواد المنصات الرقمية.
وانطلقت الحملة من إيمان أعضائها بأن وحدة الصف الخليجي ركيزة أساسية لأمن المنطقة واستقرارها، وأن روابط الأخوّة والمصير المشترك أكبر من محاولات الفرقة والفتنة.
وتسعى هذه الحملة الإعلامية إلى دعم الوحدة الخليجية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وترسيخ مفهوم المواطنة الخليجية، والهوية العربية المشتركة، ونبذ الخلافات التي تتحول إلى إساءة وتنافر بين الشعوب الشقيقة.
كما تركز على التصدي للمعلومات المضللة ومحاولات تأجيج الخلافات، وتعزيز المسؤولية الوطنية والإعلامية في حماية النسيج الخليجي والعربي والإسلامي، من خلال خطاب واعٍ يضع الحقيقة والاحترام والتلاحم في مقدمة أولوياته.
وتكتسب الحملة أهمية إضافية من اتساع رسالتها السامية، فهي لا تقتصر على أبناء دول الخليج العربي، بل ترحب كذلك بمشاركة الأشقاء العرب والمسلمين والأجانب المقيمين في دول الخليج، انطلاقًا من الإيمان بأنهم شركاء في مجتمعاتنا، وأن التعايش والاحترام المتبادل مسؤولية مشتركة، وأن القيم الإنسانية التي تجمع الناس تتجاوز الحدود الجغرافية.
وهذه الرسالة تعكس فهمًا مهمًا لطبيعة المجتمعات الخليجية التي تحتضن تنوعًا إنسانيًا وثقافيًا، وتؤكد أن المشاركة في نشر المحبة والاحترام ليست حكرًا على جنسية أو فئة، بل مسؤولية كل من يعيش على هذه الأرض ويحرص على أمنها واستقرارها.
إن نجاح أي حملة من هذا النوع لا يُقاس بانتشار الوسم وحده، على أهميته في إيصال الرسالة، بل بقدرتها على تحويل التفاعل الرقمي إلى وعي مستمر وسلوك مسؤول؛ بحيث يتوقف المستخدم قبل نشر الخبر، ويرفض الإساءة إلى الشعوب، ويسهم في تصحيح المعلومات الخاطئة، ويختار الكلمة التي تقرّب ولا تباعد.
الوحدة الخليجية لا تعني غياب الاختلاف، وإنما تعني أن تبقى الأخوّة أساسًا للتعامل، وأن يكون الحوار وسيلةً للفهم، وألا يتحول اختلاف وجهات النظر إلى خصومة بين الشعوب.
فحب البحرين لا ينتقص من محبة السعودية، والاعتزاز بالكويت لا يتعارض مع الاعتزاز بعُمان، والفخر بالإمارات لا يقلل من مكانة ومحبة قطر، ومحبة الخليج بأسره لا تستدعي الانتقاص من أي وطن أو شعب. لكل دولة هويتها وتجربتها وإنجازاتها، ويظل الاحترام المتبادل قاعدةً أساسية لبناء علاقات أكثر تماسكًا.
ومن هنا، تتكامل مسؤولية الحملات المجتمعية مع دور الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات المختلفة في ترسيخ ثقافة التسامح، وتعليم الأجيال أن الاعتزاز بالوطن لا يحتاج إلى الإساءة للآخرين، وأن قوة الإنسان تظهر في قدرته على الدفاع عن قيمه بالحجة والأخلاق، لا بالتجريح وإثارة النزاعات.
يا أبناء الخليج العربي بجميع فئاته، إن أوطاننا أمانة في أعناقنا تستحق أن نحفظ لها إرث الأخوّة، وأن نصون علاقات شعوبها من كل ما يسيء إليها، فلنحفظ لأوطاننا نعمة التلاحم، ولشعوبنا حقها في المحبة والاحترام، ولأجيالنا القادمة مستقبلًا يقوم على الثقة والتعاون والتعايش، ولنجعل من منصات التواصل منابر للحقيقة، مساحات وجسورًا للمحبة، لا ساحات لتبادل الاتهامات وإعادة نشر الشائعات.
إن الكلمة أمانة، والمعلومة مسؤولية، والوعي خط الدفاع الأول عن تماسك المجتمعات. وقد لا يستطيع الفرد إيقاف كل شائعة، لكنه يستطيع ألّا يكون جزءًا من انتشارها، وأن يسهم في نشر معلومة صحيحة، وأن يرفض تحويل الخلافات إلى إساءة جماعية.
ومن هنا، فإن دعم حملة #الأخوَة_الخليجية هو دعم لرسالة تتجاوز حدود الوسم الإلكتروني؛ رسالة تؤكد أن الخليج بيت يجمع شعوبه، وأن العلاقات الإنسانية لا ينبغي أن تُترك رهينةً لحسابات مجهولة أو محتوى يستثير الغضب، وأن مسؤولية حماية الأخوّة الخليجية تبدأ من كل واحد منا.
حفظ الله دول مجلس التعاون الخليجي وشعوبها، وجمع قلوبهم على الخير والمحبة، وأدام عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأبعد عنها الفتن ما ظهر منها وما بطن.
nshowaiter98@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك