تكشف حركة الاحتجاج الواسعة التي تعصف بفرنسا ويقودها طلاب المدارس الثانوية فيها عن أزمة خطيرة تضرب بجذورها في المجتمع الفرنسي بما يشتعل فيه من أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية لا حصر لها.
التحليل السوسيولوجي لهذه الحركة يكشف عن الشرخ الكبير بين تطلعات الشباب ومدى استجابة مؤسسات الدولة لها. فخلف عمليات إغلاق المدارس والاحتجاجات المتواصلة ومطالب التلاميذ المباشرة تتجلى شبكة معقدة من المشكلات تناولها بالدراسة علماء الاجتماع وخرجوا من بحوثهم حولها بنتائج وتحذيرات وتوصيات لم تكترث لها الحكومة. المطالب التي صرح بها التلاميذ في تظاهراتهم تتمثل في: تعيين مزيد من المدرسين لحل مشكلة النقص المزمن للمدرسين البدلاء، وإصلاح المباني المتدهورة وأجهزة التدفئة المعطلة، وتخفيف الجداول الدراسية المثقلة بالدروس، ودعم الإسكان الطلابي بتجميد الإيجارات لكي تكون ميسرة للطلاب، وإلغاء القوانين والأنظمة الضريبية التي تثقل كاهل الطلاب الأجانب، ومواجهة الغلاء المستمر وتكاليف المعيشة التي تفوق قدرات أهالي الطلاب.
وأهم من ذلك كله إلغاء نظام القبول الجامعي المسمى «نظام الجدارة» المعروف باسم Parcoursup، وهو نظام يقوم على وجود منصة رسمية خصصتها الحكومة للتسجيل المسبق للطلاب في السنة الأولى من التعليم الجامعي، وتضم حوالى 25 برنامجًا دراسيًا متنوعًا في كل التخصصات العلمية، بحيث تقوم المؤسسة التعليمية بعد ذلك بتجميع طلبات التسجيل المقدمة من الطلاب، التي تشتمل على رغباتهم مقترنة ببيانات عنهم تتضمن المسار الدراسي لكل منهم، وما حصل عليه من درجات خلال هذا المسار، ثم تقوم بعد ذلك بتقييمه واتخاذ قرارها إما بقبوله وإما رفضه.
ويرى علماء الاجتماع أن هذه المنصة تمثل بالنسبة إلى التلاميذ أول تجربة حقيقية لما يسمى «نظام الانتقاء الحاد» في مسارهم الدراسي. ويرون فيه أسلوبًا مفرطًا في إشعال التنافسية الحادة وتمهيد الطريق للتقييم الشخصي المبطن، كما أنه يعرقل عملية الحراك الاجتماعي ويغلق الباب أمام أي محاولة للارتقاء في السلم الاجتماعي.
ويؤكد علماء الاجتماع أن قيمة الشهادات التعليمية قد تراجعت كثيرًا وتغيرت طبيعتها، ومهما بلغت نسبة التفوق في امتحان البكالوريا فإن فائدتها الوحيدة انحصرت في كونها دليلًا على إتمام الطالب المرحلة الثانوية من دون أن تضمن له إمكانية التحاقه بالتعليم العالي. لهذا فإن هذا النظام ينطوي على أزمة كبيرة تصيب «الوعد الجمهوري» أي الوعد بتحقيق تكافؤ الفرص والارتقاء الاجتماعي من خلال التعليم. وقد تفاقمت هذه الأزمة بدرجة بالغة في المدارس الثانوية الواقعة خصوصا في ضواحي المدن، حيث يسود الشعور بالتهميش والإحباط الشديد بسبب تقلص قيمة الشهادات بعدما كانت الوسيلة الضرورية للالتحاق بالتعليم الجامعي وتحقيق أماني الطلاب في امتهان الوظائف التي يحلمون بها.
هذه الاختلالات الكبيرة تتزامن مع اختلالات اقتصادية واجتماعية تنخر في المجتمع الفرنسي، وهي ذات الاختلالات التي أشعلت عام 2018 حركة الاحتجاج المعروفة باسم حركة «أصحاب السترات الصفراء»، وهي إن خفت حدتها فترة لا تزال كامنة في المجتمع وقابلة للانفجار كلما اشتدت الأزمة الاقتصادية المزمنة في المجتمع.
وحسبما جاء بتقارير الشرطة الفرنسية فإن المخربين والبلطجية الذين انتهزوا فرصة تظاهرات الطلاب واندسوا فيها ثم قاموا بتحطيم ونهب المحال الجارية هم في غالبيتهم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 عامًا وبداية الثلاثينيات، وتنحدر غالبيتهم الساحقة من الأحياء التي تعاني من مشكلات اجتماعية وأمنية، ومن الضواحي البعيدة للتجمعات المهمشة اجتماعيًا واقتصاديًا.
وقد اختلف المثقفون الفرنسيون في قراءتهم لأزمة طلاب الثانوية وتظاهراتهم؛ إذ يرى ممثلو اليسار الفرنسي منهم أن انتفاضة الطلاب هي ظاهرة صحية إزاء تخلى الدولة عن القيام بمسؤوليتها العامة، فالشباب يعبرون عن غضب مشروع إزاء سياسات التقشف المالي وتدهور أوضاع التعليم العمومي، ومن الطبيعي والمشروع بالنسبة إليهم في ظل نظام الانتقاء الاجتماعي الجائر الذي تطبقه الحكومة عليهم أن يمارسوا حقهم في التظاهر والاحتجاج تعبيرًا عن قلقهم على مستقبلهم. كما أدانوا ما يسمونه «النزعة السلطوية المتنامية لدى الحكومة»، لأنها تؤثر «إخضاع الشباب بالقوة بدلًا من تمويل التعليم وتحسين أوضاعه».
أما مثقفو اليمين فنددوا بما يسمونه «التوحش المجتمعي والتساهل الأمني»، فهم لا يقرأون الأحداث من زاوية انهيار نظام التعليم وبنيته التحتية، وإنما من منظور الأمن والهجرة؛ فيصفون المتظاهرين سواء كانوا من الطلاب أو من مثيري الشغب بأنهم من الشباب الجانح المنفلت من كل قيد، وأن له علاقة قوية بالأصول المهاجرة، ويطالبون تباعًا بتطبيق عقوبات جنائية صارمة عليهم من دون تمييز.
وما كاد الرئيس الفرنسي ينهى خطابه الموجه إلى شعبه حول الأزمة حتى شن عليه معارضوه وحلفاؤه، مثل رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب، هجومًا شديدًا لخلو خطابه من أي قرارات جوهرية، إذ اكتفى ماكرون بالتعبير عن «الغضب والعار» والتوعد بمحاسبة المخربين من دون إعلان خطوات عملية لتهدئة الشارع أو حل الأزمة الاقتصادية.
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
بكلية الآداب – جامعة حلوان.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك