العدد : ١٧٧٤٦ - السبت ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٦ - السبت ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أزمة التظاهرات الطلابية في فرنسا

بقلم: د. عصام عبدالفتاح

السبت ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

تكشف‭ ‬حركة‭ ‬الاحتجاج‭ ‬الواسعة‭ ‬التي‭ ‬تعصف‭ ‬بفرنسا‭ ‬ويقودها‭ ‬طلاب‭ ‬المدارس‭ ‬الثانوية‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬خطيرة‭ ‬تضرب‭ ‬بجذورها‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الفرنسي‭ ‬بما‭ ‬يشتعل‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬لا‭ ‬حصر‭ ‬لها‭.‬

التحليل‭ ‬السوسيولوجي‭ ‬لهذه‭ ‬الحركة‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬الشرخ‭ ‬الكبير‭ ‬بين‭ ‬تطلعات‭ ‬الشباب‭ ‬ومدى‭ ‬استجابة‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬لها‭. ‬فخلف‭ ‬عمليات‭ ‬إغلاق‭ ‬المدارس‭ ‬والاحتجاجات‭ ‬المتواصلة‭ ‬ومطالب‭ ‬التلاميذ‭ ‬المباشرة‭ ‬تتجلى‭ ‬شبكة‭ ‬معقدة‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬تناولها‭ ‬بالدراسة‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬وخرجوا‭ ‬من‭ ‬بحوثهم‭ ‬حولها‭ ‬بنتائج‭ ‬وتحذيرات‭ ‬وتوصيات‭ ‬لم‭ ‬تكترث‭ ‬لها‭ ‬الحكومة‭. ‬المطالب‭ ‬التي‭ ‬صرح‭ ‬بها‭ ‬التلاميذ‭ ‬في‭ ‬تظاهراتهم‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭: ‬تعيين‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬المدرسين‭ ‬لحل‭ ‬مشكلة‭ ‬النقص‭ ‬المزمن‭ ‬للمدرسين‭ ‬البدلاء،‭ ‬وإصلاح‭ ‬المباني‭ ‬المتدهورة‭ ‬وأجهزة‭ ‬التدفئة‭ ‬المعطلة،‭ ‬وتخفيف‭ ‬الجداول‭ ‬الدراسية‭ ‬المثقلة‭ ‬بالدروس،‭ ‬ودعم‭ ‬الإسكان‭ ‬الطلابي‭ ‬بتجميد‭ ‬الإيجارات‭ ‬لكي‭ ‬تكون‭ ‬ميسرة‭ ‬للطلاب،‭ ‬وإلغاء‭ ‬القوانين‭ ‬والأنظمة‭ ‬الضريبية‭ ‬التي‭ ‬تثقل‭ ‬كاهل‭ ‬الطلاب‭ ‬الأجانب،‭ ‬ومواجهة‭ ‬الغلاء‭ ‬المستمر‭ ‬وتكاليف‭ ‬المعيشة‭ ‬التي‭ ‬تفوق‭ ‬قدرات‭ ‬أهالي‭ ‬الطلاب‭. ‬

وأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬إلغاء‭ ‬نظام‭ ‬القبول‭ ‬الجامعي‭ ‬المسمى‭ ‬‮«‬نظام‭ ‬الجدارة‮»‬‭ ‬المعروف‭ ‬باسم‭ ‬Parcoursup،‭ ‬وهو‭ ‬نظام‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬منصة‭ ‬رسمية‭ ‬خصصتها‭ ‬الحكومة‭ ‬للتسجيل‭ ‬المسبق‭ ‬للطلاب‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬الجامعي،‭ ‬وتضم‭ ‬حوالى‭ ‬25‭ ‬برنامجًا‭ ‬دراسيًا‭ ‬متنوعًا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬التخصصات‭ ‬العلمية،‭ ‬بحيث‭ ‬تقوم‭ ‬المؤسسة‭ ‬التعليمية‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬بتجميع‭ ‬طلبات‭ ‬التسجيل‭ ‬المقدمة‭ ‬من‭ ‬الطلاب،‭ ‬التي‭ ‬تشتمل‭ ‬على‭ ‬رغباتهم‭ ‬مقترنة‭ ‬ببيانات‭ ‬عنهم‭ ‬تتضمن‭ ‬المسار‭ ‬الدراسي‭ ‬لكل‭ ‬منهم،‭ ‬وما‭ ‬حصل‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬درجات‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬المسار،‭ ‬ثم‭ ‬تقوم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬بتقييمه‭ ‬واتخاذ‭ ‬قرارها‭ ‬إما‭ ‬بقبوله‭ ‬وإما‭ ‬رفضه‭.‬

ويرى‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المنصة‭ ‬تمثل‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬التلاميذ‭ ‬أول‭ ‬تجربة‭ ‬حقيقية‭ ‬لما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬نظام‭ ‬الانتقاء‭ ‬الحاد‮»‬‭ ‬في‭ ‬مسارهم‭ ‬الدراسي‭. ‬ويرون‭ ‬فيه‭ ‬أسلوبًا‭ ‬مفرطًا‭ ‬في‭ ‬إشعال‭ ‬التنافسية‭ ‬الحادة‭ ‬وتمهيد‭ ‬الطريق‭ ‬للتقييم‭ ‬الشخصي‭ ‬المبطن،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬يعرقل‭ ‬عملية‭ ‬الحراك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ويغلق‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬للارتقاء‭ ‬في‭ ‬السلم‭ ‬الاجتماعي‭.‬

ويؤكد‭ ‬علماء‭ ‬الاجتماع‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬الشهادات‭ ‬التعليمية‭ ‬قد‭ ‬تراجعت‭ ‬كثيرًا‭ ‬وتغيرت‭ ‬طبيعتها،‭ ‬ومهما‭ ‬بلغت‭ ‬نسبة‭ ‬التفوق‭ ‬في‭ ‬امتحان‭ ‬البكالوريا‭ ‬فإن‭ ‬فائدتها‭ ‬الوحيدة‭ ‬انحصرت‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬إتمام‭ ‬الطالب‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تضمن‭ ‬له‭ ‬إمكانية‭ ‬التحاقه‭ ‬بالتعليم‭ ‬العالي‭. ‬لهذا‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬أزمة‭ ‬كبيرة‭ ‬تصيب‭ ‬‮«‬الوعد‭ ‬الجمهوري‮»‬‭ ‬أي‭ ‬الوعد‭ ‬بتحقيق‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬والارتقاء‭ ‬الاجتماعي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التعليم‭. ‬وقد‭ ‬تفاقمت‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬بدرجة‭ ‬بالغة‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬الثانوية‭ ‬الواقعة‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬ضواحي‭ ‬المدن،‭ ‬حيث‭ ‬يسود‭ ‬الشعور‭ ‬بالتهميش‭ ‬والإحباط‭ ‬الشديد‭ ‬بسبب‭ ‬تقلص‭ ‬قيمة‭ ‬الشهادات‭ ‬بعدما‭ ‬كانت‭ ‬الوسيلة‭ ‬الضرورية‭ ‬للالتحاق‭ ‬بالتعليم‭ ‬الجامعي‭ ‬وتحقيق‭ ‬أماني‭ ‬الطلاب‭ ‬في‭ ‬امتهان‭ ‬الوظائف‭ ‬التي‭ ‬يحلمون‭ ‬بها‭.‬

هذه‭ ‬الاختلالات‭ ‬الكبيرة‭ ‬تتزامن‭ ‬مع‭ ‬اختلالات‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬تنخر‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الفرنسي،‭ ‬وهي‭ ‬ذات‭ ‬الاختلالات‭ ‬التي‭ ‬أشعلت‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬حركة‭ ‬الاحتجاج‭ ‬المعروفة‭ ‬باسم‭ ‬حركة‭ ‬‮«‬أصحاب‭ ‬السترات‭ ‬الصفراء‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬إن‭ ‬خفت‭ ‬حدتها‭ ‬فترة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬كامنة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬وقابلة‭ ‬للانفجار‭ ‬كلما‭ ‬اشتدت‭ ‬الأزمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المزمنة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

وحسبما‭ ‬جاء‭ ‬بتقارير‭ ‬الشرطة‭ ‬الفرنسية‭ ‬فإن‭ ‬المخربين‭ ‬والبلطجية‭ ‬الذين‭ ‬انتهزوا‭ ‬فرصة‭ ‬تظاهرات‭ ‬الطلاب‭ ‬واندسوا‭ ‬فيها‭ ‬ثم‭ ‬قاموا‭ ‬بتحطيم‭ ‬ونهب‭ ‬المحال‭ ‬الجارية‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬غالبيتهم‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬تتراوح‭ ‬أعمارهم‭ ‬بين‭ ‬18‭ ‬عامًا‭ ‬وبداية‭ ‬الثلاثينيات،‭ ‬وتنحدر‭ ‬غالبيتهم‭ ‬الساحقة‭ ‬من‭ ‬الأحياء‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬مشكلات‭ ‬اجتماعية‭ ‬وأمنية،‭ ‬ومن‭ ‬الضواحي‭ ‬البعيدة‭ ‬للتجمعات‭ ‬المهمشة‭ ‬اجتماعيًا‭ ‬واقتصاديًا‭.‬

وقد‭ ‬اختلف‭ ‬المثقفون‭ ‬الفرنسيون‭ ‬في‭ ‬قراءتهم‭ ‬لأزمة‭ ‬طلاب‭ ‬الثانوية‭ ‬وتظاهراتهم؛‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬ممثلو‭ ‬اليسار‭ ‬الفرنسي‭ ‬منهم‭ ‬أن‭ ‬انتفاضة‭ ‬الطلاب‭ ‬هي‭ ‬ظاهرة‭ ‬صحية‭ ‬إزاء‭ ‬تخلى‭ ‬الدولة‭ ‬عن‭ ‬القيام‭ ‬بمسؤوليتها‭ ‬العامة،‭ ‬فالشباب‭ ‬يعبرون‭ ‬عن‭ ‬غضب‭ ‬مشروع‭ ‬إزاء‭ ‬سياسات‭ ‬التقشف‭ ‬المالي‭ ‬وتدهور‭ ‬أوضاع‭ ‬التعليم‭ ‬العمومي،‭ ‬ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬والمشروع‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليهم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬نظام‭ ‬الانتقاء‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الجائر‭ ‬الذي‭ ‬تطبقه‭ ‬الحكومة‭ ‬عليهم‭ ‬أن‭ ‬يمارسوا‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬التظاهر‭ ‬والاحتجاج‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬قلقهم‭ ‬على‭ ‬مستقبلهم‭. ‬كما‭ ‬أدانوا‭ ‬ما‭ ‬يسمونه‭ ‬‮«‬النزعة‭ ‬السلطوية‭ ‬المتنامية‭ ‬لدى‭ ‬الحكومة‮»‬،‭ ‬لأنها‭ ‬تؤثر‭ ‬‮«‬إخضاع‭ ‬الشباب‭ ‬بالقوة‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬تمويل‭ ‬التعليم‭ ‬وتحسين‭ ‬أوضاعه‮»‬‭.‬

أما‭ ‬مثقفو‭ ‬اليمين‭ ‬فنددوا‭ ‬بما‭ ‬يسمونه‭ ‬‮«‬التوحش‭ ‬المجتمعي‭ ‬والتساهل‭ ‬الأمني‮»‬،‭ ‬فهم‭ ‬لا‭ ‬يقرأون‭ ‬الأحداث‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬انهيار‭ ‬نظام‭ ‬التعليم‭ ‬وبنيته‭ ‬التحتية،‭ ‬وإنما‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬الأمن‭ ‬والهجرة؛‭ ‬فيصفون‭ ‬المتظاهرين‭ ‬سواء‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬الطلاب‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬مثيري‭ ‬الشغب‭ ‬بأنهم‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الجانح‭ ‬المنفلت‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬قيد،‭ ‬وأن‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬قوية‭ ‬بالأصول‭ ‬المهاجرة،‭ ‬ويطالبون‭ ‬تباعًا‭ ‬بتطبيق‭ ‬عقوبات‭ ‬جنائية‭ ‬صارمة‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭.‬

وما‭ ‬كاد‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬ينهى‭ ‬خطابه‭ ‬الموجه‭ ‬إلى‭ ‬شعبه‭ ‬حول‭ ‬الأزمة‭ ‬حتى‭ ‬شن‭ ‬عليه‭ ‬معارضوه‭ ‬وحلفاؤه،‭ ‬مثل‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬السابق‭ ‬إدوار‭ ‬فيليب،‭ ‬هجومًا‭ ‬شديدًا‭ ‬لخلو‭ ‬خطابه‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬قرارات‭ ‬جوهرية،‭ ‬إذ‭ ‬اكتفى‭ ‬ماكرون‭ ‬بالتعبير‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الغضب‭ ‬والعار‮»‬‭ ‬والتوعد‭ ‬بمحاسبة‭ ‬المخربين‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إعلان‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬لتهدئة‭ ‬الشارع‭ ‬أو‭ ‬حل‭ ‬الأزمة‭ ‬الاقتصادية‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي

‭ ‬بكلية‭ ‬الآداب‭ ‬–‭ ‬جامعة‭ ‬حلوان‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا