أعاد حزب الخضر في إنجلترا وويلز النقاش إلى مساره الصحيح، إذ إنه يدرك أن المشكلة الحقيقية لا تتعلق بغياب الحلول المبتكرة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، بل تكمن المشكلة في الصهيونية ذاتها.
ولإدراك أهمية القرار «A105» – الذي اعتمده حزب الخضر في إنجلترا وويلز في الرابع من شهر أكتوبر 2026– ينبغي النظر بكل تعمق في مبادئه الأساسية.
لقد أصبح الحزب الآن مناهضاً للصهيونية بشكل رسمي، إذ إنه يتبنى حق الفلسطينيين في العودة، ويدعم إقامة دولة ديمقراطية واحدة على كامل تراب فلسطين التاريخية، ويؤكد مجدداً التزامه بحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، كما يميّز بوضوح بين مناهضة الصهيونية ومعاداة السامية، ويدعو إلى فرض حظر شامل على توريد الأسلحة إلى إسرائيل.
ورغم أن هذا القرار قد يبدو ثورياً في سياق السياسة البريطانية، إلا أنه ليس كذلك على الإطلاق إذا ما تم تنزيله في إطار تاريخ سلب الفلسطينيين حقوقهم وأراضيهم، وهو التاريخ المرير الذي بدأ قبل وقت طويل من نكبة فلسطين عام 1948.
وفي الواقع، لم يكن حزب الخضر في إنجلترا وويلز أول من ساوى بين الصهيونية والعنصرية. فهذا الطرح يدين بالكثير لحركات التحرر المناهضة للاستعمار في أفريقيا ونضالها ضد نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) في جنوب إفريقيا.
في سنة 1975، عقدت منظمة الوحدة الإفريقية – منظمة الاتحاد الإفريقي الآن – اجتماعاً في كمبالا بأوغندا، رسمت فيه أوجه تشابه صريحة بين الأنظمة العنصرية التي كانت تحكم جنوب إفريقيا وروديسيا، بالإضافة وفلسطين المحتلة التي لا تزال تحت هذا النظام العنصري المقيت، مشيرةً إلى جذورها الإمبريالية المشتركة.
وقد ساعد هذا الموقف في تمهيد الطريق لصدور قرار الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة رقم 3379، في 10 نوفمبر 1975، الذي نص على أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري.
وتحت ضغوط دبلوماسية مكثفة من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، تراجعت منظمة الأمم المتحدة في نهاية المطاف عن هذا التوصيف في 16 ديسمبر 1991.
ومع ذلك، لم تتم مطالبة إسرائيل حتى اليوم بتفكيك الهياكل القائمة على التمييز العنصري التي كانت سبباً في صدور تلك الإدانة الأصلية. وفي الحقيقة فإن إلغاء ذلك القرار قد غيّر موقف منظمة الأمم المتحدة، لكنه لم يغير الواقع الذي يواجهه الفلسطينيون.
يتعين على أولئك الذين رضخوا للضغوط الأمريكية في عام 1991 أن يواجهوا سؤالاً مقلقاً يتعلق بالمسؤولية الأخلاقية: هل ساهم قرارهم في إضفاء الشرعية على الهياكل السياسية ذاتها التي كرّست تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم، والاحتلال، والاستعمار الاستيطاني؟
لقد أعاد حزب الخضر في إنجلترا وويلز فتح ذلك النقاش التاريخي، لكنه قام أيضاً بخطوة ذات أبعاد أكثر أهمية. فمن خلال تبني هذا المقترح بأغلبية 1022 صوتاً مقابل 813، أثبت أعضاء الحزب أن الأفكار التي كانت تُنبذ سابقاً باعتبارها «متطرفة»، باتت تتحدى بشكل متزايد حدود التيار السياسي السائد في بريطانيا.
ومع ذلك، ينطوي هذا الإنجاز على تصدعات جوهرية تكشف عن طبيعة الصراع القادم، إذ عارض أربعة من نواب الحزب الخمسة في البرلمان هذا القرار.
ولعل الأمر الأكثر دلالة في خضم هذا الجدل هو أن ساندي روثفن، رئيس مجلس أمناء منظمة العفو الدولية في المملكة المتحدة، استقال تماماً من عضوية حزب الخضر في إنجلترا وويلز.
وفي معرض تبريره لقراره، اتهم روثفن الحزب بالسعي إلى استمالة أصوات أقصى اليسار، بينما أخفق في الوقت ذاته في مواجهة التحيز القائم داخل صفوفه.
تكشف استقالة ساندي روثفن عن تناقض جدير بالدراسة، لا سيما بالنظر إلى ارتباطه بمنظمة سبق لها أن وثّقت نظام الفصل العنصري الإسرائيلي ضد الفلسطينيين.
ففي شهر فبراير 2022، نشرت منظمة العفو الدولية تقريرًا تاريخيًا خلص إلى أن إسرائيل تُمارس نظامًا مؤسسيًا للقمع والهيمنة على الفلسطينيين يرقى إلى مستوى الفصل العنصري.
كان هذا الاعتراف متأخرًا، ولكنه بالغ الأهمية. مع ذلك، لا ينشأ الفصل العنصري من فراغ أيديولوجي، بل يستند إلى افتراضات سياسية حول الانتماء والسيادة والتحكم الديموغرافي والتوزيع غير المتكافئ للحقوق.
لذا، فإن السؤال اليوم لا يتعلق بمجرد وجود نظام التمييز والفصل العنصري في إسرائيل، بقدر ما يتعلق بالمبادئ السياسية التي مكّنت من تأسيسه واستمراره.
نشأت الحركة الصهيونية في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر كمشروع قومي يسعى إلى إيجاد وطن لليهود، وتطورت لاحقاً لتسعى إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين. وقد أدى تنفيذ هذا المشروع في نهاية المطاف إلى التهجير الجماعي للفلسطينيين عام 1948.
ولا يمكن بأي حال تجاهل الرابط بين ذلك المشروع التأسيسي وبين الهياكل التمييزية التي وثقتها منظمة العفو الدولية نفسها. فكيف يتسنى لأمثال ساندي روثفن إدانة نظام الفصل العنصري دون مواجهة الأيديولوجية التي تكمن وراءه؟ وإذا لم تكن تلك الأيديولوجية هي الصهيونية، فماذا تكون إذن؟
غير أن القضية الأوسع لا تكمن في نقص المعرفة التاريخية لدى النخب السياسية والفكرية في بريطانيا. بل على العكس، لطالما نصّبت هذه النخب نفسها حارسةً للخطاب المسموح به حول إسرائيل وفلسطين؛ وهو خطاب يفسح المجال لانتقادات عارضة -قد تصل أحياناً إلى حد الإدانة الشديدة- لكنه نادراً ما يسمح بطرح تحدٍّ جوهري للهياكل السياسية ذاتها.
واليوم، جاءت القواعد الشعبية لحزب الخضر في إنجلترا وويلز لتتحدى هذا المفهوم السائد، إذ تجاوزت الخط الفاصل بين ما يمكن انتقاده وبين ما يجب أن يظل بمنأى عن أي مساس سياسي.
وفي ظل الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، أعلن حزب الخضر في إنجلترا وويلز فعلياً أن الوقت قد ولّى للنقد الموزون والمحسوب والمتوازن.
وبذلك، فتح الحزب مساحة سياسية قد يشغلها آخرون لاحقاً، بمن فيهم أطراف داخل حزب العمال، الذي لطالما شهد انقساماً بين قاعدته الشعبية التقدمية وقيادته التي تميل أكثر فأكثر نحو الوسط، والتي باتت سياساتها – لا سيما فيما يتعلق بفلسطين- لا تكاد تختلف عن سياسات اليمين السياسي.
وقد يشجع هذا التصويت أيضاً على إثارة نقاشات مماثلة في مختلف أنحاء أوروبا، مما يضع الأحزاب السياسية أمام ضرورة مواجهة العلاقة بين الصهيونية، ومعاداة السامية، وحقوق الفلسطينيين، ومستقبل فلسطين التاريخية.
ولعل المساهمة الأهم لحزب الخضر في إنجلترا وويلز تكمن في أنه أعاد طرح الأسس التي يقوم عليها النقاش برمته. فلعقود طويلة، ركزت الدبلوماسية الدولية بشكل مفرط على إيجاد الحلول، بينما ظلت الأسس الأيديولوجية للنظام السياسي القائم في إسرائيل بمنأى عن أي تمحيص أو مساءلة حقيقية.
لقد غيّر حزب الخضر في إنجلترا وويلز هذا النهج، معلناً – في جوهر الأمر– أنه لا يمكن لأي حل سياسي في فلسطين، مهما بدا مثالياً أو واقعياً في الظاهر، أن يتعايش مع الصهيونية.
كانت ردود الفعل الغاضبة ضد حزب الخضر في إنجلترا وويلز متوقعة بطبيعة الحال؛ لكن ثمة أيضاً تصميماً متزايداً لدى الناخبين البريطانيين على تحدي حدود النقاش المسموح به عبر مختلف أطياف المشهد السياسي.
وقد يمهد هذا أخيراً الطريق أمام حوار جاد حول الكيفية التي يمكن للعالم من خلالها محاسبة إسرائيل.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك