العدد : ١٧٧٤٦ - السبت ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٦ - السبت ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تناقضات النخب السياسية والفكرية في الموقف من إسرائيل

بقلم: د. رمزي بارود

الجمعة ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

أعاد‭ ‬حزب‭ ‬الخضر‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬وويلز‭ ‬النقاش‭ ‬إلى‭ ‬مساره‭ ‬الصحيح،‭ ‬إذ‭ ‬إنه‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تتعلق‭ ‬بغياب‭ ‬الحلول‭ ‬المبتكرة‭ ‬لإنهاء‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لفلسطين،‭ ‬بل‭ ‬تكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬الصهيونية‭ ‬ذاتها‭.‬

ولإدراك‭ ‬أهمية‭ ‬القرار‭ ‬‮«‬A105‮»‬‭ ‬–‭ ‬الذي‭ ‬اعتمده‭   ‬حزب‭ ‬الخضر‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬وويلز‭ ‬في‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬2026–‭ ‬ينبغي‭ ‬النظر‭ ‬بكل‭ ‬تعمق‭ ‬في‭ ‬مبادئه‭ ‬الأساسية‭.‬

لقد‭ ‬أصبح‭ ‬الحزب‭ ‬الآن‭ ‬مناهضاً‭ ‬للصهيونية‭ ‬بشكل‭ ‬رسمي،‭ ‬إذ‭ ‬إنه‭ ‬يتبنى‭ ‬حق‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬العودة،‭ ‬ويدعم‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬ديمقراطية‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬كامل‭ ‬تراب‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية،‭ ‬ويؤكد‭ ‬مجدداً‭ ‬التزامه‭ ‬بحركة‭ ‬المقاطعة‭ ‬وسحب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وفرض‭ ‬العقوبات،‭ ‬كما‭ ‬يميّز‭ ‬بوضوح‭ ‬بين‭ ‬مناهضة‭ ‬الصهيونية‭ ‬ومعاداة‭ ‬السامية،‭ ‬ويدعو‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬حظر‭ ‬شامل‭ ‬على‭ ‬توريد‭ ‬الأسلحة‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬ثورياً‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬السياسة‭ ‬البريطانية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬كذلك‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬تنزيله‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تاريخ‭ ‬سلب‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬حقوقهم‭ ‬وأراضيهم،‭ ‬وهو‭ ‬التاريخ‭ ‬المرير‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬قبل‭ ‬وقت‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬نكبة‭ ‬فلسطين‭ ‬عام‭ ‬1948‭.‬

وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حزب‭ ‬الخضر‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬وويلز‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬ساوى‭ ‬بين‭ ‬الصهيونية‭ ‬والعنصرية‭. ‬فهذا‭ ‬الطرح‭ ‬يدين‭ ‬بالكثير‭ ‬لحركات‭ ‬التحرر‭ ‬المناهضة‭ ‬للاستعمار‭ ‬في‭ ‬أفريقيا‭ ‬ونضالها‭ ‬ضد‭ ‬نظام‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ (‬الأبارتهايد‭) ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭.‬

في‭ ‬سنة‭ ‬1975،‭ ‬عقدت‭ ‬منظمة‭ ‬الوحدة‭ ‬الإفريقية‭ ‬–‭ ‬منظمة‭ ‬الاتحاد‭ ‬الإفريقي‭ ‬الآن‭ ‬–‭ ‬اجتماعاً‭ ‬في‭ ‬كمبالا‭ ‬بأوغندا،‭ ‬رسمت‭ ‬فيه‭ ‬أوجه‭ ‬تشابه‭ ‬صريحة‭ ‬بين‭ ‬الأنظمة‭ ‬العنصرية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحكم‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬وروديسيا،‭ ‬بالإضافة‭ ‬وفلسطين‭ ‬المحتلة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحت‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬العنصري‭ ‬المقيت،‭ ‬مشيرةً‭ ‬إلى‭ ‬جذورها‭ ‬الإمبريالية‭ ‬المشتركة‭.‬

وقد‭ ‬ساعد‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬في‭ ‬تمهيد‭ ‬الطريق‭ ‬لصدور‭ ‬قرار‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬لمنظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬رقم‭ ‬3379،‭ ‬في‭ ‬10‭ ‬نوفمبر‭ ‬1975،‭ ‬الذي‭ ‬نص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الصهيونية‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬العنصرية‭ ‬والتمييز‭ ‬العنصري‭.‬

وتحت‭ ‬ضغوط‭ ‬دبلوماسية‭ ‬مكثفة‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬تراجعت‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬التوصيف‭ ‬في‭ ‬16‭ ‬ديسمبر‭ ‬1991‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬تتم‭ ‬مطالبة‭ ‬إسرائيل‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬بتفكيك‭ ‬الهياكل‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬العنصري‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سبباً‭ ‬في‭ ‬صدور‭ ‬تلك‭ ‬الإدانة‭ ‬الأصلية‭.‬‭ ‬وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬فإن‭ ‬إلغاء‭ ‬ذلك‭ ‬القرار‭ ‬قد‭ ‬غيّر‭ ‬موقف‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يغير‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬يواجهه‭ ‬الفلسطينيون‭.‬

يتعين‭ ‬على‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬رضخوا‭ ‬للضغوط‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1991‭ ‬أن‭ ‬يواجهوا‭ ‬سؤالاً‭ ‬مقلقاً‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬الأخلاقية‭: ‬هل‭ ‬ساهم‭ ‬قرارهم‭ ‬في‭ ‬إضفاء‭ ‬الشرعية‭ ‬على‭ ‬الهياكل‭ ‬السياسية‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬كرّست‭ ‬تجريد‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬ممتلكاتهم،‭ ‬والاحتلال،‭ ‬والاستعمار‭ ‬الاستيطاني؟

لقد‭ ‬أعاد‭ ‬حزب‭ ‬الخضر‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬وويلز‭ ‬فتح‭ ‬ذلك‭ ‬النقاش‭ ‬التاريخي،‭ ‬لكنه‭ ‬قام‭ ‬أيضاً‭ ‬بخطوة‭ ‬ذات‭ ‬أبعاد‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬تبني‭ ‬هذا‭ ‬المقترح‭ ‬بأغلبية‭ ‬1022‭ ‬صوتاً‭ ‬مقابل‭ ‬813،‭ ‬أثبت‭ ‬أعضاء‭ ‬الحزب‭ ‬أن‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُنبذ‭ ‬سابقاً‭ ‬باعتبارها‭ ‬‮«‬متطرفة‮»‬،‭ ‬باتت‭ ‬تتحدى‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭ ‬حدود‭ ‬التيار‭ ‬السياسي‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ينطوي‭ ‬هذا‭ ‬الإنجاز‭ ‬على‭ ‬تصدعات‭ ‬جوهرية‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراع‭ ‬القادم،‭ ‬إذ‭ ‬عارض‭ ‬أربعة‭ ‬من‭ ‬نواب‭ ‬الحزب‭ ‬الخمسة‭ ‬في‭ ‬البرلمان‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭. ‬

ولعل‭ ‬الأمر‭ ‬الأكثر‭ ‬دلالة‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬ساندي‭ ‬روثفن،‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬أمناء‭ ‬منظمة‭ ‬العفو‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬المتحدة،‭ ‬استقال‭ ‬تماماً‭ ‬من‭ ‬عضوية‭ ‬حزب‭ ‬الخضر‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬وويلز‭.‬

وفي‭ ‬معرض‭ ‬تبريره‭ ‬لقراره،‭ ‬اتهم‭ ‬روثفن‭ ‬الحزب‭ ‬بالسعي‭ ‬إلى‭ ‬استمالة‭ ‬أصوات‭ ‬أقصى‭ ‬اليسار،‭ ‬بينما‭ ‬أخفق‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحيز‭ ‬القائم‭ ‬داخل‭ ‬صفوفه‭.‬

تكشف‭ ‬استقالة‭ ‬ساندي‭ ‬روثفن‭ ‬عن‭ ‬تناقض‭ ‬جدير‭ ‬بالدراسة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬ارتباطه‭ ‬بمنظمة‭ ‬سبق‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬وثّقت‭ ‬نظام‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين‭.‬

ففي‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬2022،‭ ‬نشرت‭ ‬منظمة‭ ‬العفو‭ ‬الدولية‭ ‬تقريرًا‭ ‬تاريخيًا‭ ‬خلص‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تُمارس‭ ‬نظامًا‭ ‬مؤسسيًا‭ ‬للقمع‭ ‬والهيمنة‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬يرقى‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭.‬

كان‭ ‬هذا‭ ‬الاعتراف‭ ‬متأخرًا،‭ ‬ولكنه‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭. ‬مع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬ينشأ‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ ‬من‭ ‬فراغ‭ ‬أيديولوجي،‭ ‬بل‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬افتراضات‭ ‬سياسية‭ ‬حول‭ ‬الانتماء‭ ‬والسيادة‭ ‬والتحكم‭ ‬الديموغرافي‭ ‬والتوزيع‭ ‬غير‭ ‬المتكافئ‭ ‬للحقوق‭.‬

لذا،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بمجرد‭ ‬وجود‭ ‬نظام‭ ‬التمييز‭ ‬والفصل‭ ‬العنصري‭ ‬في‭ ‬إسرائيل،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمبادئ‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬مكّنت‭ ‬من‭ ‬تأسيسه‭ ‬واستمراره‭.‬

نشأت‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬كمشروع‭ ‬قومي‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬وطن‭ ‬لليهود،‭ ‬وتطورت‭ ‬لاحقاً‭ ‬لتسعى‭ ‬إلى‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬يهودية‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭. ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬تنفيذ‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إلى‭ ‬التهجير‭ ‬الجماعي‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬عام‭ ‬1948‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬تجاهل‭ ‬الرابط‭ ‬بين‭ ‬ذلك‭ ‬المشروع‭ ‬التأسيسي‭ ‬وبين‭ ‬الهياكل‭ ‬التمييزية‭ ‬التي‭ ‬وثقتها‭ ‬منظمة‭ ‬العفو‭ ‬الدولية‭ ‬نفسها‭. ‬فكيف‭ ‬يتسنى‭ ‬لأمثال‭ ‬ساندي‭ ‬روثفن‭ ‬إدانة‭ ‬نظام‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ ‬دون‭ ‬مواجهة‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬التي‭ ‬تكمن‭ ‬وراءه؟‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬هي‭ ‬الصهيونية،‭ ‬فماذا‭ ‬تكون‭ ‬إذن؟

غير‭ ‬أن‭ ‬القضية‭ ‬الأوسع‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬نقص‭ ‬المعرفة‭ ‬التاريخية‭ ‬لدى‭ ‬النخب‭ ‬السياسية‭ ‬والفكرية‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭. ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس،‭ ‬لطالما‭ ‬نصّبت‭ ‬هذه‭ ‬النخب‭ ‬نفسها‭ ‬حارسةً‭ ‬للخطاب‭ ‬المسموح‭ ‬به‭ ‬حول‭ ‬إسرائيل‭ ‬وفلسطين؛‭ ‬وهو‭ ‬خطاب‭ ‬يفسح‭ ‬المجال‭ ‬لانتقادات‭ ‬عارضة‭ -‬قد‭ ‬تصل‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الإدانة‭ ‬الشديدة‭- ‬لكنه‭ ‬نادراً‭ ‬ما‭ ‬يسمح‭ ‬بطرح‭ ‬تحدٍّ‭ ‬جوهري‭ ‬للهياكل‭ ‬السياسية‭ ‬ذاتها‭.‬

واليوم،‭ ‬جاءت‭ ‬القواعد‭ ‬الشعبية‭ ‬لحزب‭ ‬الخضر‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬وويلز‭ ‬لتتحدى‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬السائد،‭ ‬إذ‭ ‬تجاوزت‭ ‬الخط‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬انتقاده‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬مساس‭ ‬سياسي‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬ترتكبها‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬أعلن‭ ‬حزب‭ ‬الخضر‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬وويلز‭ ‬فعلياً‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬ولّى‭ ‬للنقد‭ ‬الموزون‭ ‬والمحسوب‭ ‬والمتوازن‭.‬

وبذلك،‭ ‬فتح‭ ‬الحزب‭ ‬مساحة‭ ‬سياسية‭ ‬قد‭ ‬يشغلها‭ ‬آخرون‭ ‬لاحقاً،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬أطراف‭ ‬داخل‭ ‬حزب‭ ‬العمال،‭ ‬الذي‭ ‬لطالما‭ ‬شهد‭ ‬انقساماً‭ ‬بين‭ ‬قاعدته‭ ‬الشعبية‭ ‬التقدمية‭ ‬وقيادته‭ ‬التي‭ ‬تميل‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬نحو‭ ‬الوسط،‭ ‬والتي‭ ‬باتت‭ ‬سياساتها‭ ‬–‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بفلسطين‭- ‬لا‭ ‬تكاد‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬سياسات‭ ‬اليمين‭ ‬السياسي‭.‬

وقد‭ ‬يشجع‭ ‬هذا‭ ‬التصويت‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬إثارة‭ ‬نقاشات‭ ‬مماثلة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬أوروبا،‭ ‬مما‭ ‬يضع‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬أمام‭ ‬ضرورة‭ ‬مواجهة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الصهيونية،‭ ‬ومعاداة‭ ‬السامية،‭ ‬وحقوق‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬ومستقبل‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية‭.‬

ولعل‭ ‬المساهمة‭ ‬الأهم‭ ‬لحزب‭ ‬الخضر‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬وويلز‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬أعاد‭ ‬طرح‭ ‬الأسس‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬عليها‭ ‬النقاش‭ ‬برمته‭. ‬فلعقود‭ ‬طويلة،‭ ‬ركزت‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الدولية‭ ‬بشكل‭ ‬مفرط‭ ‬على‭ ‬إيجاد‭ ‬الحلول،‭ ‬بينما‭ ‬ظلت‭ ‬الأسس‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬للنظام‭ ‬السياسي‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬تمحيص‭    ‬أو‭ ‬مساءلة‭ ‬حقيقية‭.‬

لقد‭ ‬غيّر‭ ‬حزب‭ ‬الخضر‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬وويلز‭ ‬هذا‭ ‬النهج،‭ ‬معلناً‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬جوهر‭ ‬الأمر–‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬حل‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬مهما‭ ‬بدا‭ ‬مثالياً‭ ‬أو‭ ‬واقعياً‭ ‬في‭ ‬الظاهر،‭ ‬أن‭ ‬يتعايش‭ ‬مع‭ ‬الصهيونية‭.‬

كانت‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬الغاضبة‭ ‬ضد‭ ‬حزب‭ ‬الخضر‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬وويلز‭ ‬متوقعة‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال؛‭ ‬لكن‭ ‬ثمة‭ ‬أيضاً‭ ‬تصميماً‭ ‬متزايداً‭ ‬لدى‭ ‬الناخبين‭ ‬البريطانيين‭ ‬على‭ ‬تحدي‭ ‬حدود‭ ‬النقاش‭ ‬المسموح‭ ‬به‭ ‬عبر‭ ‬مختلف‭ ‬أطياف‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭.‬

وقد‭ ‬يمهد‭ ‬هذا‭ ‬أخيراً‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬حوار‭ ‬جاد‭ ‬حول‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬للعالم‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬محاسبة‭ ‬إسرائيل‭.‬

 

{ ‭ ‬أكاديمي‭ ‬وكاتب‭ ‬فلسطيني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا