العدد : ١٧٧٤٧ - الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٧ - الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الفلسطينيون وآمالهم بشأن المستقبل

بقلم: د. عبد المنعم سعيد

الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬تأجيل‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬والرئاسية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬إلى‭ ‬شهر‭ ‬سبتمبر‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬القادم‭ ‬2027‭ ‬أضاع‭ ‬فرصة‭ ‬ممارسة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬علامات‭ ‬السيادة‭ ‬الضرورية‭ ‬لقيام‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المستقلة؛‭ ‬وهي‭ ‬القدرة‭ ‬المستقرة‭ ‬على‭ ‬الاختيار‭ ‬والتداول‭ ‬في‭ ‬الأمور‭ ‬المهمة‭ ‬والعامة‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

‭ ‬ولحسن‭ ‬الحظ‭ ‬أنه‭ ‬رغم‭ ‬معاناة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬والإشكاليات‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬أمام‭ ‬تصويت‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬القدس‭ ‬وغزة‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬فإن‭ ‬آراءهم‭ ‬لم‭ ‬تختف‭ ‬نتيجة‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إجراء‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬المستقرة‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬‮«‬المركز‭ ‬الفلسطيني‭ ‬للبحوث‭ ‬السياسية‭ ‬والمسحية‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أنشئ‭ ‬عام‭ ‬2000‭ ‬كمؤسسة‭ ‬أكاديمية‭ ‬تقوم‭ ‬بالبحوث‭ ‬السياسية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالشأن‭ ‬العام‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬وجهاتها‭ ‬المختلفة‭.‬

‭ ‬وفى‭ ‬14‭ ‬أكتوبر‭ ‬الجاري‭ ‬قام‭ ‬المركز‭ ‬بنشر‭ ‬نتائج‭ ‬استطلاعه‭ ‬رقم‭ ‬98‭ ‬بعد‭ ‬شهرين‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬استطلاعه‭ ‬السابق‭ ‬97‭ ‬الذي‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬2026‭ ‬والذي‭ ‬يعكس‭ ‬تواتر‭ ‬القياس‭ ‬وانتظامه‭ ‬للرأي‭ ‬العام‭ ‬الفلسطيني‭ ‬درجة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الحرفية‭ ‬والقدرة‭ ‬العلمية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬ليست‭ ‬وسيلة‭ ‬بديلة‭ ‬للتصويت‭ ‬الذي‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬الالتزام‭ ‬السياسي‭ ‬لمن‭ ‬يشاركون‭ ‬أمام‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع؛‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬قياس‭ ‬لنبض‭ ‬الجماهير‭ ‬المسيسة‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬معينة،‭ ‬خاصة‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬المناخ‭ ‬السياسي‭ ‬مواتيا،‭ ‬والنقاش‭ ‬والحوار‭ ‬العام‭ ‬غنيا‭ ‬بالأفكار‭ ‬والمقترحات‭ ‬والمقتربات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالشأن‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬حرجة‭ ‬من‭ ‬تاريخه‭ ‬التي‭ ‬جسدها‭ ‬نشوب‭ ‬حرب‭ ‬غزة‭ ‬الخامسة‭ ‬في‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭.‬

حرب‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تبق‭ ‬على‭ ‬حالها‭ ‬المأساوي‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬وإنما‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬حيث‭ ‬جرى‭ ‬التمدد‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭ ‬المخصصة‭ ‬للسلطة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬طبقا‭ ‬لاتفاقيات‭ ‬أوسلو‭. ‬ولم‭ ‬يمر‭ ‬وقت‭ ‬طويل‭ ‬حتى‭ ‬التحمت‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬حرب‭ ‬الخليج‭ ‬الرابعة‭ ‬وبات‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬جميعه‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬حرب‭ ‬معقدة‭ ‬وصعبة‭ ‬شملت‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬وتهديد‭ ‬الملاحة‭ ‬والتجارة‭ ‬الدولية‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬أخرى‭ ‬أصبحت‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬المليشيات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بجبهة‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ«المقاومة‭ ‬والممانعة‮»‬‭.‬

إن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬ليس‭ ‬موضوعنا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬أخذت‭ ‬الانتباه‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬‮«‬القضية‭ ‬الفلسطينية‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬اتخذت‭ ‬القيادة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬القرار‭ ‬بإجراء‭ ‬الانتخابات‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬نوفمبر2026‭. ‬أصبحت‭ ‬الانتخابات‭ ‬الفلسطينية‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬مصادفة‭ ‬إجراء‭ ‬الانتخابات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬27‭ ‬أكتوبر‭ ‬الجاري،‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬الأمريكية‭ ‬لمجلسي‭ ‬النواب‭ ‬والشيوخ؛‭ ‬وجميعها‭ ‬بات‭ ‬ملتحما‭ ‬بتقرير‭ ‬مصير‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬ولما‭ ‬كانت‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬جارية‭ ‬على‭ ‬الجبهات‭ ‬الثلاث،‭ ‬فإن‭ ‬رأى‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بات‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬توجهات‭ ‬المنطقة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بقضايا‭ ‬الحرب‭ ‬والسلام‭.‬

وسط‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬قامت‭ ‬الرئاسة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬بتأجيل‭ ‬الانتخابات‭ ‬العامة‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬طوال‭ ‬العشرين‭ ‬عاما‭ ‬السابقة‭ ‬موضحة‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬ذكرها‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬جرى‭ ‬فيها‭ ‬التأجيل،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬بيان‭ ‬كيفية‭ ‬تجاوزها‭ ‬خلال‭ ‬الشهور‭ ‬المقبلة‭. ‬الاستطلاع‭ ‬المشار‭ ‬إليه‭ ‬يقول‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬يريد‭ ‬عقد‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭ ‬بنسبة‭ (‬56%‭) ‬مع‭ ‬بحث‭ ‬القيادة‭ ‬عن‭ ‬وحدة‭ ‬الصف‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وراء‭ ‬اختيارات‭ ‬يريدها‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭. ‬

ان‭ ‬الاتجاه‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الاختيارات‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬كثيرا‭ ‬عن‭ ‬الإرادة‭ ‬العامة‭ ‬للشعوب‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬أهمية‭ ‬مواجهة‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المتدهورة،‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬التأييد‭ ‬لقائمة‭ ‬‮«‬بشار‭ ‬المصري‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬بعد‭ ‬عرض‭ ‬معلومات‭ ‬عن‭ ‬خلفيته‭ ‬وبرنامجه‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الناخبين‮»‬‭ ‬يتجهون‭ ‬عمليا‭ ‬بصورة‭ ‬عملية‭ ‬إلى‭ ‬الكفاءة‭ ‬الإدارية‭ ‬وجذب‭ ‬الاستثمارات‭. ‬وبات‭ ‬واضحا‭ ‬أن‭ ‬حركة‭ ‬حماس‭ ‬تشهد‭ ‬تراجعا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬شعبيتها‭ ‬وهو‭ ‬تراجع‭ ‬ليس‭ ‬حكرا‭ ‬عليهم‭ ‬وإنما‭ ‬يشمل‭ ‬التنظيمات‭ ‬الأخرى‭ ‬والتقليدية؛‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬هناك‭ ‬رفضا‭ (‬74%‭) ‬لنزع‭ ‬سلاحها؛‭ ‬والغريب‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬حدث‭ ‬بعد‭ ‬إعلان‭ ‬حماس‭ ‬استعدادها‭ ‬لهذه‭ ‬الخطوة‭. ‬الموقف‭ ‬الشعبي‭ ‬لم‭ ‬ير‭ ‬أن‭ ‬حماس‭ ‬أو‭ ‬إسرائيل‭ ‬أيضا‭ ‬انتصرت‭ ‬في‭ ‬الحرب؛‭ ‬وفى‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي‭ ‬فإنه‭ ‬يفضل‭ ‬المفاوضات‭ ‬على‭ ‬‮«‬الكفاح‭ ‬المسلح‮»‬،‭ ‬ويرشح‭ ‬دولا‭ ‬عربية‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬مصر‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬الوساطة‭.‬

باختصار‭ ‬فإن‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬ذاقه‭ ‬من‭ ‬مأساة‭ ‬كبرى‭ ‬خلال‭ ‬الأعوام‭ ‬الثلاثة‭ ‬الأخيرة‭ ‬يعيش‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬‮«‬ساداتية‮»‬‭ ‬واقعية‭ ‬وساعية‭ ‬أولا‭ ‬إلى‭ ‬إنقاذ‭ ‬الجماهير‭ ‬من‭ ‬المأساة‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اتباع‭ ‬سياسات‭ ‬عملية‭ ‬وواقعية‭ ‬تطرح‭ ‬بوضوح‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭ ‬كإطار‭ ‬لوجود‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬تعيد‭ ‬توحيد‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬مع‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬أو‭ ‬الأرض‭ ‬المحتلة‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬يونيو‭ ‬1967،‭ ‬وتكون‭ ‬القدس‭ ‬الشرقية‭ ‬هي‭ ‬عاصمتها‭.‬

وثانيا‭ ‬أن‭ ‬أدوات‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬واقعيا‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شخصيات‭ ‬ذات‭ ‬قدرات‭ ‬ديناميكية‭ ‬تخلق‭ ‬واقعا‭ ‬مدنيا‭ ‬جديدا‭ ‬يحتكر‭ ‬فيه‭ ‬مشروع‭ ‬الدولة‭ ‬فقط‭ ‬حق‭ ‬استخدام‭ ‬السلاح‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬مواصفات‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭.‬

وثالثا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬إدراكا‭ ‬بأن‭ ‬إسرائيل‭ ‬قد‭ ‬تجاوزت‭ ‬‮«‬حل‭ ‬الدولتين‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يكفل‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلة؛‭ ‬وكذلك‭ ‬حل‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الواحدة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تتحمل‭ ‬فيه‭ ‬المساواة‭ ‬الكاملة‭ ‬بين‭ ‬الشعبين‭ ‬الفلسطيني‭ ‬والإسرائيلي‭. ‬ورابعا‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬استخلاصه‭ ‬من‭ ‬الاستطلاع‭ ‬أن‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬لم‭ ‬يبد‭ ‬تراجعا‭ ‬عن‭ ‬حقوقه‭ ‬المشروعة؛‭ ‬ولكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الوسائل‭ ‬السابقة‭ ‬بأحزابها‭ ‬وقياداتها‭ ‬لم‭ ‬تأخذ‭ ‬الحركة‭ ‬الوطنية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭. ‬والأمر‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬يتضمن‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬الفلسطيني‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬تحولات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬التطلعات‭ ‬الفلسطينية‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬ومفكر‭ ‬سياسي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا