لا شك أن تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية إلى شهر سبتمبر في العام القادم 2027 أضاع فرصة ممارسة واحدة من علامات السيادة الضرورية لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة؛ وهي القدرة المستقرة على الاختيار والتداول في الأمور المهمة والعامة للشعب الفلسطيني.
ولحسن الحظ أنه رغم معاناة الاحتلال الإسرائيلي والإشكاليات الكبرى التي تقف أمام تصويت الفلسطينيين في القدس وغزة والضفة الغربية فإن آراءهم لم تختف نتيجة القدرة على إجراء استطلاعات الرأي العام المستقرة التي يقوم بها «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية» الذي أنشئ عام 2000 كمؤسسة أكاديمية تقوم بالبحوث السياسية الخاصة بالشأن العام الفلسطيني في وجهاتها المختلفة.
وفى 14 أكتوبر الجاري قام المركز بنشر نتائج استطلاعه رقم 98 بعد شهرين فقط من استطلاعه السابق 97 الذي جرى في أغسطس 2026 والذي يعكس تواتر القياس وانتظامه للرأي العام الفلسطيني درجة كبيرة من الحرفية والقدرة العلمية. ومع ذلك فإن استطلاعات الرأي العام ليست وسيلة بديلة للتصويت الذي يعبر عن الالتزام السياسي لمن يشاركون أمام صناديق الاقتراع؛ وإنما هو قياس لنبض الجماهير المسيسة في لحظة معينة، خاصة عندما يكون المناخ السياسي مواتيا، والنقاش والحوار العام غنيا بالأفكار والمقترحات والمقتربات الخاصة بالشأن الفلسطيني في لحظة حرجة من تاريخه التي جسدها نشوب حرب غزة الخامسة في 7 أكتوبر 2023.
حرب «طوفان الأقصى» لم تبق على حالها المأساوي في غزة وإنما امتدت إلى الضفة الغربية حيث جرى التمدد الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المخصصة للسلطة الوطنية الفلسطينية طبقا لاتفاقيات أوسلو. ولم يمر وقت طويل حتى التحمت الحرب مع حرب الخليج الرابعة وبات الشرق الأوسط جميعه تحت وطأة حرب معقدة وصعبة شملت الاقتصاد العالمي وتهديد الملاحة والتجارة الدولية فضلا عن دول عربية أخرى أصبحت تحت وطأة المليشيات ذات الصلة بجبهة ما يسمى بـ«المقاومة والممانعة».
إن الحديث عن الحرب ليس موضوعنا بقدر ما هي أخذت الانتباه بعيدا عن «القضية الفلسطينية» حتى اتخذت القيادة الفلسطينية القرار بإجراء الانتخابات العامة في 28 نوفمبر2026. أصبحت الانتخابات الفلسطينية جزءا من مصادفة إجراء الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر الجاري، انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لمجلسي النواب والشيوخ؛ وجميعها بات ملتحما بتقرير مصير الشرق الأوسط. ولما كانت استطلاعات الرأي العام جارية على الجبهات الثلاث، فإن رأى الشعب الفلسطيني بات لا يقل أهمية عن الرأي العام في إسرائيل والولايات المتحدة في تحديد توجهات المنطقة فيما يتعلق بقضايا الحرب والسلام.
وسط ذلك كله قامت الرئاسة الفلسطينية بتأجيل الانتخابات العامة كما حدث طوال العشرين عاما السابقة موضحة العقبات التي سبق ذكرها في كل مرة جرى فيها التأجيل، من دون بيان كيفية تجاوزها خلال الشهور المقبلة. الاستطلاع المشار إليه يقول بوضوح أن الشعب الفلسطيني يريد عقد هذه الانتخابات بنسبة (56%) مع بحث القيادة عن وحدة الصف الفلسطينية وراء اختيارات يريدها الشعب الفلسطيني.
ان الاتجاه العام في هذه الاختيارات لا يختلف كثيرا عن الإرادة العامة للشعوب العربية في أهمية مواجهة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، مع ارتفاع التأييد لقائمة «بشار المصري» الذي بعد عرض معلومات عن خلفيته وبرنامجه تشير إلى أن «الناخبين» يتجهون عمليا بصورة عملية إلى الكفاءة الإدارية وجذب الاستثمارات. وبات واضحا أن حركة حماس تشهد تراجعا كبيرا في شعبيتها وهو تراجع ليس حكرا عليهم وإنما يشمل التنظيمات الأخرى والتقليدية؛ ورغم ذلك فإن هناك رفضا (74%) لنزع سلاحها؛ والغريب أن ذلك حدث بعد إعلان حماس استعدادها لهذه الخطوة. الموقف الشعبي لم ير أن حماس أو إسرائيل أيضا انتصرت في الحرب؛ وفى الوقت الحالي فإنه يفضل المفاوضات على «الكفاح المسلح»، ويرشح دولا عربية في مقدمتها مصر للمشاركة في الوساطة.
باختصار فإن الشعب الفلسطيني بعد ما ذاقه من مأساة كبرى خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة يعيش الآن من وجهة نظري في لحظة «ساداتية» واقعية وساعية أولا إلى إنقاذ الجماهير من المأساة التي عاشها من خلال اتباع سياسات عملية وواقعية تطرح بوضوح حل الدولتين كإطار لوجود دولة فلسطينية تعيد توحيد قطاع غزة مع الضفة الغربية أو الأرض المحتلة بعد حرب يونيو 1967، وتكون القدس الشرقية هي عاصمتها.
وثانيا أن أدوات ذلك هو بناء الدولة واقعيا على الأرض من خلال شخصيات ذات قدرات ديناميكية تخلق واقعا مدنيا جديدا يحتكر فيه مشروع الدولة فقط حق استخدام السلاح الذي هو أول مواصفات الدولة الوطنية.
وثالثا أن هناك إدراكا بأن إسرائيل قد تجاوزت «حل الدولتين» الذي يكفل دولة فلسطينية مستقلة؛ وكذلك حل «الدولة الواحدة» الذي لا تتحمل فيه المساواة الكاملة بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي. ورابعا أن ما يمكن استخلاصه من الاستطلاع أن الشعب الفلسطيني لم يبد تراجعا عن حقوقه المشروعة؛ ولكنه في الوقت نفسه يدرك أن الوسائل السابقة بأحزابها وقياداتها لم تأخذ الحركة الوطنية الفلسطينية إلى تحقيق أهدافها. والأمر في النهاية يتضمن الحاجة إلى مزيد من التفكير الفلسطيني حول كيفية الاستثمار في تحولات في المنطقة من الممكن أن تساعد على تحقيق التطلعات الفلسطينية.
{ كاتب ومفكر سياسي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك