تختلف المصادر قليلا في اليوم الدقيق التي انطلقت فيه الشرارة الأولى للحركة الانتفاضية التي تجري اليوم في أوروبا، فبعضها يقول 17 سبتمبر وبعضها 18 أو 21، والفارق يعود إلى أن الحركة بدأت صغيرة ولم تلفت الانتباه في أيامها الأولى، إلا أن المتفق عليه أنها انطلقت من فرنسا، ومن مدرسة ثانوية واحدة في ضاحية كريتاي جنوب شرق باريس، في النصف الثاني من سبتمبر 2026.
أولاً: ما الذي يحدث؟
امتدت أعمال العنف والنهب إلى عدة دول أوروبية بسبب الغضب من غلاء المعيشة وصعوبة الحصول على سكن وتدني الأجور وخفض الإنفاق الحكومي. وذكرت تقارير أن مئات الآلاف خرجوا في مظاهرات منفصلة وغير منسقة بين الدول، أي أنها ليست حركة واحدة موحدة، بل موجات غضب متزامنة من أسباب متشابهة.
ثانيًا: الدول المتضررة
1. فرنسا: تحولت مظاهرات يوم السبت 17 أكتوبر إلى حرق ونهب وهجمات على مبانٍ عامة، واستمرت الاضطرابات يوم الأحد في باريس (ساحة الجمهورية) وليون، وأُطلق الغاز المسيل للدموع، ونُهبت متاجر. وأعلنت السلطات توقيف أكثر من 2000 شخص على مستوى البلاد.
2. بلجيكا: شهدت بروكسل وليج مواجهات عنيفة يوم 17 أكتوبر، بدأت بمظاهرات يقودها الطلاب ضد ارتفاع تكاليف التعليم والإصلاحات الحكومية، واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. وقال وزير الداخلية برنار كوانتان إن الوضع لم يعد مجرد احتجاج بل عنفًا صرفًا.
3. إيطاليا: كانت ميلانو بؤرة التصعيد، إذ رشق شبان ملثمون الشرطة بالألعاب النارية والزجاجات قرب ساحة الدومو. أُصيب 25 شخصًا على الأقل، بينهم 10 من رجال الشرطة، واعتُقل نحو 50. وتجددت المواجهات يوم الأحد مع نهب سوبرماركت وإقامة حواجز، واعتُقل أكثر من 60 آخرين. كما وقعت اشتباكات في تورينو وبولونيا. وأدانت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني العنف.
4. ألبانيا: بعد خمسة أشهر من احتجاجات سلمية ضد الفساد الحكومي أصبحت المظاهرات الأسبوع الماضي أكثر عنفًا، مع اشتباكات وحواجز وإشعال النيران. وتطالب بعض الاحتجاجات باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما.
5. البرتغال: مظاهرات كبيرة لكنها سلمية في معظمها في لشبونة وبورتو وكويمبرا، شارك فيها عشرات الآلاف احتجاجًا على ارتفاع الإيجارات وتدني الأجور.
6. اليونان وإيرلندا: احتجاجات طلابية أقل حدة، بدأ طلاب يونانيون احتجاجاتهم في أثينا يوم 13 أكتوبر بسبب غلاء المعيشة وسكن الطلاب، وسار أكثر من 1500 طالب في دبلن في الأول من أكتوبر.
ثالثًا: لماذا حدث ما حدث؟
بدأت الأزمة مع الصدمة التي سببتها حرب إيران في أسعار الطاقة. خفضت المفوضية الأوروبية توقعات النمو ورفعت توقع التضخم لعام 2026 إلى 3.0% بعد أن كان 1.9%، وذلك مع تراجع ثقة المستهلكين إلى أدنى مستوى منذ 40 شهرًا وتزايد المخاوف من فقدان الوظائف. وارتبط ذلك بـإغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الوقود عالميًا. وبما أن أوروبا مستورد صافٍ للطاقة، فقد انتقل الأثر سريعًا إلى فواتير الأسر وتكاليف الشركات، والاقتصاد الأوروبي لا يمر بركود فعلي، لكن الأسر الأقل دخلاً هي الأكثر تضررًا.
فرنسا: عجز مالي وتآكل القدرة الشرائية
{ المالية العامة: يُتوقع أن يبلغ عجز الموازنة 5.4% من الناتج المحلي في 2026، وهو الأعلى في منطقة اليورو، وقد أعلنت حكومة الأقلية سعيًا لتوفير 54 مليار يورو في موازنة 2027. كما كلفت أزمة الطاقة الموازنة نحو 9 مليارات يورو إضافية في 2026، وبلغت عوائد بعض السندات نحو 4.8%.
{ السياسة: الموازنة مهددة سياسيًا، فقد أُطيح برئيسي وزراء سابقين لفشلهما في تمرير تخفيضات مماثلة داخل برلمان معلّق.
{ مطالب المحتجين: خفض أسعار الوقود، ورفض تجميد الإعانات ورواتب القطاع العام الوارد في مشروع الموازنة. وطالبت النقابات أيضًا بزيادة عامة في الأجور وميزانيات أكبر للمدارس والمستشفيات.
{ المقارنة التاريخية: يستحضر المراقبون موجة (السترات الصفراء) في 2018–2019، وقد دعت وجوه معروفة منها إلى المشاركة هذه المرة.
بلجيكا: التقشف والتعليم
{ الحكومة الفيدرالية: ائتلاف (أريزونا) بقيادة بارت دي ويفر يسعى إلى توفير 10 مليارات يورو خلال السنوات المقبلة لخفض الدين العام المرتفع. وترى النقابات أن كلفة الإصلاحات يتحملها العمال وحدهم.
{ التعليم: في الجزء الناطق بالفرنسية، تقرر رفع الرسوم الجامعية من 835 إلى نحو 1194 يورو، وزيادة ساعات التدريس من دون أجر إضافي، لتوفير 300 مليون يورو في قطاع التعليم. هذا يمثل زيادة تتجاوز 40%.
{ الاحتجاجات: الحركة ليست وليدة اللحظة، فقد بدأت بمظاهرات كبيرة في مايو ويونيو 2026، وانضم إليها طلاب المدارس الثانوية في أكتوبر، وصرّح بعضهم بأن احتجاجات فرنسا ألهمتهم.
إيطاليا: ضعف فرص الشباب وتحويل الإنفاق نحو التسلح
{ الشباب: معدل التوظيف بين الفئة 15–24 سنة هو الأدنى بين 21 دولة في منطقة اليورو، وتنفق إيطاليا على التعليم أقل من معظم شركائها. وبحسب بنك إيطاليا، يكسب الخريج الألماني في المتوسط أكثر من نظيره الإيطالي بنسبة 80%، ويغادر عشرات الآلاف من الشباب البلاد سنويًا.
{ الطاقة: منذ بدء الحرب حاولت ميلوني كبح أسعار الوقود بتعليق ضرائب مكلفة ثم بجهد من موزعي النفط الذين يثبّتون سعر البنزين دون يورويْن للتر.
{ مطالب المتظاهرين: تشمل غلاء المعيشة، والتسلح، ورسوم المدارس، وتمويل التعليم العام. وانضم إليهم سائقو الشاحنات وعمال المصانع. كما أن قانونًا مقترحًا يحدد نسبة الطلاب الأجانب ضعيفي الإيطالية بنحو 30% في الفصل الواحد أثار الاحتجاج أيضًا.
البرتغال: السكن والأجور
خرج الآلاف في لشبونة وبورتو احتجاجًا على غلاء المعيشة وأسعار السكن، تحت شعار (لم يعد ممكنًا أن نعيش هكذا)، ومن أبرز اللافتات: (هذا الراتب لا يكفي للعيش).
{ المطالب المعلنة: رفع الأجور، وتقييد زيادات الإيجارات، والسيطرة على أسعار الاحتياجات الأساسية.
{ موقف الحكومة صلب، إذ قالت إنها لن تستجيب لصراخ الشارع.
{ الأزمة سابقة للحرب: ففي 2025 أشارت تقارير إلى أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية اعتبرت البرتغال الأقل توافرًا للسكن بين الدول. أما أرقام الإيجارات والأجور المتداولة في بعض المقالات فتعود إلى 2023، فلا أعتمد عليها هنا.
ألبانيا: الفساد وضعف الفرص
الحالة الألبانية تختلف عن البقية، فهي أقرب إلى أزمة سياسية منها إلى أزمة تضخم:
{ بدأت الاحتجاجات ضد مشروع سياحي فاخر مرتبط بجاريد كوشنر صهر ومستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في جزيرة سازان ومحمية فيوسا-نارتا البيئية. وبعد تقرير لمنظمة OCCRP في سبتمبر حول ملكية المشروع المخفية خلف شركات وهمية خارجية اتسعت الحركة إلى انتفاضة ضد الفساد.
{ انضم الطلاب بقوة، وقالت طالبة لرويترز إن غلاء المعيشة وضعف فرص العمل والفساد المزعوم هي القضايا الرئيسية.
{ رفض رئيس الوزراء إيدي راما الاستقالة، وهو يؤكد أن حكومته تنفي الفساد ومستعد لمناقشة تكاليف التعليم لكنه يرفض العنف. وتشكل الاحتجاجات أكبر تحدٍ له منذ فوزه بولاية رابعة العام الماضي.
الآن، ومع توافر كل ما هو مادي للإنسان الغربي، إلا أنه وجد أن الحضارة الغربية لم تتمكن من توفير احتياجاته الأخرى، فالحضارة الغربية كانت ومازالت تنظر إلى الإنسان بعين واحدة، وهذه رسالة للعرب المنساقين للغرب.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك