بقيت لوحات الفنانة التشكيلية البحرينية بلقيس فخرو بعد رحيلها، بألوانها وخطوطها التي رسمتها. وقد يقف أمام إحداها زائر لا يعرف أن صاحبتها غابت عن الحياة. كل شيء في اللوحة يبدو على حاله، غير أن غياب صاحبتها يفتح بابًا آخر للتأمل فيها.
ما دام الفنان حيًا، يبقى هناك شخص يمكن الرجوع إليه ليشرح ما أراد التعبير عنه في عمله. قد يسأله أحدهم عن لون اختاره أو مساحة تركها فارغة، وربما يكتشف أن تفسيره يختلف عما قصده الفنان. أما بعد رحيله، فلا يعود ممكنًا سماع تفسير جديد منه. وتبقى اللوحة أمام الناس، يقتربون منها ويحاولون فهمها بما يعرفونه وما عاشوه.
في ملتقى للفنانات التشكيليات أُقيم بمسقط عام 2010، عرضت بلقيس فخرو لوحة تراثية تظهر فيها قلعة، وقالت إنها تبحث في أعمالها عن ذاكرة المكان، لا المكان نفسه. وأوضحت أن القلعة التي كانت تحمي الإنسان في الماضي لم تعد تحمل المعنى ذاته اليوم. استوقفتني فكرتها؛ فالحجارة بقيت، والمعنى هو الذي تغيّر. كانت القلعة في زمن مضى مصدرًا للأمان، وأصبحت اليوم شاهدًا على حياة تغيّرت. ولعل في ذلك ما يشبه مصير اللوحة؛ فهي تحمل أثر الزمن الذي رُسمت فيه، ثم يأتي زمن آخر يمنحها مكانًا مختلفًا في حياة الناس.
والفنان، مهما بلغت عنايته بعمله، لا يستطيع أن يحدد مصيره بعد أن يغادر المرسم. تُعلّق لوحة في بيت، وتصبح جزءًا من حياة أسرة لا يعرفها صاحبها. تنتقل بعد سنوات إلى مكان آخر، وربما تُحفظ بعيدًا عن الأنظار، فلا يراها أحد مدة طويلة. وبعض الأعمال تصل إلى المتاحف، حيث يقف أمامها أناس من بلدان وثقافات مختلفة. وما إن يفرغ الفنان من رسم لوحته حتى تبدأ لها رحلة لا يعرف إلى أين ستصل، ولا من سيكون آخر من يقف أمامها.
وهذا لا يقتصر على الرسم. فالقصيدة قد تصل إلى قارئ بعد عقود من كتابتها، والكتاب قد يجد جمهوره الحقيقي بعد رحيل مؤلفه. ولا تضمن شهرة الفنان في حياته بقاء أعماله بعد رحيله. كثيرون يسمون استمرار حضور الفن «خلودًا»، وهي كلمة أتوقف عندها؛ فالتاريخ لم يحتفظ بكل الأسماء التي احتفى بها الناس. وربما كان الأجدر الحديث عن فرصة يمنحها الفن لصاحبه، فرصة أن يصل شيء مما صنعه إلى إنسان لم يعاصره.
بعد رحيل الفنان، تتغير أحيانًا نظرة الناس إلى أعماله. يطيل المرء الوقوف أمام لوحة كان يمر بها سريعًا، أو يعود إلى أغنية سمعها مرات كثيرة، فيكتشف فيها ما لم ينتبه إليه من قبل. تظل اللوحة كما هي، وتبقى الأغنية بالصوت نفسه، غير أن معرفة أن الفنان لم يعد قادرًا على تقديم أعمال جديدة تمنح ما تركه حضورًا مختلفًا. ويصبح العمل الذي كان واحدًا من أعمال كثيرة جزءًا من مسيرة اكتملت، فيتوقف المتلقي عن انتظار ما سيأتي بعدها، ويعود إلى ما بقي منها.
ولا يملك الفنان أن يختار أي أعماله ستبقى أقرب إلى الناس. فقد يمضي سنوات في إنجاز لوحة لا تحظى باهتمام كبير، بينما تعيش لوحة رسمها في وقت قصير طويلًا في ذاكرة من رآها. وما يراه الفنان أهم أعماله قد لا يكون كذلك عند جمهوره. هذه واحدة من مفارقات الفن؛ فالتعب الذي يبذله صاحبه لا يحدد وحده مقدار الأثر الذي يتركه.
قد يدخل شاب بعد ثلاثين عامًا معرضًا، لا يعرف شيئًا عن صاحب إحدى اللوحات، فتستوقفه ويعود إليها قبل أن يغادر. وقد يفتح قارئ كتابًا قديمًا فيجد جملة تصف شعورًا عجز عن التعبير عنه. في تلك اللحظة يصل أثر إنسان إلى آخر لم يعرفه، وربما لم يكن قد وُلد يوم أُنجز العمل. ويكفي المتلقي أن يقف أمام العمل ليجد فيه ما يستحق التأمل، ولو لم يعرف سيرة صاحبه.
ثم يأتي الزمن باختباره الأصعب. تتراجع إلى الظل أعمال احتفى بها الناس في وقتها، وتعود أجيال لاحقة إلى أعمال لم تلقَ اهتمامًا كبيرًا عند ظهورها. فالأذواق تتغير، وما كان غريبًا على جمهور الأمس يصبح مألوفًا لجمهور اليوم. المعارض والجوائز تحفظ جانبًا من مسيرة الفنان، وهي لا تضمن مكانته لدى من سيأتون بعده. وبعد أن تهدأ الضجة التي أحاطت باسمه، يقف العمل أمام أجيال لا تعرف شيئًا عن تلك الضجة، ولا يعنيها مقدار ما ناله صاحبه من شهرة. أما الفنان، فلن يعرف إلى أين انتهت هذه الرحلة.
لهذا أعود إلى تجربة بلقيس فخرو. فبعد رحيل الفنان، تصبح مسؤولية العناية بأعماله شأنًا يخص من بقوا بعده. والاحتفاء باسمه جميل، غير أن حفظ أعماله وتوثيقها وإتاحتها للناس هو ما يمنح الأجيال المقبلة فرصة التعرف إلى تجربته كما تستحق.
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com
nabeelarajab.blogspot.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك