العدد : ١٧٧٤٨ - الاثنين ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٨ - الاثنين ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

بلقيس فخرو.. وتأثير اللوحة بعد رحيل صاحبها

بقلم: نبيلة رجب

الاثنين ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

بقيت‭ ‬لوحات‭ ‬الفنانة‭ ‬التشكيلية‭ ‬البحرينية‭ ‬بلقيس‭ ‬فخرو‭ ‬بعد‭ ‬رحيلها،‭ ‬بألوانها‭ ‬وخطوطها‭ ‬التي‭ ‬رسمتها‭. ‬وقد‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬إحداها‭ ‬زائر‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬صاحبتها‭ ‬غابت‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬اللوحة‭ ‬يبدو‭ ‬على‭ ‬حاله،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬صاحبتها‭ ‬يفتح‭ ‬بابًا‭ ‬آخر‭ ‬للتأمل‭ ‬فيها‭.‬

ما‭ ‬دام‭ ‬الفنان‭ ‬حيًا،‭ ‬يبقى‭ ‬هناك‭ ‬شخص‭ ‬يمكن‭ ‬الرجوع‭ ‬إليه‭ ‬ليشرح‭ ‬ما‭ ‬أراد‭ ‬التعبير‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬عمله‭. ‬قد‭ ‬يسأله‭ ‬أحدهم‭ ‬عن‭ ‬لون‭ ‬اختاره‭ ‬أو‭ ‬مساحة‭ ‬تركها‭ ‬فارغة،‭ ‬وربما‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬تفسيره‭ ‬يختلف‭ ‬عما‭ ‬قصده‭ ‬الفنان‭. ‬أما‭ ‬بعد‭ ‬رحيله،‭ ‬فلا‭ ‬يعود‭ ‬ممكنًا‭ ‬سماع‭ ‬تفسير‭ ‬جديد‭ ‬منه‭. ‬وتبقى‭ ‬اللوحة‭ ‬أمام‭ ‬الناس،‭ ‬يقتربون‭ ‬منها‭ ‬ويحاولون‭ ‬فهمها‭ ‬بما‭ ‬يعرفونه‭ ‬وما‭ ‬عاشوه‭.‬

في‭ ‬ملتقى‭ ‬للفنانات‭ ‬التشكيليات‭ ‬أُقيم‭ ‬بمسقط‭ ‬عام‭ ‬2010،‭ ‬عرضت‭ ‬بلقيس‭ ‬فخرو‭ ‬لوحة‭ ‬تراثية‭ ‬تظهر‭ ‬فيها‭ ‬قلعة،‭ ‬وقالت‭ ‬إنها‭ ‬تبحث‭ ‬في‭ ‬أعمالها‭ ‬عن‭ ‬ذاكرة‭ ‬المكان،‭ ‬لا‭ ‬المكان‭ ‬نفسه‭. ‬وأوضحت‭ ‬أن‭ ‬القلعة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تحمي‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تحمل‭ ‬المعنى‭ ‬ذاته‭ ‬اليوم‭. ‬استوقفتني‭ ‬فكرتها؛‭ ‬فالحجارة‭ ‬بقيت،‭ ‬والمعنى‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬تغيّر‭. ‬كانت‭ ‬القلعة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬مضى‭ ‬مصدرًا‭ ‬للأمان،‭ ‬وأصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬تغيّرت‭. ‬ولعل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬مصير‭ ‬اللوحة؛‭ ‬فهي‭ ‬تحمل‭ ‬أثر‭ ‬الزمن‭ ‬الذي‭ ‬رُسمت‭ ‬فيه،‭ ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬زمن‭ ‬آخر‭ ‬يمنحها‭ ‬مكانًا‭ ‬مختلفًا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭.‬

والفنان،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬عنايته‭ ‬بعمله،‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يحدد‭ ‬مصيره‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يغادر‭ ‬المرسم‭. ‬تُعلّق‭ ‬لوحة‭ ‬في‭ ‬بيت،‭ ‬وتصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬أسرة‭ ‬لا‭ ‬يعرفها‭ ‬صاحبها‭. ‬تنتقل‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬آخر،‭ ‬وربما‭ ‬تُحفظ‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الأنظار،‭ ‬فلا‭ ‬يراها‭ ‬أحد‭ ‬مدة‭ ‬طويلة‭. ‬وبعض‭ ‬الأعمال‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬المتاحف،‭ ‬حيث‭ ‬يقف‭ ‬أمامها‭ ‬أناس‭ ‬من‭ ‬بلدان‭ ‬وثقافات‭ ‬مختلفة‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬يفرغ‭ ‬الفنان‭ ‬من‭ ‬رسم‭ ‬لوحته‭ ‬حتى‭ ‬تبدأ‭ ‬لها‭ ‬رحلة‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬ستصل،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬سيكون‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬يقف‭ ‬أمامها‭.‬

وهذا‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الرسم‭. ‬فالقصيدة‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬قارئ‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬كتابتها،‭ ‬والكتاب‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬جمهوره‭ ‬الحقيقي‭ ‬بعد‭ ‬رحيل‭ ‬مؤلفه‭. ‬ولا‭ ‬تضمن‭ ‬شهرة‭ ‬الفنان‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬بقاء‭ ‬أعماله‭ ‬بعد‭ ‬رحيله‭. ‬كثيرون‭ ‬يسمون‭ ‬استمرار‭ ‬حضور‭ ‬الفن‭ ‬‮«‬خلودًا‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬كلمة‭ ‬أتوقف‭ ‬عندها؛‭ ‬فالتاريخ‭ ‬لم‭ ‬يحتفظ‭ ‬بكل‭ ‬الأسماء‭ ‬التي‭ ‬احتفى‭ ‬بها‭ ‬الناس‭. ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬الأجدر‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬فرصة‭ ‬يمنحها‭ ‬الفن‭ ‬لصاحبه،‭ ‬فرصة‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬شيء‭ ‬مما‭ ‬صنعه‭ ‬إلى‭ ‬إنسان‭ ‬لم‭ ‬يعاصره‭.‬

بعد‭ ‬رحيل‭ ‬الفنان،‭ ‬تتغير‭ ‬أحيانًا‭ ‬نظرة‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬أعماله‭. ‬يطيل‭ ‬المرء‭ ‬الوقوف‭ ‬أمام‭ ‬لوحة‭ ‬كان‭ ‬يمر‭ ‬بها‭ ‬سريعًا،‭ ‬أو‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬أغنية‭ ‬سمعها‭ ‬مرات‭ ‬كثيرة،‭ ‬فيكتشف‭ ‬فيها‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬ينتبه‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬تظل‭ ‬اللوحة‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬وتبقى‭ ‬الأغنية‭ ‬بالصوت‭ ‬نفسه،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬معرفة‭ ‬أن‭ ‬الفنان‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬أعمال‭ ‬جديدة‭ ‬تمنح‭ ‬ما‭ ‬تركه‭ ‬حضورًا‭ ‬مختلفًا‭. ‬ويصبح‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬أعمال‭ ‬كثيرة‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬مسيرة‭ ‬اكتملت،‭ ‬فيتوقف‭ ‬المتلقي‭ ‬عن‭ ‬انتظار‭ ‬ما‭ ‬سيأتي‭ ‬بعدها،‭ ‬ويعود‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬منها‭.‬

ولا‭ ‬يملك‭ ‬الفنان‭ ‬أن‭ ‬يختار‭ ‬أي‭ ‬أعماله‭ ‬ستبقى‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭. ‬فقد‭ ‬يمضي‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬إنجاز‭ ‬لوحة‭ ‬لا‭ ‬تحظى‭ ‬باهتمام‭ ‬كبير،‭ ‬بينما‭ ‬تعيش‭ ‬لوحة‭ ‬رسمها‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭ ‬طويلًا‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬من‭ ‬رآها‭. ‬وما‭ ‬يراه‭ ‬الفنان‭ ‬أهم‭ ‬أعماله‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬كذلك‭ ‬عند‭ ‬جمهوره‭. ‬هذه‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬مفارقات‭ ‬الفن؛‭ ‬فالتعب‭ ‬الذي‭ ‬يبذله‭ ‬صاحبه‭ ‬لا‭ ‬يحدد‭ ‬وحده‭ ‬مقدار‭ ‬الأثر‭ ‬الذي‭ ‬يتركه‭.‬

قد‭ ‬يدخل‭ ‬شاب‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثين‭ ‬عامًا‭ ‬معرضًا،‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬شيئًا‭ ‬عن‭ ‬صاحب‭ ‬إحدى‭ ‬اللوحات،‭ ‬فتستوقفه‭ ‬ويعود‭ ‬إليها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يغادر‭. ‬وقد‭ ‬يفتح‭ ‬قارئ‭ ‬كتابًا‭ ‬قديمًا‭ ‬فيجد‭ ‬جملة‭ ‬تصف‭ ‬شعورًا‭ ‬عجز‭ ‬عن‭ ‬التعبير‭ ‬عنه‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬يصل‭ ‬أثر‭ ‬إنسان‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬لم‭ ‬يعرفه،‭ ‬وربما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قد‭ ‬وُلد‭ ‬يوم‭ ‬أُنجز‭ ‬العمل‭. ‬ويكفي‭ ‬المتلقي‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬أمام‭ ‬العمل‭ ‬ليجد‭ ‬فيه‭ ‬ما‭ ‬يستحق‭ ‬التأمل،‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬سيرة‭ ‬صاحبه‭.‬

ثم‭ ‬يأتي‭ ‬الزمن‭ ‬باختباره‭ ‬الأصعب‭. ‬تتراجع‭ ‬إلى‭ ‬الظل‭ ‬أعمال‭ ‬احتفى‭ ‬بها‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬وقتها،‭ ‬وتعود‭ ‬أجيال‭ ‬لاحقة‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬لم‭ ‬تلقَ‭ ‬اهتمامًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬عند‭ ‬ظهورها‭. ‬فالأذواق‭ ‬تتغير،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬غريبًا‭ ‬على‭ ‬جمهور‭ ‬الأمس‭ ‬يصبح‭ ‬مألوفًا‭ ‬لجمهور‭ ‬اليوم‭. ‬المعارض‭ ‬والجوائز‭ ‬تحفظ‭ ‬جانبًا‭ ‬من‭ ‬مسيرة‭ ‬الفنان،‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تضمن‭ ‬مكانته‭ ‬لدى‭ ‬من‭ ‬سيأتون‭ ‬بعده‭. ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬تهدأ‭ ‬الضجة‭ ‬التي‭ ‬أحاطت‭ ‬باسمه،‭ ‬يقف‭ ‬العمل‭ ‬أمام‭ ‬أجيال‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬شيئًا‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬الضجة،‭ ‬ولا‭ ‬يعنيها‭ ‬مقدار‭ ‬ما‭ ‬ناله‭ ‬صاحبه‭ ‬من‭ ‬شهرة‭. ‬أما‭ ‬الفنان،‭ ‬فلن‭ ‬يعرف‭ ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬انتهت‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭.‬

لهذا‭ ‬أعود‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬بلقيس‭ ‬فخرو‭. ‬فبعد‭ ‬رحيل‭ ‬الفنان،‭ ‬تصبح‭ ‬مسؤولية‭ ‬العناية‭ ‬بأعماله‭ ‬شأنًا‭ ‬يخص‭ ‬من‭ ‬بقوا‭ ‬بعده‭. ‬والاحتفاء‭ ‬باسمه‭ ‬جميل،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬حفظ‭ ‬أعماله‭ ‬وتوثيقها‭ ‬وإتاحتها‭ ‬للناس‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الأجيال‭ ‬المقبلة‭ ‬فرصة‭ ‬التعرف‭ ‬إلى‭ ‬تجربته‭ ‬كما‭ ‬تستحق‭.‬

{‭ ‬قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

nabeelarajab‭.‬blogspot‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا