العدد : ١٧٧٥٠ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٠ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أمراض الدم الوراثية.. قبل أن يبدأ الألم

بقلم: نبيلة رجب

الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

قبل‭ ‬أن‭ ‬يُولد‭ ‬الطفل،‭ ‬يتخيله‭ ‬أبواه‭ ‬في‭ ‬البيت‭: ‬صوته،‭ ‬وخطواته‭ ‬الأولى،‭ ‬والاسم‭ ‬الذي‭ ‬سيناديانه‭ ‬به‭. ‬أما‭ ‬المرض،‭ ‬فقلّما‭ ‬يكون‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭. ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬تشخيص‭ ‬بمرض‭ ‬دم‭ ‬وراثي،‭ ‬فتدخل‭ ‬حياة‭ ‬الأسرة‭ ‬مواعيد‭ ‬علاج‭ ‬وأسئلة‭ ‬عن‭ ‬المستقبل‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتوقعها‭.‬

ويكبر‭ ‬الطفل،‭ ‬ويبدأ‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬يعنيه‭ ‬المرض‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭. ‬تختلف‭ ‬التجارب‭ ‬بحسب‭ ‬نوع‭ ‬المرض‭ ‬وشدته،‭ ‬ومرض‭ ‬الخلايا‭ ‬المنجلية،‭ ‬المعروف‭ ‬بالسكلر،‭ ‬أحد‭ ‬أمراض‭ ‬الدم‭ ‬الوراثية‭ ‬التي‭ ‬تصاحبها‭ ‬نوبات‭ ‬ألم‭. ‬أثناء‭ ‬النوبة‭ ‬الشديدة،‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬النوم‭ ‬أو‭ ‬الحركة‭ ‬مطلبًا‭ ‬يشغل‭ ‬المصاب‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬عداه،‭ ‬ويحتاج‭ ‬إلى‭ ‬المستشفى‭ ‬لتخفيف‭ ‬الألم‭. ‬وتمتد‭ ‬آثار‭ ‬بعض‭ ‬النوبات‭ ‬إلى‭ ‬دراسته‭ ‬أو‭ ‬عمله‭ ‬ومواعيده‭.‬

بعد‭ ‬انحسار‭ ‬النوبة،‭ ‬تبدأ‭ ‬محاولة‭ ‬استئناف‭ ‬ما‭ ‬توقف،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬بعض‭ ‬المصابين‭ ‬يعانون‭ ‬ألمًا‭ ‬مستمرًا‭ ‬خارج‭ ‬النوبات‭ ‬أيضًا‭. ‬وتبقى‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭ ‬إنجازات‭ ‬وعلاقات‭ ‬وطموحات؛‭ ‬لكل‭ ‬شخص‭ ‬تجربته،‭ ‬ولكل‭ ‬أسرة‭ ‬تفاصيل‭ ‬تعرفها‭ ‬عن‭ ‬العلاج‭ ‬والانتظار‭ ‬والعودة‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭. ‬يصعب‭ ‬اختصار‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬المرض،‭ ‬كما‭ ‬يصعب‭ ‬فهم‭ ‬المرض‭ ‬من‭ ‬اسمه‭ ‬فقط‭.‬

ويأتي‭ ‬أسبوع‭ ‬أمراض‭ ‬الدم‭ ‬الوراثية‭ ‬ليجمع‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالمصابين‭ ‬اليوم‭ ‬والتفكير‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬من‭ ‬سيولدون‭ ‬غدًا‭. ‬وفي‭ ‬بلدنا،‭ ‬لله‭ ‬الحمد،‭ ‬تشمل‭ ‬جهود‭ ‬الرعاية‭ ‬والوقاية‭ ‬أمراضًا‭ ‬وراثية‭ ‬متعددة،‭ ‬منها‭ ‬السكلر‭ ‬والثلاسيميا‭.‬

حامل‭ ‬صفة‭ ‬السكلر‭ ‬الوراثية‭ ‬ليس‭ ‬مصابًا‭ ‬بمرض‭ ‬السكلر،‭ ‬وعادةً‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬عليه‭ ‬أعراض‭ ‬المرض‭. ‬لكن‭ ‬احتمال‭ ‬إنجاب‭ ‬طفل‭ ‬مصاب‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الصفة‭ ‬الوراثية‭ ‬لدى‭ ‬الطرفين‭ ‬معًا‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬كلاهما‭ ‬حاملًا‭ ‬لصفة‭ ‬السكلر،‭ ‬فهناك‭ ‬احتمال‭ ‬بنسبة‭ ‬25‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬لإنجاب‭ ‬طفل‭ ‬مصاب‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حمل‭. ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬طفلًا‭ ‬واحدًا‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أربعة‭ ‬سيُصاب؛‭ ‬فالاحتمال‭ ‬يتجدد‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬حمل،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬وُلد‭ ‬الأطفال‭ ‬السابقون‭ ‬غير‭ ‬مصابين‭.‬

ويوجد‭ ‬احتمال‭ ‬لإنجاب‭ ‬طفل‭ ‬مصاب‭ ‬بالسكلر–بيتا‭ ‬ثلاسيميا‭ ‬أيضًا‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬الطرفين‭ ‬حاملًا‭ ‬لصفة‭ ‬السكلر‭ ‬والآخر‭ ‬حاملًا‭ ‬لصفة‭ ‬بيتا‭ ‬ثلاسيميا‭. ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬أشكال‭ ‬مرض‭ ‬الخلايا‭ ‬المنجلية،‭ ‬وتحتاج‭ ‬نتائج‭ ‬الطرفين‭ ‬إلى‭ ‬تفسير‭ ‬متخصص‭ ‬يوضح‭ ‬ما‭ ‬تعنيانه‭ ‬لأبنائهما‭.‬

يعرف‭ ‬الطرفان‭ ‬أن‭ ‬احتمال‭ ‬إصابة‭ ‬طفلهما‭ ‬هو‭ ‬25‭ ‬في‭ ‬المائة،‭ ‬لكن‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المعلومة‭ ‬ليس‭ ‬سهلًا،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬إذا‭ ‬اقترب‭ ‬موعد‭ ‬الزواج‭ ‬واكتملت‭ ‬ترتيباته‭. ‬يقلق‭ ‬أحدهما‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬المرض،‭ ‬ويتمسك‭ ‬الآخر‭ ‬باحتمال‭ ‬ولادة‭ ‬طفل‭ ‬غير‭ ‬مصاب،‭ ‬وربما‭ ‬يقول‭: ‬نعرف‭ ‬زوجين‭ ‬يحملان‭ ‬الصفة‭ ‬وأطفالهما‭ ‬غير‭ ‬مصابين‭. ‬ومع‭ ‬رغبتهما‭ ‬في‭ ‬إتمام‭ ‬الزواج،‭ ‬يصبح‭ ‬التعلق‭ ‬بهذه‭ ‬الأمثلة‭ ‬أسهل‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬تجربتهما‭ ‬مختلفة‭.‬

هذا‭ ‬النقاش‭ ‬لا‭ ‬يحاكم‭ ‬أسرًا‭ ‬لديها‭ ‬أبناء‭ ‬مصابون؛‭ ‬فلكل‭ ‬أسرة‭ ‬ظروفها‭. ‬لكنه‭ ‬يطرح‭ ‬مسألة‭ ‬تخص‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يولد‭ ‬بعد‭: ‬الزوجان‭ ‬يتخذان‭ ‬قرار‭ ‬الإنجاب،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬يعيش‭ ‬طفلهما‭ ‬تبعاته‭ ‬الصحية‭. ‬فكيف‭ ‬تُؤخذ‭ ‬مصلحته‭ ‬في‭ ‬الحسبان،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬رغبتهما‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يصبحا‭ ‬أبًا‭ ‬وأمًا؟

وفي‭ ‬البحرين،‭ ‬يُلزم‭ ‬قانون‭ ‬الفحص‭ ‬الطبي‭ ‬للمقبلين‭ ‬على‭ ‬الزواج،‭ ‬رقم‭ ‬11‭ ‬لسنة‭ ‬2004،‭ ‬الطرفين‭ ‬بإجراء‭ ‬الفحص‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬أحدهما‭ ‬بحرينيًا‭. ‬ويُلزم‭ ‬الأطباء‭ ‬بتقديم‭ ‬النصح‭ ‬والإرشاد‭ ‬بحسب‭ ‬النتائج،‭ ‬ومن‭ ‬يعقد‭ ‬القران‭ ‬بالتأكد‭ ‬من‭ ‬شهادة‭ ‬إجراء‭ ‬الفحص‭. ‬ولا‭ ‬يتضمن‭ ‬القانون‭ ‬نفسه‭ ‬نصًا‭ ‬يجعل‭ ‬حمل‭ ‬الطرفين‭ ‬صفة‭ ‬السكلر‭ ‬مانعًا‭ ‬من‭ ‬الزواج‭. ‬ويستوقفني‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬الشهادة‭ ‬تثبت‭ ‬إجراء‭ ‬الفحص،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تكشف‭ ‬وحدها‭ ‬مقدار‭ ‬ما‭ ‬فهمه‭ ‬الطرفان‭ ‬من‭ ‬نتيجته‭. ‬وهذا‭ ‬الفهم‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يحتاجان‭ ‬إليه‭ ‬عند‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الإنجاب‭ ‬ومناقشة‭ ‬سبل‭ ‬تقليل‭ ‬المخاطر‭ ‬على‭ ‬أطفالهما‭.‬

وتوجد‭ ‬لبعض‭ ‬الحالات‭ ‬خيارات‭ ‬طبية‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬تقليل‭ ‬احتمال‭ ‬إنجاب‭ ‬طفل‭ ‬مصاب‭ ‬بمرض‭ ‬وراثي‭ ‬محدد،‭ ‬يناقشها‭ ‬الزوجان‭ ‬مع‭ ‬المختص‭. ‬وتختلف‭ ‬إمكانية‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬بحسب‭ ‬الحالة‭ ‬الطبية‭ ‬وتوافر‭ ‬الخدمة‭ ‬وكلفتها‭. ‬فمعرفة‭ ‬وجود‭ ‬خيار‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬دائمًا‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬اختياره‭.‬

بعد‭ ‬ظهور‭ ‬النتيجة،‭ ‬قد‭ ‬يحتاج‭ ‬الطرفان‭ ‬إلى‭ ‬استشارة‭ ‬أخرى،‭ ‬بينما‭ ‬تمضي‭ ‬ترتيبات‭ ‬الزواج‭ ‬نحو‭ ‬موعدها‭. ‬هنا‭ ‬يصنع‭ ‬موقف‭ ‬الأسرتين‭ ‬فرقًا؛‭ ‬فتقبّل‭ ‬التمهّل‭ ‬يتيح‭ ‬لهما‭ ‬فهم‭ ‬الخيارات‭ ‬قبل‭ ‬القرار،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يشعرَا‭ ‬بأن‭ ‬عليهما‭ ‬حسم‭ ‬الأمر‭ ‬لأن‭ ‬الدعوات‭ ‬وُزّعت‭ ‬والموعد‭ ‬اقترب‭.‬

وقد‭ ‬تناول‭ ‬مجمع‭ ‬الفقه‭ ‬الإسلامي‭ ‬الدولي،‭ ‬المنبثق‭ ‬عن‭ ‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الإسلامي،‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬في‭ ‬قراره‭ ‬رقم‭ ‬203‭ ‬الصادر‭ ‬عام‭ ‬2013‭. ‬فأجاز‭ ‬الفحص‭ ‬الجيني‭ ‬قبل‭ ‬الزواج،‭ ‬وأجاز‭ ‬لولي‭ ‬الأمر‭ ‬الإلزام‭ ‬به‭ ‬لمصلحة‭ ‬عامة‭ ‬معتبرة‭. ‬لكنه‭ ‬ميّز‭ ‬بين‭ ‬إجراء‭ ‬الفحص‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬نتيجته؛‭ ‬فتُشرح‭ ‬للمعنيين‭ ‬المخاطر‭ ‬والاحتمالات،‭ ‬ويبقى‭ ‬القرار‭ ‬لهم‭ ‬بالتشاور‭ ‬مع‭ ‬الطبيب،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬نتائج‭ ‬الإرشاد‭ ‬الوراثي‭ ‬إلى‭ ‬إجراء‭ ‬إجباري‭. ‬يدعم‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬الوقاية‭ ‬والمعرفة،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يتناول‭ ‬تحديدًا‭ ‬حكم‭ ‬الإنجاب‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬كلا‭ ‬الزوجين‭ ‬حاملًا‭ ‬لصفة‭ ‬السكلر‭.‬

نحلم‭ ‬بأطفالنا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يولدوا،‭ ‬ومعرفة‭ ‬احتمال‭ ‬إصابتهم‭ ‬بمرض‭ ‬وراثي‭ ‬تجعل‭ ‬الحلم‭ ‬أصعب،‭ ‬وتضعنا‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولية‭ ‬ما‭ ‬نستطيع‭ ‬فعله‭ ‬لتقليل‭ ‬الخطر‭. ‬تختلف‭ ‬الخيارات‭ ‬من‭ ‬أسرة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يعيشه‭ ‬الطفل‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬يستحق‭ ‬مكانًا‭ ‬في‭ ‬القرار‭. ‬فالأبوة‭ ‬والأمومة‭ ‬تبدآن‭ ‬أيضًا‭ ‬بالتفكير‭ ‬في‭ ‬تبعات‭ ‬قرار‭ ‬سيتخذه‭ ‬الكبار،‭ ‬ويعيشها‭ ‬طفلهم‭.‬

 

{‭ ‬قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

nabeelarajab‭.‬blogspot‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا