قبل أن يُولد الطفل، يتخيله أبواه في البيت: صوته، وخطواته الأولى، والاسم الذي سيناديانه به. أما المرض، فقلّما يكون حاضرًا في هذه الصورة. ثم يأتي تشخيص بمرض دم وراثي، فتدخل حياة الأسرة مواعيد علاج وأسئلة عن المستقبل لم تكن تتوقعها.
ويكبر الطفل، ويبدأ في معرفة ما يعنيه المرض في حياته اليومية. تختلف التجارب بحسب نوع المرض وشدته، ومرض الخلايا المنجلية، المعروف بالسكلر، أحد أمراض الدم الوراثية التي تصاحبها نوبات ألم. أثناء النوبة الشديدة، قد تصبح القدرة على النوم أو الحركة مطلبًا يشغل المصاب عن كل ما عداه، ويحتاج إلى المستشفى لتخفيف الألم. وتمتد آثار بعض النوبات إلى دراسته أو عمله ومواعيده.
بعد انحسار النوبة، تبدأ محاولة استئناف ما توقف، وإن كان بعض المصابين يعانون ألمًا مستمرًا خارج النوبات أيضًا. وتبقى في حياتهم إنجازات وعلاقات وطموحات؛ لكل شخص تجربته، ولكل أسرة تفاصيل تعرفها عن العلاج والانتظار والعودة إلى البيت. يصعب اختصار هذه الحياة في المرض، كما يصعب فهم المرض من اسمه فقط.
ويأتي أسبوع أمراض الدم الوراثية ليجمع الاهتمام بالمصابين اليوم والتفكير في صحة من سيولدون غدًا. وفي بلدنا، لله الحمد، تشمل جهود الرعاية والوقاية أمراضًا وراثية متعددة، منها السكلر والثلاسيميا.
حامل صفة السكلر الوراثية ليس مصابًا بمرض السكلر، وعادةً لا تظهر عليه أعراض المرض. لكن احتمال إنجاب طفل مصاب يعتمد على الصفة الوراثية لدى الطرفين معًا. فإذا كان كلاهما حاملًا لصفة السكلر، فهناك احتمال بنسبة 25 في المائة لإنجاب طفل مصاب في كل حمل. وهذا لا يعني أن طفلًا واحدًا فقط من كل أربعة سيُصاب؛ فالاحتمال يتجدد مع كل حمل، حتى لو وُلد الأطفال السابقون غير مصابين.
ويوجد احتمال لإنجاب طفل مصاب بالسكلر–بيتا ثلاسيميا أيضًا إذا كان أحد الطرفين حاملًا لصفة السكلر والآخر حاملًا لصفة بيتا ثلاسيميا. وهو أحد أشكال مرض الخلايا المنجلية، وتحتاج نتائج الطرفين إلى تفسير متخصص يوضح ما تعنيانه لأبنائهما.
يعرف الطرفان أن احتمال إصابة طفلهما هو 25 في المائة، لكن اتخاذ قرار بناءً على هذه المعلومة ليس سهلًا، وخصوصًا إذا اقترب موعد الزواج واكتملت ترتيباته. يقلق أحدهما من احتمال المرض، ويتمسك الآخر باحتمال ولادة طفل غير مصاب، وربما يقول: نعرف زوجين يحملان الصفة وأطفالهما غير مصابين. ومع رغبتهما في إتمام الزواج، يصبح التعلق بهذه الأمثلة أسهل من التفكير في احتمال أن تكون تجربتهما مختلفة.
هذا النقاش لا يحاكم أسرًا لديها أبناء مصابون؛ فلكل أسرة ظروفها. لكنه يطرح مسألة تخص الطفل الذي لم يولد بعد: الزوجان يتخذان قرار الإنجاب، بينما قد يعيش طفلهما تبعاته الصحية. فكيف تُؤخذ مصلحته في الحسبان، إلى جانب رغبتهما في أن يصبحا أبًا وأمًا؟
وفي البحرين، يُلزم قانون الفحص الطبي للمقبلين على الزواج، رقم 11 لسنة 2004، الطرفين بإجراء الفحص إذا كان أحدهما بحرينيًا. ويُلزم الأطباء بتقديم النصح والإرشاد بحسب النتائج، ومن يعقد القران بالتأكد من شهادة إجراء الفحص. ولا يتضمن القانون نفسه نصًا يجعل حمل الطرفين صفة السكلر مانعًا من الزواج. ويستوقفني هنا أن الشهادة تثبت إجراء الفحص، لكنها لا تكشف وحدها مقدار ما فهمه الطرفان من نتيجته. وهذا الفهم هو ما يحتاجان إليه عند التفكير في الإنجاب ومناقشة سبل تقليل المخاطر على أطفالهما.
وتوجد لبعض الحالات خيارات طبية تساعد على تقليل احتمال إنجاب طفل مصاب بمرض وراثي محدد، يناقشها الزوجان مع المختص. وتختلف إمكانية الاستفادة منها بحسب الحالة الطبية وتوافر الخدمة وكلفتها. فمعرفة وجود خيار لا تعني دائمًا القدرة على اختياره.
بعد ظهور النتيجة، قد يحتاج الطرفان إلى استشارة أخرى، بينما تمضي ترتيبات الزواج نحو موعدها. هنا يصنع موقف الأسرتين فرقًا؛ فتقبّل التمهّل يتيح لهما فهم الخيارات قبل القرار، بدل أن يشعرَا بأن عليهما حسم الأمر لأن الدعوات وُزّعت والموعد اقترب.
وقد تناول مجمع الفقه الإسلامي الدولي، المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي، هذه المسألة في قراره رقم 203 الصادر عام 2013. فأجاز الفحص الجيني قبل الزواج، وأجاز لولي الأمر الإلزام به لمصلحة عامة معتبرة. لكنه ميّز بين إجراء الفحص وما يترتب على نتيجته؛ فتُشرح للمعنيين المخاطر والاحتمالات، ويبقى القرار لهم بالتشاور مع الطبيب، من دون أن تؤدي نتائج الإرشاد الوراثي إلى إجراء إجباري. يدعم هذا الموقف الوقاية والمعرفة، لكنه لا يتناول تحديدًا حكم الإنجاب عندما يكون كلا الزوجين حاملًا لصفة السكلر.
نحلم بأطفالنا قبل أن يولدوا، ومعرفة احتمال إصابتهم بمرض وراثي تجعل الحلم أصعب، وتضعنا أمام مسؤولية ما نستطيع فعله لتقليل الخطر. تختلف الخيارات من أسرة إلى أخرى، لكن ما قد يعيشه الطفل من ألم يستحق مكانًا في القرار. فالأبوة والأمومة تبدآن أيضًا بالتفكير في تبعات قرار سيتخذه الكبار، ويعيشها طفلهم.
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com
nabeelarajab.blogspot.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك