العدد : ١٧٧٥٠ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥٠ - الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أمن الممرات البحرية.. من التنسيق الإقليمي إلى المصلحة العربية المشتركة

بقلم: خالد فياض

الأربعاء ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬تعد‭ ‬اضطرابات‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬أثرًا‭ ‬جانبيًا‭ ‬للحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬ولا‭ ‬خطرًا‭ ‬يمكن‭ ‬احتواؤه‭ ‬بإجراءات‭ ‬عسكرية‭ ‬مؤقتة‭. ‬فالتطورات‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تجدد‭ ‬التهديدات‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وباب‭ ‬المندب،‭ ‬تكشف‭ ‬مدى‭ ‬ارتباط‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬وحرية‭ ‬التجارة‭ ‬باستقرار‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭. ‬وحين‭ ‬تصبح‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬هدفًا،‭ ‬تتحول‭ ‬المسألة‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬أمني‭ ‬محلي‭ ‬إلى‭ ‬اختبار‭ ‬لقدرة‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬مصالح‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدودها‭.‬

والخطر‭ ‬ليس‭ ‬افتراضيًا‭. ‬فقد‭ ‬توالت‭ ‬الهجمات‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وكان‭ ‬أشدها‭ ‬استهداف‭ ‬الناقلة‭ ‬السعودية‭ ‬‮«‬سدر‮»‬‭ ‬أواخر‭ ‬أغسطس‭ ‬الماضي،‭ ‬الذي‭ ‬أودى‭ ‬بحياة‭ ‬اثنين‭ ‬من‭ ‬طاقمها،‭ ‬وأدانته‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬عدة‭ ‬بوصفه‭ ‬انتهاكًا‭ ‬لقرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬رقم‭ ‬2817،‭ ‬الذي‭ ‬قدمته‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬والأردن،‭ ‬وأكد‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬ورفض‭ ‬تعطيلها‭.‬

ويكفل‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬ومنه‭ ‬اتفاقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لقانون‭ ‬البحار،‭ ‬حق‭ ‬المرور‭ ‬في‭ ‬المضائق‭ ‬الدولية،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬لأي‭ ‬دولة‭ ‬تعليقه‭ ‬أو‭ ‬إخضاعه‭ ‬لشروط‭. ‬وفي‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وخليج‭ ‬عدن‭ ‬تتجدد‭ ‬التحذيرات‭ ‬من‭ ‬تهديدات‭ ‬تطول‭ ‬السفن‭ ‬التجارية،‭ ‬فيما‭ ‬تدعو‭ ‬المنظمة‭ ‬البحرية‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬تعاون‭ ‬إقليمي‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬تبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬ومكافحة‭ ‬الأنشطة‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬في‭ ‬البحر‭. ‬فالمخاطر‭ ‬تتبدل‭ ‬من‭ ‬ممر‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬لكنها‭ ‬تلتقي‭ ‬في‭ ‬أثرها‭ ‬على‭ ‬أمن‭ ‬المنطقة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬آلية‭ ‬عربية‭ ‬دائمة‭ ‬لأمن‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭. ‬وهي‭ ‬ليست‭ ‬حلفًا‭ ‬عسكريًا‭ ‬جديدًا‭ ‬ولا‭ ‬قوة‭ ‬موجهة‭ ‬ضد‭ ‬دولة‭ ‬بعينها،‭ ‬بل‭ ‬إطار‭ ‬يربط‭ ‬المصالح‭ ‬العربية‭ ‬المتداخلة،‭ ‬ويعزز‭ ‬الإنذار‭ ‬المبكر‭ ‬وتنسيق‭ ‬الاستجابة‭ ‬وحماية‭ ‬التجارة‭. ‬فهرمز‭ ‬ليس‭ ‬قضية‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬وحدها،‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬ليس‭ ‬شأنًا‭ ‬يمنيًا‭ ‬أو‭ ‬خليجيًا‭ ‬فحسب؛‭ ‬إذ‭ ‬يتصل‭ ‬الممران‭ ‬بالبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وقناة‭ ‬السويس‭ ‬والبحر‭ ‬المتوسط،‭ ‬وأي‭ ‬اضطراب‭ ‬ممتد‭ ‬فيهما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬الموانئ‭ ‬والتأمين‭ ‬والشحن‭ ‬وأسعار‭ ‬الطاقة‭.‬

ولا‭ ‬تبدأ‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬من‭ ‬فراغ‭. ‬فثمة‭ ‬أطر‭ ‬إقليمية‭ ‬قائمة‭ ‬للتعاون‭ ‬البحري،‭ ‬منها‭ ‬مدونة‭ ‬جيبوتي‭ ‬لقواعد‭ ‬السلوك‭ ‬لمكافحة‭ ‬القرصنة‭ ‬والسطو‭ ‬المسلح،‭ ‬وتعديل‭ ‬جدة‭ ‬لعام‭ ‬2017‭. ‬وقيمة‭ ‬الآلية‭ ‬العربية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬تكرار‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬أو‭ ‬منافستها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬وصلها‭ ‬بمنظور‭ ‬عربي‭ ‬أوسع‭ ‬يجمع‭ ‬الخليج‭ ‬ومصر‭ ‬والدول‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وخليج‭ ‬عدن،‭ ‬ويربط‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬باستمرارية‭ ‬الموانئ‭ ‬والتجارة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭.‬

ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬مركز‭ ‬عربي‭ ‬للوعي‭ ‬البحري‭ ‬والإنذار‭ ‬المبكر،‭ ‬يتبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬المتاحة‭ ‬عن‭ ‬حركة‭ ‬السفن‭ ‬والمخاطر،‭ ‬ومنها‭ ‬الألغام‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬والصواريخ،‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬مراكز‭ ‬المعلومات‭ ‬القائمة‭ ‬والمنظمة‭ ‬البحرية‭ ‬الدولية‭ ‬وشركات‭ ‬الملاحة‭ ‬والموانئ‭. ‬وتشمل‭ ‬مهامه‭ ‬بروتوكولات‭ ‬مشتركة‭ ‬للإبلاغ‭ ‬عن‭ ‬الحوادث،‭ ‬وتنسيق‭ ‬البحث‭ ‬والإنقاذ،‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الموانئ‭ ‬والمنشآت‭ ‬البحرية،‭ ‬وخططًا‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬تعطل‭ ‬الملاحة‭ ‬أو‭ ‬تحويل‭ ‬مسارات‭ ‬السفن‭. ‬كما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قنوات‭ ‬اتصال‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬المدنية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬وتدريبات‭ ‬دورية‭ ‬ومؤشرات‭ ‬تقيس‭ ‬سرعة‭ ‬تبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬والاستجابة‭ ‬للحوادث‭.‬

ولا‭ ‬تحل‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬محل‭ ‬المسؤولية‭ ‬الوطنية‭ ‬أو‭ ‬الترتيبات‭ ‬الدولية،‭ ‬بل‭ ‬تكملها‭. ‬فالقوى‭ ‬الكبرى‭ ‬تملك‭ ‬قدرات‭ ‬تكنولوجية‭ ‬واستخباراتية‭ ‬ولوجستية‭ ‬ينبغي‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها،‭ ‬لكن‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكامل‭ ‬عليها‭ ‬يربط‭ ‬أمن‭ ‬الممرات‭ ‬العربية‭ ‬بحسابات‭ ‬لا‭ ‬تتحكم‭ ‬فيها‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬وحدها‭. ‬فالمطلوب‭ ‬تعاون‭ ‬دولي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ارتهان‭ ‬سياسي،‭ ‬وانفتاح‭ ‬على‭ ‬الشركاء‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الأولوية‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الاحتياجات‭ ‬وتنسيق‭ ‬المواقف‭.‬

ويتطلب‭ ‬نجاح‭ ‬المبادرة‭ ‬مشاركة‭ ‬عربية‭ ‬واسعة،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬ومصر‭. ‬فالتكامل‭ ‬بين‭ ‬الموانئ‭ ‬الخليجية‭ ‬وقناة‭ ‬السويس‭ ‬ومرافئ‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬يعزز‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات،‭ ‬شرط‭ ‬ألا‭ ‬يُختزل‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬مسارات‭ ‬الشحن،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬تبادل‭ ‬البيانات‭ ‬وتنسيق‭ ‬الطوارئ‭ ‬وحماية‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭. ‬وينبغي‭ ‬أن‭ ‬تراعي‭ ‬الآلية‭ ‬تفاوت‭ ‬القدرات‭ ‬والموارد،‭ ‬وأن‭ ‬تبدأ‭ ‬بمهام‭ ‬محددة‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ‭ ‬قبل‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬اختصاصاتها‭.‬

وقد‭ ‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬الوجود‭ ‬الدولي‭ ‬والتحالفات‭ ‬البحرية‭ ‬يغني‭ ‬عن‭ ‬إطار‭ ‬عربي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الأحداث‭ ‬الأخيرة‭ ‬تظهر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الوجود‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬كل‭ ‬هجوم،‭ ‬وأن‭ ‬الاستجابة‭ ‬الخارجية‭ ‬تبقى‭ ‬مرتبطة‭ ‬بتقدير‭ ‬المصالح‭ ‬والأولويات‭. ‬وليس‭ ‬المقصود‭ ‬الاستغناء‭ ‬عن‭ ‬الشراكات،‭ ‬بل‭ ‬تقليص‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليها‭ ‬والقدرة‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬المبادرة‭. ‬فالأمن‭ ‬البحري‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬بإعلان‭ ‬النوايا،‭ ‬بل‭ ‬بإجراءات‭ ‬متفق‭ ‬عليها،‭ ‬ومسؤوليات‭ ‬واضحة،‭ ‬وموارد‭ ‬مستدامة،‭ ‬وأداء‭ ‬يخضع‭ ‬للمراجعة‭.‬

إن‭ ‬أمن‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬ليس‭ ‬مشروعًا‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬البحر،‭ ‬ولا‭ ‬وصفة‭ ‬لإنهاء‭ ‬الصراعات‭ ‬المحيطة‭ ‬به،‭ ‬بل‭ ‬ركنا‭ ‬من‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العربي‭. ‬والاختبار‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬إعلان‭ ‬آلية‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬وظائفها‭ ‬وحدودها‭ ‬وربطها‭ ‬بالأطر‭ ‬القائمة،‭ ‬ثم‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬تعاون‭ ‬يومي‭ ‬قابل‭ ‬للقياس‭. ‬وفي‭ ‬منطقة‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬هرمز‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬وقناة‭ ‬السويس‭ ‬مع‭ ‬مصالح‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬تصبح‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التنسيق‭ ‬والاستباق‭ ‬ضرورة‭ ‬عملية،‭ ‬كي‭ ‬تتحول‭ ‬الجغرافيا‭ ‬البحرية‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬مصدر‭ ‬ضغط‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬للتعاون‭ ‬ومصدر‭ ‬قوة‭.‬

 

{‭ ‬باحث‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬العربية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا