لم تعد اضطرابات الملاحة في المنطقة أثرًا جانبيًا للحرب مع إيران، ولا خطرًا يمكن احتواؤه بإجراءات عسكرية مؤقتة. فالتطورات في مضيق هرمز، بالتوازي مع تجدد التهديدات في البحر الأحمر وباب المندب، تكشف مدى ارتباط أمن الطاقة وسلاسل الإمداد وحرية التجارة باستقرار الممرات البحرية. وحين تصبح السفن التجارية هدفًا، تتحول المسألة من شأن أمني محلي إلى اختبار لقدرة دول المنطقة على حماية مصالح تتجاوز حدودها.
والخطر ليس افتراضيًا. فقد توالت الهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز، وكان أشدها استهداف الناقلة السعودية «سدر» أواخر أغسطس الماضي، الذي أودى بحياة اثنين من طاقمها، وأدانته دول عربية عدة بوصفه انتهاكًا لقرار مجلس الأمن رقم 2817، الذي قدمته مملكة البحرين نيابة عن دول مجلس التعاون والأردن، وأكد حرية الملاحة ورفض تعطيلها.
ويكفل القانون الدولي، ومنه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، حق المرور في المضائق الدولية، ولا يجوز لأي دولة تعليقه أو إخضاعه لشروط. وفي البحر الأحمر وخليج عدن تتجدد التحذيرات من تهديدات تطول السفن التجارية، فيما تدعو المنظمة البحرية الدولية إلى تعاون إقليمي أوسع في تبادل المعلومات ومكافحة الأنشطة غير المشروعة في البحر. فالمخاطر تتبدل من ممر إلى آخر، لكنها تلتقي في أثرها على أمن المنطقة والاقتصاد العالمي.
من هنا تبرز الحاجة إلى آلية عربية دائمة لأمن الممرات البحرية. وهي ليست حلفًا عسكريًا جديدًا ولا قوة موجهة ضد دولة بعينها، بل إطار يربط المصالح العربية المتداخلة، ويعزز الإنذار المبكر وتنسيق الاستجابة وحماية التجارة. فهرمز ليس قضية الدول الخليجية وحدها، وباب المندب ليس شأنًا يمنيًا أو خليجيًا فحسب؛ إذ يتصل الممران بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط، وأي اضطراب ممتد فيهما ينعكس على الموانئ والتأمين والشحن وأسعار الطاقة.
ولا تبدأ هذه الآلية من فراغ. فثمة أطر إقليمية قائمة للتعاون البحري، منها مدونة جيبوتي لقواعد السلوك لمكافحة القرصنة والسطو المسلح، وتعديل جدة لعام 2017. وقيمة الآلية العربية ليست في تكرار هذه المبادرات أو منافستها، بل في وصلها بمنظور عربي أوسع يجمع الخليج ومصر والدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، ويربط أمن الملاحة باستمرارية الموانئ والتجارة وسلاسل الإمداد.
ويمكن أن تنطلق من مركز عربي للوعي البحري والإنذار المبكر، يتبادل المعلومات المتاحة عن حركة السفن والمخاطر، ومنها الألغام والطائرات المسيّرة والصواريخ، بالتنسيق مع مراكز المعلومات القائمة والمنظمة البحرية الدولية وشركات الملاحة والموانئ. وتشمل مهامه بروتوكولات مشتركة للإبلاغ عن الحوادث، وتنسيق البحث والإنقاذ، وتبادل الخبرات في حماية الموانئ والمنشآت البحرية، وخططًا للتعامل مع تعطل الملاحة أو تحويل مسارات السفن. كما يحتاج إلى قنوات اتصال واضحة بين الجهات المدنية والعسكرية، وتدريبات دورية ومؤشرات تقيس سرعة تبادل المعلومات والاستجابة للحوادث.
ولا تحل هذه الآلية محل المسؤولية الوطنية أو الترتيبات الدولية، بل تكملها. فالقوى الكبرى تملك قدرات تكنولوجية واستخباراتية ولوجستية ينبغي الاستفادة منها، لكن الاعتماد الكامل عليها يربط أمن الممرات العربية بحسابات لا تتحكم فيها الدول العربية وحدها. فالمطلوب تعاون دولي من دون ارتهان سياسي، وانفتاح على الشركاء مع الحفاظ على الأولوية العربية في تحديد الاحتياجات وتنسيق المواقف.
ويتطلب نجاح المبادرة مشاركة عربية واسعة، في مقدمتها دول الخليج ومصر. فالتكامل بين الموانئ الخليجية وقناة السويس ومرافئ البحر الأحمر يعزز القدرة على امتصاص الصدمات، شرط ألا يُختزل في تحويل مسارات الشحن، بل يمتد إلى تبادل البيانات وتنسيق الطوارئ وحماية البنية التحتية. وينبغي أن تراعي الآلية تفاوت القدرات والموارد، وأن تبدأ بمهام محددة قابلة للتنفيذ قبل التوسع في اختصاصاتها.
وقد يرى البعض أن الوجود الدولي والتحالفات البحرية يغني عن إطار عربي. غير أن الأحداث الأخيرة تظهر أن هذا الوجود لا يمنع كل هجوم، وأن الاستجابة الخارجية تبقى مرتبطة بتقدير المصالح والأولويات. وليس المقصود الاستغناء عن الشراكات، بل تقليص الفجوة بين الاعتماد عليها والقدرة العربية على المبادرة. فالأمن البحري لا يتحقق بإعلان النوايا، بل بإجراءات متفق عليها، ومسؤوليات واضحة، وموارد مستدامة، وأداء يخضع للمراجعة.
إن أمن الممرات البحرية ليس مشروعًا للسيطرة على البحر، ولا وصفة لإنهاء الصراعات المحيطة به، بل ركنا من الأمن الاقتصادي العربي. والاختبار الحقيقي ليس إعلان آلية جديدة، بل الاتفاق على وظائفها وحدودها وربطها بالأطر القائمة، ثم تحويلها إلى تعاون يومي قابل للقياس. وفي منطقة تتقاطع فيها هرمز وباب المندب وقناة السويس مع مصالح القوى الكبرى، تصبح القدرة على التنسيق والاستباق ضرورة عملية، كي تتحول الجغرافيا البحرية العربية من مصدر ضغط إلى مجال للتعاون ومصدر قوة.
{ باحث في الشؤون العربية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك