من صنع الحوثي؟ سؤال قد يبدو بديهيا لأن الجواب معروف، ولذلك فإن وقف حرائق الحوثي يتطلب وقف مصادر الحريق. لا يمكن بأي حال من الأحوال إخماد النيران المستعرة في ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر، أو إيقاف الهجمات الصاروخية التي تستهدف الداخل اليمني والمملكة العربية السعودية، طالما أن خطوط الإمداد بالوقود والسلاح والأموال تتدفق دون انقطاع. إن الخطيئة الاستراتيجية الكبرى التي وقعت فيها السياسة الدولية طوال العقد الماضي، تكمن في تعاملها مع الجماعة الحوثية كظاهرة محلية معزولة، أو كفصيل أو مكون سياسي يمكن ترويضه عبر حُزم الإغاثة الإنسانية والتفاهمات الدبلوماسية.
إن التوصيف الحقيقي للأزمة يبدأ من الاعتراف الصريح بأن الجماعة لم تعد مجرد مليشيا نابعة من مظلومية جغرافية أو اجتماعية في جبال صعدة، بل تحولت إلى ذراع متقدمة في مشروع إقليمي توسعي تشرف عليه طهران بشكل مباشر. إيران هي الصانعة الأولى، والممول الأساسي، والمخطط العسكري الحقيقي وهي أيضاً في الخطوط الأمامية للمعارك التي يخوضها الحوثيون ضد الشعب اليمني. ولعل أحدث التقارير الاستخبارية، كالتي كشفت عنها «صحيفة وول ستريت جورنال»، تؤكد أن الدعم لم يعد مقتصراً على مجرد قطع غيار لتهريب الصواريخ، بل يتعداه إلى توفير معلومات استخبارية فورية ومساعدة لوجستية حية لتوجيه الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية نحو أهدافها بدقة عالية بالتالي، فإن محاولة الجلوس مع القيادات الحوثية في صنعاء لإنهاء الحرب، دون الضغط على المصدر في طهران، تشبه من يحاول تجفيف بركة مياه ملوثة بينما الصنبور يتدفق بكامل طاقته.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الاستراتيجيات الغربية والإقليمية تبنت منهجية «إدارة الصراع» بدلاً من «حسمه». تارة عبر إطلاق عمليات بحرية دفاعية وتشكيل تحالفات لحماية السفن، وتارة أخرى عبر بيانات التنديد الأممية وتطبيق عقوبات مالية صورية على أفراد، بينما تركت المنظومة الهيكلية التي تغذي هذا الكيان تعمل بكفاءة تامة. ونتيجة لهذا التراخي، طورت الجماعة قدراتها لتتجاوز السفن التقليدية (الدراو) في عمليات التهريب، وصارت تستفيد من قنوات بحرية متطورة تشمل حتى الغواصات الصغيرة والمركبات المسيرة تحت الماء لنقل المعدات التكنولوجية الحساسة وأجهزة التوجيه الرادارية.
وعلاوة على الدعم العسكري المباشر، نجح الحوثيون في تشييد ما يعرف بـ «اقتصاد الحرب الذاتي والموازي». ووفقاً لتقارير خبراء الأمم المتحدة، تولد هذه الشبكة المتوازية مليارات الدولارات سنوياً بشكل مستقل. إنها منظومة قائمة على الابتزاز المالي الممنهج عبر ثلاثة روافد رئيسية:
1. القرصنة والجبايات البحرية من خلال فرض إتاوات وضرائب غير قانونية عبر شبكات الحوالات الائتمانية الواهية على السفن المارة بباب المندب، أو المستفيدة من الموانئ الاستراتيجية كأرصفة الحديدة.
2. الاحتكار التجاري الداخلي عبر إلغاء آلاف رخص الاستيراد والتجارة للشركات ورجال الأعمال التقليديين، واستبدالهم برأس مال حوثي تابع لعائلات قيادية داخل الجماعة، ما أتاح لهم السيطرة الكاملة على أسواق الوقود، والدواء، والسلع الغذائية بأسعار مضاعفة.
3. تبييض الأموال والنفط المهرب من خلال التعاون مع شبكات دولية معقدة يقودها ميسرون ماليون مرتبطون بفيلق القدس، يتم بيع النفط الإيراني المهرب عبر وثائق منشأ مزورة في الموانئ الدولية، ثم تحول هذه العائدات الضخمة التي تتجاوز ملياري دولارسنوياً عبر منصات العملات الرقمية والبورصات غير الخاضعة للرقابة. هذا التمويل الضخم يفسر ببساطة لماذا تفشل الضربات الجوية المتقطعة في تدمير القدرات العسكرية للجماعة الحوثية؛ فالمال يتدفق، والمصانع التجميعية المحلية قادرة على إعادة بناء ما يتم تدميره، مستفيدة من التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام التي تدخل تحت غطاء المواد الإنسانية والتجارية. وفي الوقت الذي يعاني فيه ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين من الفقر الشديد، وانقطاع المرتبات الحكومية منذ سنوات، تجد أن ميزانية التصنيع العسكري المليشياوي تتضخم وتتوسع لتهديد أمن الطاقة العالمي ومصالح دول الجوار.
تأسيساً على ذلك، فإن الرغبة في إحلال سلام حقيقي ومستدام في اليمن والمنطقة تستوجب استراتيجية جديدة كلياً، تنتقل من خانة رد الفعل الدفاعي في البر والبحر، إلى هجوم دبلوماسي، استخباراتي، واقتصادي يستهدف تفكيك البنية التحتية والمنابع التي تزود الحريق بمواد الاشتعال. هذه الاستراتيجية يجب أن ترتكز بشكل عاجل على ثلاثة محاور رئيسية:
أولا: تشديد وبناء حصار بحري استخباراتي صارم وموحد؛ فبدلا من الاكتفاء بمراقبة السفن المشبوهة، يتوجب تفويض القوات الدولية والإقليمية المشتركة لاعتراض ومصادرة السفن، ووضع حد للثغرات البرية والبحرية عبر بحر العرب والساحل الغربي لليمن. كما يجب تفعيل فرق تفتيش حقيقية للموانئ الخاضعة لسيطرتهم لمنع تدفق القطع الإلكترونية مزدوجة الاستخدام.
ثانياً: ممارسة ضغط دولي جماعي مباشر على الممول الأصيل في طهران؛ إذ لا يمكن مواصلة إبرام صفقات سياسية أو اقتصادية مع النظام الإيراني بينما يستمر في تزويد وكلائه في اليمن والعراق ولبنان بغرف العمليات المشتركة ومعدات التدمير، يجب ربط استقرار العلاقات مع إيران بمدى التزامها الفعلي بوقف تصدير الفوضى والسلاح.
ثالثاً: تجفيف الشرايين المالية وتجميد الاقتصاد الموازي؛ من خلال ملاحقة الشبكات المالية الدولية والشركات الوهمية التي تدير مبيعات النفط الإيراني لصالح جماعة الحوثي. كما ينبغي للمؤسسات المالية العالمية فرض رقابة صارمة على أنشطة منصات العملات المشفرة ومكاتب الصرافة الممتدة في شرق أفريقيا وآسيا لمنع عمليات التبييض والتهرب من العقوبات الدولية.
وفي الختام نقول: إن الدرس الذي نتعلمه من هذه الأزمة هو أن الجماعات ذات الأيديولوجيات العقائدية المتطرفة لا تفهم لغة التنازلات السياسية، بل تعتبرها دليل ضعف يغريها بمزيد من الابتزاز والتصعيد العسكري. وتأسيساً على ذلك، يصبح من غير المقبول سياسياً أو استراتيجيا أن تقف بعض الدول على الحياد، أو تنظر إلى المسألة على أنها مجرد صراع يمني- يمني غامض، بذريعة أن الحوثي «مكون يمني»؛ فهذا التوصيف يتناقض تماماً مع حقيقة كونه فصيلاً مسلحاً متمرداً على الشرعية وذراعاً عسكرية متقدمة لطهران. إن الأمن الخليجي هو كل لا يتجزأ، وما تعرضت له المملكة العربية السعودية من استهداف ممنهج بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة يثبت أن الخطر يتربص بالجميع دون استثناء. لقد آن الأوان لصياغة موقف خليجي موحد صلب، وواضح؛ فالاستقرار المستدام في شبه الجزيرة العربية لن يتحقق بمحاولة تنظيف الرماد المتطاير، بل بالجرأة على إخماد مصدر النيران الأصلي، وتجفيف منابع الزيت التي تسكب على حرائق اليمن وباب المندب.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك