العدد : ١٧٧٥١ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٥١ - الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الوساطة الروسية بين أمريكا وإيران

بقلم: د. أحمد يوسف أحمد {

الخميس ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

ناقشتُ‭ ‬سابقا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يتردد‭ ‬عن‭ ‬احتمال‭ ‬وجود‭ ‬وساطة‭ ‬روسية‭ ‬في‭ ‬الأزمة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬تؤهّلها‭ ‬لها‭ ‬علاقتُها‭ ‬بكل‭ ‬أطراف‭ ‬الأزمة‭. ‬ومِن‭ ‬نافلة‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الاحتمال‭ ‬لم‭ ‬يفضِ‭ ‬إلى‭ ‬شيء،‭ ‬بدليل‭ ‬استمرار‭ ‬الأزمة‭ ‬والتقلبات‭ ‬العنيفة‭ ‬التي‭ ‬صاحبتها‭. ‬مؤخرا‭ ‬صرَّح‭ ‬المتحدثُ‭ ‬باسم‭ ‬الكرملين‭ ‬بأن‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬نقل‭ ‬إلى‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬رؤيةَ‭ ‬الجانب‭ ‬الإيراني‭ ‬وموقفَه‭ ‬بشأن‭ ‬إمكانية‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬أو‭ ‬اتفاق‭ ‬محتمل‭ ‬لإنهاء‭ ‬النزاع‭ ‬والحرب‭ ‬القائمة،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬قد‭ ‬تمّت‭ ‬بالتنسيق‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬الإيراني‭ ‬مسعود‭ ‬بزشكيان‭.‬

ويلاحظ‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬التصريح‭ ‬أعقبه‭ ‬مكالمةً‭ ‬هاتفيةً‭ ‬بين‭ ‬بوتين‭ ‬وترامب،‭ ‬دامت‭ ‬نحو‭ ‬ساعة‭ ‬ونصف‭ ‬الساعة،‭ ‬ووصفتها‭ ‬موسكو‭ ‬بالموسّعة‭ ‬والودّية‭. ‬وذكرت‭ ‬بعضُ‭ ‬التقارير‭ ‬أن‭ ‬بوتين‭ ‬أكد‭ ‬خلال‭ ‬الاتصال‭ ‬أن‭ ‬عرضه‭ ‬لاستقبال‭ ‬اليورانيوم‭ ‬الإيراني‭ ‬عالي‭ ‬التخصيب‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬قائماً،‭ ‬وهي‭ ‬الفكرة‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مثارةً‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬الوساطة‭ ‬الأولى،‭ ‬وأن‭ ‬ترامب‭ ‬أبدى‭ ‬اهتماماً‭ ‬بهذه‭ ‬النقطة،‭ ‬ورحّب‭ ‬بالدور‭ ‬الروسي‭ ‬دون‭ ‬إعلان‭ ‬تفاصيل‭ ‬محددة‭ ‬للرؤية‭ ‬الروسية،‭ ‬أو‭ ‬عن‭ ‬ردٍّ‭ ‬نهائي‭ ‬من‭ ‬واشنطن‭ ‬عليها‭.‬

وثمّة‭ ‬ما‭ ‬يُغْري‭ ‬بافتراض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لهذه‭ ‬المبادرة‭ ‬الروسية‭ ‬حظوظٌ‭ ‬أكبر‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬بسبب‭ ‬اختلاف‭ ‬الظروف،‭ ‬لكن‭ ‬دون‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬حسم‭ ‬مستقبلها‭ ‬بسبب‭ ‬التعقد‭ ‬الشديد‭ ‬للأزمة‭. ‬وأُرَكِّز‭ ‬في‭ ‬التحليل‭ ‬التالي‭ ‬على‭ ‬بُعدين‭ ‬محدّدين‭ ‬لهذا‭ ‬الاختلاف‭.‬

ويتعلق‭ ‬البُعد‭ ‬الأول‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬الروسية‭ ‬الجديدة‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬اتصالات‭ ‬أمريكية‭ ‬إيرانية‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أحدٌ‭ ‬الحسمَ‭ ‬بشأن‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬عنصر‭ ‬مباشر‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬كلها‭ ‬اتصالات‭ ‬غير‭ ‬مباشرة،‭ ‬لكن‭ ‬الأهم‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أنها‭ ‬جادة‭. ‬

والطرف‭ ‬الأمريكي،‭ ‬رغم‭ ‬تهديداته‭ ‬المتكررة‭ ‬بإمكان‭ ‬استئناف‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية،‭ ‬لم‭ ‬يُغْلق‭ ‬بابَ‭ ‬التفاوض،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬تصريحات‭ ‬ترامب‭ ‬ومعاونيه‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬هو‭ ‬الخيار‭ ‬المفضّل،‭ ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬الاتفاق‭ ‬المطالب‭ ‬الأمريكية‭. ‬وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬إيران‭ ‬ثمّة‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬مرونة‭ ‬أوضح‭ ‬في‭ ‬مواقفها،‭ ‬ففي‭ ‬22‭ ‬سبتمبر‭ ‬الماضي‭ ‬صرّح‭ ‬المتحدثُ‭ ‬باسم‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬إذا‭ ‬اقتضت‭ ‬مصلحتنا‭ ‬الوطنية‭ ‬أن‭ ‬نُجري‭ ‬مفاوضات‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الحرب‭ ‬فعلينا‭ ‬أن‭ ‬نتفاوض‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬9‭ ‬أكتوبر‭ ‬الجاري‭ ‬أكد‭ ‬الرئيسُ‭ ‬الإيراني‭ ‬استمرار‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التفاوض‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وأنها‭ ‬لن‭ ‬تنسحب‭ ‬من‭ ‬المفاوضات‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬هاجمتها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مجدداً‭. ‬كما‭ ‬أوضح‭ ‬أن‭ ‬بلاده‭ ‬تعكف‭ ‬حالياً‭ ‬على‭ ‬مراجعة‭ ‬ودراسة‭ ‬مقترحات‭ ‬متبادلة‭ ‬مع‭ ‬الجانب‭ ‬الأمريكي‭ ‬عبر‭ ‬الوسطاء‭.. ‬وكلها‭ ‬مؤشرات‭ ‬تفيد‭ ‬بجدية‭ ‬الخيار‭ ‬التفاوضي،‭ ‬بغضِّ‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬مُخرجاته‭ ‬النهائية‭.‬

أما‭ ‬البُعد‭ ‬الثاني‭ ‬لاختلاف‭ ‬الظروف،‭ ‬بما‭ ‬يطرح‭ ‬احتمالات‭ ‬أكبر‭ ‬لتقدم‭ ‬المبادرة،‭ ‬فهو‭ ‬الاختراق‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الروسية‭ ‬الأمريكية‭ ‬بتوقيع‭ ‬صفقة‭ ‬الديزل‭ ‬التي‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬إمداد‭ ‬السوق‭ ‬الأمريكية‭ ‬والعالمية‭ ‬بملايين‭ ‬الأطنان‭ ‬من‭ ‬الديزل‭ ‬الروسي،‭ ‬للمساعدة‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود،‭ ‬بما‭ ‬يخفّف‭ ‬الضغطَ‭ ‬على‭ ‬كاهل‭ ‬ترامب،‭ ‬ويجعل‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إمكان‭ ‬استجابة‭ ‬ترامب‭ ‬لأفكاره‭ ‬بشأن‭ ‬تسوية‭ ‬الحرب‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وكذلك‭ ‬تفادي‭ ‬الحرج‭ ‬من‭ ‬إيران،‭ ‬بسبب‭ ‬إرباكه‭ ‬لاستراتيجيتها‭ ‬التي‭ ‬تُركّز‭ ‬على‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬ترامب‭ ‬بإبقاء‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬مرتفعة‭ ‬لأقصى‭ ‬مستوى‭ ‬ممكن‭.. ‬فهل‭ ‬يكون‭ ‬للمبادرة‭ ‬الروسية‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬حظوظٌ‭ ‬أفضل؟

 

{ أكاديمي‭ ‬متخصص‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا