تطرقنا في مقالنا السابق الى ما انتهى به جلالة الملك في خطابه السامي الذي حدد اطارا وطنيا ووضع المواطن في قلب التنمية. كذلك بينا في المقال اهمية الصناعة في قيادة التحول وأن المعرفة اساسها، وما يفرضه ذلك من ضرورة توافر التمويل المناسب من قبل المنظومة المالية، وتعزيزه بتكامل خليجي، مع متابعة تشريعية فاعلة ومناقشة صحفية مسؤولة. وخلصنا إلى ان التنمية الصناعية والمعرفية هي القاطرة لمشروع التنمية، وأنها تُقاس بقدرتها على تحويل المعرفة إلى قيمة إنتاجية، وتلك القيمة إلى وظائف لائقة ودخل حقيقي أفضل وخدمات أكثر كفاءة. طلب بعض الاخوة القراء التوسع في بيان اهمية قياس الاداء المؤدي إلى جعل المواطن مركز التنمية.
نستهل هذا المقال بطرح سؤال محوري: ماذا تغير في حياة المواطنين نتيجة التنمية؟ بهذا السؤال ينبغي أن نبدأ تقييم برامج التصنيع والمعرفة، وإليه نعود عند الحكم على نجاحها. فزيادة الاستثمارات وافتتاح المصانع وارتفاع الصادرات إنجازات مهمة، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال التنمية: هل اتسعت فرص العمل المجزية، وتحسن الدخل الحقيقي، وأصبحت الأسرة أقدر على تلبية احتياجاتها، وأكثر اطمئنانًا إلى مستقبلها؟ إن وضع المواطن في قلب التنمية يعني أن تكون هذه التحولات غاية السياسات، لا مجرد فوائد نفترض أنها ستتحقق تلقائيًا مع النمو الاقتصادي.
ومن هنا تبرز أهمية منظومة قياس الأداء بوصفها حلقة وصل بين الإطار الوطني للتنمية وحياة الناس. فهي لا تختزل التنمية في أرقام، ولا تكتفي بتوثيق ما أنجزته الجهات، بل تتابع كيف تتحول الرؤية إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى مبادرات وبرامج ومشاريع، ثم كيف تنتج هذه المشاريع قيمة اقتصادية ومكاسب اجتماعية. وبذلك يصبح القياس أداة لإدارة التحول والتعلم والتصحيح، ويغدو السؤال عن أثر التنمية حاضرًا منذ التخطيط، بدل أن يؤجل إلى ما بعد الإنفاق والتنفيذ.
تبدأ الترجمة العملية للإطار الوطني بتحديد الغاية: اقتصاد صناعي ومعرفي متنوع، ينتج قيمة محلية، ويطور القدرة على الابتكار والتصدير، ويوفر عملًا لائقًا ودخلًا أفضل، مع المحافظة على الموارد. ثم تتحول هذه الغاية إلى أهداف مترابطة، مثل رفع الإنتاجية، وتعميق المحتوى المحلي، وتنمية المهارات، وتوسيع الأسواق. ولكل هدف مبادرات وبرامج ومشاريع، وموارد ومسؤوليات واضحة، ومؤشرات تعبر عنه، ونقطة بداية ومستهدف زمني. هذا الترابط يمنع تحول الاستراتيجية إلى قائمة أنشطة متفرقة، ويجعل كل مشروع مطالبًا بتوضيح مساهمته في الغاية المشتركة.
ولأن التصنيع القائم على المعرفة لا ينشأ بقرار منفرد، فإن نجاحه يتطلب تكامل التعليم والبحث والتمويل والعمل والبنية الأساسية والقدرات المؤسسية. فالمصنع ليس مبنى وآلات فقط، بل بيئة لتراكم الخبرة وتحسين المنتجات وتطوير المهارات. والتعليم لا تقاس قيمته بعدد الشهادات وحده، بل بما يتيحه من قدرة على حل المشكلات وتحسين الإنتاج. لذلك ينبغي أن تتشارك الجهات المعنية أهدافًا ونتائج، حتى لا يتوسع التدريب من دون فرص توظيف مناسبة، أو يتاح التمويل من دون نمو في القدرات الإنتاجية.
وتتابع منظومة الأداء سلسلة تبدأ بالمدخلات، من تمويل ومهارات وتجهيزات، وتمر بالعمليات، من بحث وتدريب وتصنيع، وصولًا إلى المخرجات، كالمنتجات والمصانع والصادرات. لكنها لا تتوقف هناك؛ إذ تنتقل إلى النتائج، مثل تحسن الإنتاجية وخلق الوظائف، ثم إلى الأثر في مستوى المعيشة. والتمييز بين هذه المستويات ضروري: إتمام برنامج تدريبي مخرج، وحصول المتدرب على وظيفة مناسبة نتيجة، وتحسن دخله واستقراره المعيشي أثر. فإذا انقطعت الصلة بين مستوى وآخر، كشفت المتابعة موضع الخلل بدل الاكتفاء بإعلان الإنجاز.
فعلى سبيل المثال، لا يقاس نجاح برنامج لتطوير صناعة معرفية بقيمة التمويل وعدد المنشآت المستفيدة فقط. ينبغي متابعة ما أضافه من معرفة وتقنية وموردين محليين، وما حققه من إنتاج وصادرات، ثم عدد الوظائف التي وفرها ونوعيتها واستمرارها. وبعد ذلك نسأل: هل انتقلت مكاسبه إلى أجور حقيقية أفضل وفرص أوسع للمواطنين؟ وهل استفادت المنشآت المحلية من سلاسل الإمداد؟ هذه أسئلة لا تفترض تحقق الأثر، وإنما تختبره، وتمنع مساواة نمو النشاط الاقتصادي بتحسن معيشة المجتمع من دون دليل.
ولكي تجيب المنظومة عن سؤال المواطن، يجب أن تجمع بين مؤشرات الاقتصاد ومؤشرات المعيشة. فإلى جانب الإنتاجية والقيمة المضافة والصادرات، تتابع فرص العمل اللائق والدخل الحقيقي وقدرة الأسر على تحمل كلفة السكن والخدمات. كما تبحث في كيفية توزيع المنافع واستدامتها؛ فارتفاع المتوسطات قد يخفي تفاوتًا في الاستفادة. ولا يكفي تزامن تحسن المؤشرات مع تنفيذ برنامج لإثبات أنه سببه، بل يلزم تقييم يختبر العلاقة بين التدخل والنتائج، ويراعي التحولات الخارجية التي قد تؤثر في الاقتصاد والمعيشة.
وتكتمل قيمة القياس بدائرة متابعة تصل المعلومات بالقرار. تجمع البيانات وتراجع جودتها، وتحلل الفجوات بين الواقع والمستهدفات، ثم تعرض النتائج على الجهات المسؤولة لاتخاذ إجراءات محددة. فإذا ارتفعت الصادرات ولم تتحسن الوظائف والأجور، وجب بحث الأسباب وتصحيح البرامج، لا الاكتفاء بالاحتفاء بالمؤشر الاقتصادي. ويقتضي ذلك وضوح المسؤولية ومواعيد المراجعة وتوثيق التعديلات، مع تقييم مستقل يدعم قرارات الاستمرار أو التوسع أو إعادة التصميم. فالمنظومة الفاعلة لا تنتج تقارير فحسب، وإنما تنتج تعلمًا مؤسسيًا يغير طريقة العمل وطريقة التفكير وأهمية وجود الدليل.
وتمنح الشفافية هذه العملية معناها المجتمعي، حين تنشر نتائج مفهومة توضح ما تحقق، وما تعثر، وما سيصحح، فتتيح المتابعة والمناقشة والمساءلة. وفي المحصلة، ليست منظومة قياس الأداء ضمانًا آليًا لنجاح التنمية، لكنها تجعل الوعود أهدافًا قابلة للاختبار، وتربط المصانع والصادرات والوظائف بغايتها الإنسانية. عندئذ لا يكون جواب «ماذا تغير في حياة المواطنين؟» تعدادًا للمشاريع، بل بيانًا موثقًا لفرص أفضل ودخل حقيقي أعلى ومعيشة أكثر استقرارًا، مع توضيح من استفاد وكيف يمكن استمرار التحسن. بذلك ينتقل المواطن من هامش تقارير الإنجاز إلى مركز التخطيط والتنفيذ والتقييم ويكون فعلا في قلب التنمية كما وضعه جلالة الملك.
mkuwaiti@batelco.com.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك