يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
مجلس التعاون والتحدي التاريخي
ذكرتُ في المقال السابق أن أحد الأهداف الاستراتيجية الكبرى للدول والقوى المعادية للعرب، ولدول الخليج العربية بالذات، العمل على تدمير تجربة مجلس التعاون الخليجي على اعتبار أنها التجربة الوحدوية العربية الوحيدة اليوم. وقلت إن الوعي بهذه الحقيقة ضرورة أساسية عند بناء أي استراتيجية خليجية عربية للمستقبل.
وإذا تأملنا التطورات الخطيرة التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع الحرب، ومع العدوان الإرهابي الإيراني على كل دول مجلس التعاون، سوف نكتشف أنها تقود في مجملها إلى محاولة تحقيق هذا الهدف، هدف تدمير مجلس التعاون.
بداية، حين شنت أمريكا الحرب على إيران تجاهلت تماما دول المجلس، ولم تضع اعتبارا لمواقفها ورؤاها ومصالحها ولا للتداعيات المتوقعة وتأثيرها في دولنا. كان هذا يعكس عدم اهتمام بما سوف يلحق بدول المجلس من تأثيرات كارثية.
وحين شنت إيران عدوانها الإرهابي على دول المجلس كان رد الفعل الأمريكي والعالمي عموما هزيلا، ولم نشهد أي مسعى جاد لوقف العدوان والدفاع عن دول المجلس. هذا على الرغم من التأثيرات شديدة السلبية للعدوان على دول المجلس اقتصاديا واجتماعيا وعلى الأمن الإقليمي والدولي.
وحتى حين وقع العدوان الإرهابي الإيراني الحوثي الأخير على السعودية، وجدنا نفس عدم الاهتمام والاكتراث وكل ما قاله ترامب مثلا إنه لن يحارب الحوثيين لأنهم وعدوه بعدم مهاجمة أمريكا ولا إسرائيل.
كأن هناك هدفا عاما غير معلن هو استنزاف قدرات دول مجلس التعاون، وتوجيه ضربة لاقتصادياتها ومحاولة إضعافها إلى أقصى حد فرادى ومجتمعة.
في الوقت نفسه شهدنا مؤخرا حملات منظمة مشوهة سياسية وإعلامية على مواقع التواصل وغيرها تسعى إلى خلق فتن وتأجيج خلافات بين دول مجلس التعاون على المستويات الرسمية والشعبية.
وأتابع شخصيا في الفترة الماضية عددا كبيرا من التقارير صادرة عن مراكز أبحاث ومواقع سياسية غربية تقول كلها إن دول المجلس لا يمكن أن تتوحد رغم الحرب، ولا يمكن أن تحتوي الخلافات بينها.
على ضوء هذه التطورات وأبعادها المختلفة الكل يدرك اليوم أن دول مجلس التعاون تقف أمام تحد، هو تحد تاريخي بكل معنى الكلمة.
التحدي ليس فقط الحفاظ على كيان المجلس في مواجهة محاولات تدميره، وإنما الانتقال به إلى مرحلة جديدة أكثر صلابة وقوة.
ما الذي يتطلبه ذلك؟.. ما المطلوب كي تكون دول مجلس التعاون قادرة على التعامل مع هذا التحدي التاريخي بكفاءة؟
الحقيقة أن الكل يعلم ما هو المطلوب وما الذي يجب عمله. وباختصار شديد، بناء على التطورات التي تشهدها المنطقة وما تعنيه، هناك ثلاثة أمور كبرى مطلوبة:
1 - وحدة الموقف والرؤى بين دول المجلس.
من دون هذا لا يمكن بناء أي استراتيجية جديدة موحدة قادرة على مواجهة التحديات والاستجابة للمطالب الشعبية.
لا بد أن تكون المواقف والرؤى موحدة إزاء طبيعة الأخطار التي تهدد مجلس التعاون ودوله وشعوبه، ولا بد أن يكون هناك اتفاق عام حول طبيعة السياسات النظرية والعملية لتحقيق الأهداف المرجوة.
لا يمكن بناء استراتيجية فعالة، ولا تنفيذها مع وجود خلافات في المواقف والرؤى وحول السياسات.
2 - مطلوب تدشين عهد جديد من بناء القوة الذاتية الخليجية العربية على كل المستويات بحيث تصبح دول المجلس قادرة على الحفاظ عليه وحماية أمنها واستقرارها بقوتها وقدراتها من دون الحاجة إلى الاعتماد على أحد من الخارج.
وبناء القوة الذاتية يعني بناؤها على مستوى كل دولة، وعلى المستوى الجماعي. ومفهوم بداهة أن المقصود هنا القوة الشاملة العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية.
3 - الانتقال بمجلس التعاون إلى مرحلة جديدة من الاتحاد على كل المستويات.
كما نعلم أن هذا أصبح مطلبا شعبيا ملحا مع التطورات الأخيرة ومع العدوان الإرهابي الإيراني، وهو ضرورة استراتيجية.
في المحصلة النهائية مطلوب بناء كتلة خليجية عربية موحدة وقادرة.
المهم أن الكل يجب أن يدرك أن اليوم فرصة تاريخية لبناء هذه الكتلة، وأنه إذا أضاعت دول المجلس هذه الفرصة فسوف تندم أشد الندم مستقبلا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك