العدد : ١٧٧٤٧ - الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٧ - الأحد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

مجلس التعاون والتحدي التاريخي

ذكرتُ‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬السابق‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الأهداف‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الكبرى‭ ‬للدول‭ ‬والقوى‭ ‬المعادية‭ ‬للعرب،‭ ‬ولدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬بالذات،‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تدمير‭ ‬تجربة‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أنها‭ ‬التجربة‭ ‬الوحدوية‭ ‬العربية‭ ‬الوحيدة‭ ‬اليوم‭. ‬وقلت‭ ‬إن‭ ‬الوعي‭ ‬بهذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬ضرورة‭ ‬أساسية‭ ‬عند‭ ‬بناء‭ ‬أي‭ ‬استراتيجية‭ ‬خليجية‭ ‬عربية‭ ‬للمستقبل‭.‬

وإذا‭ ‬تأملنا‭ ‬التطورات‭ ‬الخطيرة‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬المنطقة‭ ‬منذ‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب،‭ ‬ومع‭ ‬العدوان‭ ‬الإرهابي‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬سوف‭ ‬نكتشف‭ ‬أنها‭ ‬تقود‭ ‬في‭ ‬مجملها‭ ‬إلى‭ ‬محاولة‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف،‭ ‬هدف‭ ‬تدمير‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭.‬

بداية،‭ ‬حين‭ ‬شنت‭ ‬أمريكا‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬تجاهلت‭ ‬تماما‭ ‬دول‭ ‬المجلس،‭ ‬ولم‭ ‬تضع‭ ‬اعتبارا‭ ‬لمواقفها‭ ‬ورؤاها‭ ‬ومصالحها‭ ‬ولا‭ ‬للتداعيات‭ ‬المتوقعة‭ ‬وتأثيرها‭ ‬في‭ ‬دولنا‭. ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬يعكس‭ ‬عدم‭ ‬اهتمام‭ ‬بما‭ ‬سوف‭ ‬يلحق‭ ‬بدول‭ ‬المجلس‭ ‬من‭ ‬تأثيرات‭ ‬كارثية‭.‬

وحين‭ ‬شنت‭ ‬إيران‭ ‬عدوانها‭ ‬الإرهابي‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬كان‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬الأمريكي‭ ‬والعالمي‭ ‬عموما‭ ‬هزيلا،‭ ‬ولم‭ ‬نشهد‭ ‬أي‭ ‬مسعى‭ ‬جاد‭ ‬لوقف‭ ‬العدوان‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭. ‬هذا‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التأثيرات‭ ‬شديدة‭ ‬السلبية‭ ‬للعدوان‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬اقتصاديا‭ ‬واجتماعيا‭ ‬وعلى‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭.‬

وحتى‭ ‬حين‭ ‬وقع‭ ‬العدوان‭ ‬الإرهابي‭ ‬الإيراني‭ ‬الحوثي‭ ‬الأخير‭ ‬على‭ ‬السعودية،‭ ‬وجدنا‭ ‬نفس‭ ‬عدم‭ ‬الاهتمام‭ ‬والاكتراث‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬ترامب‭ ‬مثلا‭ ‬إنه‭ ‬لن‭ ‬يحارب‭ ‬الحوثيين‭ ‬لأنهم‭ ‬وعدوه‭ ‬بعدم‭ ‬مهاجمة‭ ‬أمريكا‭ ‬ولا‭ ‬إسرائيل‭.‬

كأن‭ ‬هناك‭ ‬هدفا‭ ‬عاما‭ ‬غير‭ ‬معلن‭ ‬هو‭ ‬استنزاف‭ ‬قدرات‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬وتوجيه‭ ‬ضربة‭ ‬لاقتصادياتها‭ ‬ومحاولة‭ ‬إضعافها‭ ‬إلى‭ ‬أقصى‭ ‬حد‭ ‬فرادى‭ ‬ومجتمعة‭.‬

في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬شهدنا‭ ‬مؤخرا‭ ‬حملات‭ ‬منظمة‭ ‬مشوهة‭ ‬سياسية‭ ‬وإعلامية‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬وغيرها‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬فتن‭ ‬وتأجيج‭ ‬خلافات‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬على‭ ‬المستويات‭ ‬الرسمية‭ ‬والشعبية‭.‬

وأتابع‭ ‬شخصيا‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭ ‬عددا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬التقارير‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬مراكز‭ ‬أبحاث‭ ‬ومواقع‭ ‬سياسية‭ ‬غربية‭ ‬تقول‭ ‬كلها‭ ‬إن‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتوحد‭ ‬رغم‭ ‬الحرب،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحتوي‭ ‬الخلافات‭ ‬بينها‭.‬

على‭ ‬ضوء‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬وأبعادها‭ ‬المختلفة‭ ‬الكل‭ ‬يدرك‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬تقف‭ ‬أمام‭ ‬تحد،‭ ‬هو‭ ‬تحد‭ ‬تاريخي‭ ‬بكل‭ ‬معنى‭ ‬الكلمة‭.‬

التحدي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬كيان‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬محاولات‭ ‬تدميره،‭ ‬وإنما‭ ‬الانتقال‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬صلابة‭ ‬وقوة‭.‬

ما‭ ‬الذي‭ ‬يتطلبه‭ ‬ذلك؟‭.. ‬ما‭ ‬المطلوب‭ ‬كي‭ ‬تكون‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التحدي‭ ‬التاريخي‭ ‬بكفاءة؟

الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬الكل‭ ‬يعلم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬المطلوب‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬عمله‭. ‬وباختصار‭ ‬شديد،‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬التطورات‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬المنطقة‭ ‬وما‭ ‬تعنيه،‭ ‬هناك‭ ‬ثلاثة‭ ‬أمور‭ ‬كبرى‭ ‬مطلوبة‭:‬

‭ ‬1‭ - ‬وحدة‭ ‬الموقف‭ ‬والرؤى‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭.‬

من‭ ‬دون‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬بناء‭ ‬أي‭ ‬استراتيجية‭ ‬جديدة‭ ‬موحدة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬والاستجابة‭ ‬للمطالب‭ ‬الشعبية‭.‬

لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المواقف‭ ‬والرؤى‭ ‬موحدة‭ ‬إزاء‭ ‬طبيعة‭ ‬الأخطار‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬ودوله‭ ‬وشعوبه،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬اتفاق‭ ‬عام‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬السياسات‭ ‬النظرية‭ ‬والعملية‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬المرجوة‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬بناء‭ ‬استراتيجية‭ ‬فعالة،‭ ‬ولا‭ ‬تنفيذها‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬خلافات‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬والرؤى‭ ‬وحول‭ ‬السياسات‭.‬

2‭ - ‬مطلوب‭ ‬تدشين‭ ‬عهد‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬القوة‭ ‬الذاتية‭ ‬الخليجية‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المستويات‭ ‬بحيث‭ ‬تصبح‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليه‭ ‬وحماية‭ ‬أمنها‭ ‬واستقرارها‭ ‬بقوتها‭ ‬وقدراتها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬الخارج‭.‬

وبناء‭ ‬القوة‭ ‬الذاتية‭ ‬يعني‭ ‬بناؤها‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬كل‭ ‬دولة،‭ ‬وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الجماعي‭. ‬ومفهوم‭ ‬بداهة‭ ‬أن‭ ‬المقصود‭ ‬هنا‭ ‬القوة‭ ‬الشاملة‭ ‬العسكرية‭ ‬والأمنية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والسياسية‭.‬

3‭ - ‬الانتقال‭ ‬بمجلس‭ ‬التعاون‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬المستويات‭.‬

كما‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬أصبح‭ ‬مطلبا‭ ‬شعبيا‭ ‬ملحا‭ ‬مع‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬ومع‭ ‬العدوان‭ ‬الإرهابي‭ ‬الإيراني،‭ ‬وهو‭ ‬ضرورة‭ ‬استراتيجية‭.‬

في‭ ‬المحصلة‭ ‬النهائية‭ ‬مطلوب‭ ‬بناء‭ ‬كتلة‭ ‬خليجية‭ ‬عربية‭ ‬موحدة‭ ‬وقادرة‭.‬

المهم‭ ‬أن‭ ‬الكل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬اليوم‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬لبناء‭ ‬هذه‭ ‬الكتلة،‭ ‬وأنه‭ ‬إذا‭ ‬أضاعت‭ ‬دول‭ ‬المجلس‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة‭ ‬فسوف‭ ‬تندم‭ ‬أشد‭ ‬الندم‭ ‬مستقبلا‭.‬

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا