شهد مجال علاج الأورام السرطانية بالحقبة الأخيرة قفزات نوعية متسارعة، يُعدّ العلاج الإشعاعي في صدارتها. فقد تحول من مجرد أداة تقليدية للسيطرة على الأورام إلى علم دقيق يعتمد على أهم التقنيات التكنولوجية للوصول إلى أفضل النتائج الشفائية. وفي هذا اللقاء تسلط الضوء الدكتورة زينب عبد الرازق استشاري العلاج الإشعاعي بالخدمات الطبية الملكية - مركز البحرين للأورام، على أحدث التقنيات المستحدثة للحد من الآثار الجانبية للإشعاع، وتوضح آلية تحديد الخطط العلاجية بدقة، فضلاً عن تصحيح أبرز المفاهيم الخاطئة والشائعات المتداولة بين المرضى حول هذا العلاج.
ما أحدث التقنيات المستخدمة حالياً في العلاج الإشعاعي لتقليل تأثيره على الخلايا السليمة؟
شهد العلاج الإشعاعي تطوراً كبيراً خلال السنوات الأخيرة؛ حيث أصبح أكثر دقة واستهدافاً للورم، مع الحرص على المحافظة قدر الإمكان على الأنسجة السليمة المحيطة به.
ومن أهم التقنيات المعتمدة حالياً:
العلاج الإشعاعي المعدّل الشدة (IMRT): للتحكم في كثافة حزمة الإشعاع الموجهة.
العلاج بالقوس الحجمي (VMAT): لإيصال الجرعات بدقة وسرعة أعلى أثناء دوران الجهاز حول المريض.
تقنيات التوجيه بالصور (IGRT): والتي تساعد الفريق الطبي على التحقق من الموقع الدقيق للورم قبل الجلسة وأثناء تنفيذها.
كما اتجهنا إلى توظيف تقنيات متقدمة أخرى في حالات معينة ومختارة، مثل العلاج الإشعاعي التجسيمي (SBRT/SRS)، والعلاج الإشعاعي التكيفي (Adaptive Radiotherapy) الذي يتيح إمكانية تعديل الخطة العلاجية وإعادة تصميمها أثناء فترة العلاج في حال طرأ أي تغيير على حجم الورم أو على موقع الأعضاء المحيطة به.
إن الهدف الرئيسي من كل هذه التطورات هو تحقيق أفضل توازن ممكن؛ عبر منح الورم الجرعة اللازمة بدقة للسيطرة عليه، وفي الوقت ذاته تقليل الجرعة النفاذة إلى الأعضاء والأنسجة السليمة، مما ينعكس مباشرة على خفض حدة الأعراض الجانبية.
كيف يختلف العلاج الإشعاعي الموجه عن العلاج الإشعاعي التقليدي من حيث الفاعلية والأعراض الجانبية؟
من المهم جداً توضيح أن ظهور العلاج الإشعاعي الحديث لا يعني إطلاقاً أن العلاج التقليدي لم يكن فعّالاً؛ فالنقلة الأساسية تكمن في أننا أصبحنا نملك قدرة أعلى وأدق على توجيه الجرعة الإشعاعية.
ففي التقنيات الحديثة، يتم تحديد أبعاد الورم والأعضاء الحساسة بدقة فائقة باستخدام وسائل التصوير الطبي المتقدم، ثم تُصمم الخطة العلاجية بحيث تتركز الجرعة بتركيز عالٍ على المنطقة المستهدفة، مع تقليلها إلى أدنى حد ممكن على الأنسجة السليمة.
أما فيما يتعلق بالفاعلية، فهذا أمر يعتمد بشكل رئيسي على نوع الورم، ومرحلته، وموقعه؛ إذ لا يوجد تقنية واحدة تُعد مناسبة لجميع المرضى دون استثناء. وفي الكثير من الحالات، تساهم التقنيات الحديثة بشكل ملحوظ في تخفيف الأعراض الجانبية، لكنها لا تعني بالضرورة غياب الأعراض تماماً؛ لأن ظهورها يتأثر أيضاً بالمنطقة الخاضعة للعلاج، الجرعة المقررة، والحالة الصحية العامة للمريض.
وبعبارة أخرى، نحن لا نهدف إلى علاج الورم فحسب، بل نسعى إلى معالجته بأعلى درجات الدقة الممكنة لضمان تحقيق أفضل جودة حياة للمريض.
كيف تتحدد الجرعات الإشعاعية وعدد الجلسات لكل حالة بشكل دقيق؟
إن تحديد الجرعة الإشعاعية وعدد الجلسات لا يتم بطريقة عشوائية أو عبر نمط موحد يطبق على جميع الحالات. فالقرار العلاجي يرتبط بمجموعة من العوامل، في مقدمتها: نوع الورم، ومرحلته، وحجمه، وموقعه الجغرافي بالجسد، بالإضافة إلى تحديد الغاية من العلاج؛ سواء كانت الشفاء التام، أو السيطرة على المرض، أو الحد من الأعراض والمضاعفات.
كما نضع في الاعتبار مدى قرب الأعضاء الحساسة من نطاق الورم، ونوعية العلاجات الأخرى التي يخضع لها المريض بالتوازي، مثل الجراحة، أو العلاج الكيميائي، أو العلاج المناعي.
بناءً على هذه المعطيات، يُصمم بروتوكول علاجي فردي ومخصص لكل مريض على حدة. وتخضع هذه الخطة لمراجعة تدقيقية صارمة من قِبل فريق العلاج الإشعاعي المتكامل والذي يضم طبيب الأورام، والفيزيائي الطبي، واختصاصي التخطيط لضمان وصول الجرعة المطلوبة بكامل دقتها إلى الورم مع الالتزام التام بالحدود الآمنة لحماية الأعضاء السليمة.
ولذلك، قد تتفاوت المدة العلاجية تفاوت كبيراً؛ فتبدأ من جلسات معدودة جداً في حالات خاصة ومحددة، وتصل إلى عدة أسابيع في حالات أخرى، ولا توجد جرعة أو عدد جلسات ثابت يصلح لكل المرضى.
ما الشائعات أو المفاهيم الخاطئة الأكثر انتشاراً بين المرضى حول العلاج الإشعاعي.. وكيفية تصحيحها؟
هناك العديد من المفاهيم الخاطئة المتداولة بين المرضى، ومن أكثرها شيوعاً الاعتقاد بأن العلاج الإشعاعي يتسبب بآلام شديدة أثناء الجلسة، أو أن المريض يصبح «مشعاً» ويشكل خطراً على من حوله بعد انتهائها.
والحقيقة هي أنه في معظم أنواع العلاج الإشعاعي الخارجي، تكون الجلسة العلاجية ذاتها خالية تماماً من الألم، ولا يصبح المريض مصدراً للإشعاع إطلاقاً بمجرد خروجه من غطاء جهاز العلاج؛ ومن ثَمّ يمكنه ممارسة حياته والتفاعل مع أفراد أسرته بشكل طبيعي وآمن وفق تعليمات الطبيب المعالج.
ومن المفاهيم الخاطئة المترسخة أيضاً الظن بأن العلاج الإشعاعي يؤدي دوماً إلى مضاعفات شديدة؛ بينما الواقع يؤكد أن ظهور الأعراض يختلف من مريض لآخر بناءً على المنطقة المعالجة، الجرعة المعتمدة، ونوع العلاج. وقد مكّنتنا التقنيات الحديثة من تقليل نسبة تعرض الأنسجة السليمة للإشعاع بدرجة كبيرة.
كما يبرز أحياناً مخاوف غير مبررة من أن الإشعاع قد “ينتشر” في أجزاء الجسم المختلفة أو يتسبب في تفاقم انتشار السرطان، وهو أمر غير صحيح بتاتاً بالنسبة للعلاج الإشعاعي الخارجي؛ حيث يُوجه الإشعاع بدقة متناهية لنطاق محدد لتحقيق هدف علاجي واضح ومباشر.
ورسالتي الدائمة والمستمرة لجميع المرضى هي، تجنبوا الاستناد إلى التجارب الشخصية الفردية أو المعلومات المتداولة غير الموثوقة على منصات التواصل الاجتماعي، واحرصوا دائماً على استشارة طبيبكم المختص لمعرفة الخيار العلاجي الأنسب لحالتكم، فلكل مريض ولكل ورم خصائصه الطبية الفريدة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك