أكدت الدكتورة رباب عبد الوهاب، الأكاديمية والباحثة في الطب الجزيئي وعضو جمعية أصدقاء الصحة، أن منح جائزة نوبل في الطب لعام 2026 للعلماء الثلاثة كارل دايسروث وبيتر هيغيمان ويورج ناجل يعد تكريما مستحقا لواحد من أعظم الاكتشافات العلمية في علوم الأعصاب. وتقديراً لاكتشافاتهم المتعلقة بالقنوات الأيونية التي يتم تنشيطها بالضوء وتطوير علم البصريات الوراثية. حيث إن طحلبًا مجهريًّا يعيش في الماء يمكن أن يساعد العلماء يومًا على فهم أسرار الدماغ البشري.
وأوضحت الدكتورة رباب، أن الفضل في هذه الثورة العلمية يرجع إلى بروتين صغير يسمى تشانل رودوبسين (Channelrhodopsin)، وهو بروتين حساس للضوء، والذي اكتُشف أثناء دراسة طحالب مجهرية تستطيع الإحساس بالضوء والتحرك نحوه. وبينت أن هذا البروتين يعمل بطريقة مدهشة، فعندما يسقط عليه الضوء، يفتح قناة دقيقة في غشاء الخلية تسمح بمرور الأيونات، فتتغير الإشارة الكهربائية داخلها. وأضافت الدكتورة رباب «لقد كانت هذه النقطة الفاصلة في مسار البحث العلمي عندما تساءل العلماء عن إمكانية نقل «المفتاح الضوئي» وزرعته داخل الخلايا العصبية؟ من هنا بدأت ثورة علمية جديدة. فقد استطاع العلماء استخدام الجين المسؤول عن هذا البروتين لجعل خلايا عصبية معينة حساسة للضوء. وبمجرد تسليط ضوء مناسب عليها، يمكن تنشيطها خلال أجزاء من الثانية، ومراقبة ما يحدث بعدها. وهكذا ظهرت تقنية البصريات الوراثية (Optogenetics)، التي تجمع بين علم الوراثة والضوء وعلم الأعصاب». وبفضل هذه التقنية، أصبح الضوء أشبه بجهاز تحكم عن بُعد للخلايا العصبية. فبدلًا من محاولة فهم الدماغ من خلال مراقبته فقط، أصبح بإمكان العلماء تشغيل مجموعات محددة من الخلايا ومعرفة وظيفتها. وأشارت إلى أن هذه التقنية أتاحت للعلماء والباحثين فهم الدوائر العصبية المرتبطة بالحركة والذاكرة والسلوك، وفتحت أبوابا واسعة لدراسة أمراض واضطرابات مثل باركنسون والصرع والاكتئاب. كما امتدت الفكرة إلى مجال البصر، حيث تُدرس إمكانية استخدام البروتينات الحساسة للضوء للمساعدة في استعادة بعض الوظائف البصرية لدى أشخاص فقدوا الرؤية بسبب أمراض في شبكية العين. واختتمت الدكتورة رباب تصريحها بالقول: «إن التكريم العلمي الاستثنائي في نوبل 2026 يوجه رسالة ملهمة للمجتمع العلمي، ولعل أجمل ما في قصة نوبل للطب لعام 2026 أنها تذكّرنا بأن الاكتشافات الكبرى لا تبدأ دائمًا من البحث عن علاج لمرض خطير. أحيانًا تبدأ بسؤال بسيط عن كائن صغير جدًا: كيف يعرف الطحلب أين يوجد الضوء؟ ومن محاولة الإجابة عن هذا السؤال، وُلدت أداة غيرت علوم الأعصاب. فتحوّل بروتين مجهري إلى مفتاح يضيء الخلايا العصبية، وتحول الضوء من وسيلة نرى بها العالم إلى وسيلة نكتشف بها أسرار الدماغ. إنها قصة تؤكد أن في العلم، قد يقود أصغر اكتشاف إلى أكبر الأبواب».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك