بمناسبة شهر التوعية بسرطان الثدي، يسلّط مركز البحرين للأورام التابع للخدمات الطبية الملكية الضوء على التقدم العلمي وتطور التقنيات الطبية الذي يحول الخوف الى أمل. في الحوار التالي تجيب الدكتورة عذوب الحمادي عن ابرز التساؤلات والمخاوف الشائعة حول العلاج الاشعاعي والتعاون بين الاقسام المختلفة بالخدمات الطبية الملكية لتخطي مراحل العلاج بسلام.
بمناسبة شهر التوعية بسرطان الثدي (أكتوبر الوردي)، ما الرسالة الأساسية التي تودين توجيهها الى كل امرأة في هذا الشهر؟
- الرسالة الأهم هي: المعرفة قوة، والكشف المبكر ينقذ الأرواح. سرطان الثدي هو الأكثر شيوعاً بين النساء عالمياً، لكن عندما يُكتشف في مراحله المبكرة ترتفع فرص الشفاء التام بشكل كبير. في السنوات الأخيرة لاحظنا زيادة في عدد النساء المصابات حتى في سن صغيرة. لذلك اعرفي جسمكِ، وراقبي أي تغيّر في منطقة الثدي أو الإبط، ولا تترددي في إجراء الفحوصات بحسب توصيات طبيبكِ. معظم الحالات ليست وراثية، ويمكن تقليل المخاطر بنمط حياة صحي والتوجه للكشف المبكر. فأكتوبر الوردي ليس مجرد لون، بل دعوة الى العمل والوعي الذي يحول الخوف إلى أمل. وأود التأكيد أن الخوف والتردد أمر طبيعي في النفس البشرية ولكن زيادة المخاوف والاستسلام لها العدو الأول، فسرطان الثدي ليس نهاية الطريق، بل تحدٍ يمكن التغلب عليه بالكشف المبكر والعلاج المناسب، ونحن في مركز البحرين للأورام بالخدمات الطبية الملكية هنا لدعم كل امرأة تواجه هذا المرض. الأمل والعلم والتوكل على الله مفاتيح الشفاء بإذنه.
متى يحتاج مرضى سرطان الثدي إلى العلاج الإشعاعي؟ وهل يُستخدم بعد الجراحة دائماً أم في حالات معينة؟
- ليس دائماً، بل بحسب نوع الجراحة وخصائص الورم. فبعد جراحة الاستئصال الجزئي (المحافظة على الثدي) يُوصى بالعلاج الإشعاعي في معظم الحالات لأنه يقلل خطر عودة الورم موضعياً بنسبة كبيرة ويحسّن من فرص البقاء، كما أظهرت تحليلات دراسة EBCTCG أما بعد الاستئصال الكامل للثدي والغدد اللمفاوية فيُستخدم في حالات محددة مثل إصابة العقد الليمفاوية، أو حجم الورم الكبير، أو وجود بقايا مرضية. في بعض السيدات من الأعمار المتقدمة وذوات الأورام الصغيرة الإيجابية للهرمونات قد يُناقش الاستغناء عن العلاج الإشعاعيّ والاعتماد على العلاج الهرموني بعد تقييم دقيق للمخاطر والفوائد. وكما يستخدم العلاج الإشعاعي أيضا في حالات الانتشار الورمي للتحكم بالورم وتقليل الآثار المصاحبة. ويتم تحديد الحاجة إلى العلاج الإشعاعي في مركز البحرين للأورام بالخدمات الطبية الملكية وفق تقييم طبي متكامل لخصائص كل حالة وخطة علاجها. تحافَظ الكثير من المريضات حالياً على الثدي عبر جراحات الاستئصال الجزئي؛ كيف يسهم العلاج الإشعاعي في دعم خيار «الجراحة التحفظية» لمنع عودة الورم؟
- الجراحة التحفظية وحدها قد تترك خلايا سرطانية مجهرية غير مرئية. هنا يأتي دور الإشعاع كـ«درع وقائي» وجزء أساسي ضمن الخطة العلاجية، يستهدف هذه الخلايا في الثدي بأكمله أو في منطقة الورم، ما يقلل خطر رجوع الورم بنسبة تصل إلى 50-70% بحسب الدراسات، ويُعادل نتائج الاستئصال الكامل من حيث نتائج البقاء على قيد الحياة. بهذا يصبح الحفاظ على الثدي خياراً آمناً وفعالاً لمعظم المريضات، مع نتائج تجميلية أفضل وجودة حياة أعلى. ويعتمد اختيار الجراحة التحفظية والعلاج الإشعاعي ضمن مركز البحرين للأورام على تقييم الحالة بشكل متكامل، بما يتناسب مع خصائص الورم واحتياجات المريضة. ما الفرق بين العلاج الإشعاعي الخارجي والعلاج الإشعاعي الداخلي (Brachytherapy) في حالات سرطان الثدي، ومتى يتم اللجوء الى كل منهما؟
- بشكل مبسط الإشعاع الخارجي هو الأكثر شيوعاً؛ يأتي من جهاز خارجي يوجه الأشعة بدقة إلى الثدي أو جدار الصدر والعقد اللمفاوية أحياناً، ويُعطى عادة على مدى أيام أو أسابيع. أما البراكي ثيرابي (الداخلي) فيتم استخدام مصدر إشعاعي مؤقتاً داخل تجويف الورم أو عبر قسطرات دقيقة، فيتم تركيز الجرعة على المنطقة الأكثر عرضة لرجوع الورم. يُستخدم البراكي ثيرابي أو الإشعاع الجزئي للثدي في حالات مختارة منخفضة الخطورة (مثل أورام صغيرة، عقد لمفاوية سلبية، عمر مناسب، وهوامش جراحية نظيفة) وذلك لتقليل مدة العلاج والتعرض للأنسجة السليمة. أما الإشعاع الخارجي فيبقى الأساس في معظم الحالات، وخاصة عندما نحتاج الى تغطية أوسع أو علاج العقد الليمفاوية. أما الإشعاع الخارجي فيبقى الأساس في معظم الحالات، وخاصة عندما نحتاج إلى تغطية أوسع أو علاج العقد الليمفاوية. ويتم اختيار التقنية المناسبة لكل مريضة من خلال التقييم الطبي ضمن الفريق المعالج في مركز البحرين للأورام بالخدمات الطبية الملكية. كيف أسهمت الأجهزة المتطورة الحديثة في تقليل عدد جلسات العلاج الإشعاعي (Hypofractionation) وتخفيف العبء على المريضة؟ - بفضل التقنيات الحديثة مثل التخطيط العلاجي بالقوس المعدل الحجمي VMAT حيث يستخدم الإشعاع بسرعة ودقة وكفاءة أعلى مقارنة بالطرق التقليدية ويتم دوران الجهاز بشكل متواصل لتوصيل جرعات مستهدفة من الإشعاع مع تشكيل الحزمة لتتناسب مع حجم وموقع الورم بدقة، وكذلك تقنية حبس النفس العميق، أصبح بإمكاننا إعطاء جرعات أعلى في جلسات أقل مع حماية القلب والرئتين. تحولنا من 25 جلسة تقليدية إلى 15 جلسة (حوالي 3 أسابيع) كمعيار في كثير من الحالات، وحتى إلى 5 جلسات فقط في أسبوع واحد لبعض المريضات ذوات الأورام المبكرة، كما أثبتت تجارب FAST-Forward START . وتسهم هذه التقنيات الحديثة المعتمدة في منظومة العلاج الإشعاعي في مركز البحرين للأورام بالخدمات الطبية الملكية في تقليل مدة العلاج وتخفيف العبء على المريضة، مع المحافظة على الفعالية العلاجية وفق ما يناسب كل حالة. والنتيجة: نفس الفعالية في السيطرة على المرض، آثار جانبية أقل أو مماثلة، وتخفيف هائل للعبء النفسي والجسدي والمادي على المريضة وعائلتها.
كيف يتم التنسيق بين قسم العلاج الإشعاعي وجراحي التجميل والأورام لضمان أفضل نتيجة جمالية وصحية للثدي بعد العلاج؟
- السر في دقة ومهارة الطبيب المشرف على الحالة سواء طبيب العلاج الإشعاعيّ أو جراحة الأورام والتجميل. وخلال مباشرتي للحالات أحرص دائماً على دقة الخطة العلاجية وتوزيع الجرعات بطريقة تضمن أفضل النتائج بالتعاون مع فريق الفيزياء الطبية. وكذلك يأتي دور وأهمية الفريق متعدد التخصصات في مركز البحرين للأورام الذي يجتمع منذ البداية ويتم مناقشة الحالات بشكل دقيق لوضع أنسب خطة علاجية. وجراح الأورام والتجميل يحدد أفضل جراحة ويخطط لإعادة البناء أو الحفاظ على الشكل، وطبيب الأورام والعلاج الإشعاعي يعدّل خطته لتتناسب مع التوقيت والتقنية الجراحية وذلك لضمان فرص شفاء جيد وتقليل التليف أو التقلص والحفاظ على مظهر طبيعي قدر الإمكان. هذا التعاون بين مختلف التخصصات في الخدمات الطبية الملكية يحول العلاج من «إنقاذ الحياة فقط» إلى «إنقاذ الحياة مع جودة حياة».
على سبيل المثال جزء من الخطوات العملية والتقنيات الحديثة للتكامل الإشعاعي والتجميلي:
تقنيات الإشعاع المتقدمة
- استخدام العلاج الإشعاعي الموجه بالصور (IGRT) لتحديد موقع الأنسجة بدقة متناهية وتجنب الأنسجة السليمة المحيطة بالجلد والترميم.
- تطبيق العلاج الإشعاعي الجزئي للثدي (APBI) أو الإشعاع أثناء العملية الجراحية (IORT) لتقليص عدد الجلسات وحماية الجلد المعاد تشكيله من التلف.
- أهمية التوقيت الدقيق والتداخل الجراحي وذلك بتنسيق التوقيت الفاصل بين الجراحة وبدء جلسات الإشعاع (عادة بعد التعافي الكامل والتئام الجروح) أو التنسيق المسبق في حال استخدام موسعات الأنسجة (Tissue Expanders) .
- وضع علامات جراحية دقيقة (Surgical Clips) أثناء استئصال الورم لتوجيه طبيب الإشعاع بدقة نحو المنطقة المستهدفة وتجنيب الأجزاء الأخرى من الثدي جرعات زائدة.
- إدارة المضاعفات والوقاية من التليف وذلك بإشراك اختصاصيي العلاج الطبيعي والتأهيل منذ بداية الخطة للتعامل المبكر مع الوذمة اللمفاوية (Lymphedema) وتقليل تيبس جدار الصدر.
هل يؤثر العلاج الإشعاعي على الخصوبة أو القدرة على الإنجاب والرضاعة لدى السيدات الشابات؟
- الإشعاع الموضعي للثدي لا يسبب عقمًا في أغلب الحالات، لأنه لا يستهدف المبايض مباشرة (عكس العلاج الكيماوي). ومع ذلك، قد تتأثر الرضاعة من الثدي المعالج. لذلك نوصي السيدات الشابات اللواتي يرغبن في الإنجاب مستقبلاً باستشارة متخصص الخصوبة قبل بدء العلاج، لمناقشة مختلف الخيارات مثل تجميد البويضات. الخبر السار أن كثيراً من الناجيات يستطعن الحمل والولادة بعد انتهاء العلاج بنجاح، وخاصة مع التخطيط المسبق.
تتخوف الكثير من السيدات من «حروق الجلد» أو التعب المصاحب للإشعاع؛ كيف يمكن الوقاية من هذه الأعراض والتعامل معها بفعالية؟
- هذه المخاوف طبيعية وأغلب الأعراض مؤقتة وقابلة للإدارة. للوقاية ينصح دائماً بالمحافظة على نظافة المنطقة بلطف. الترطيب يومياً بكريمات مرطبة خالية من العطور والموصى بها من الفريق الطبي، ارتداء ملابس قطنية فضفاضة، وتجنب أشعة الشمس المباشرة والعطور والمراهم الثقيلة قبل الجلسة. وبالنسبة الى التعب فإنه يتحسن بالراحة المتوازنة والحركة الخفيفة والتغذية الجيدة. وعادة لا نصل الى مرحلة حروق شديدة في الجلد ولكن تغيرات بسيطة تشبه حروق الشمس الخفيفة وتزول بعد عدة أسابيع من انتهاء العلاج، خلال العلاج يقوم الفريق الطبي بالمتابعة مع السيدة خطوة بخطوة. الإشعاع اليوم أكثر لطفاً مما كان عليه سابقاً بفضل التقنيات الحديثة والخبرات المتقدمة في الخدمات الطبية الملكية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك