أكدت الدكتورة حنين البوسطة استشاري الجراحة العامة والغدد الصماء بمستشفى السلام، أن شهر سبتمبر يعد المناسبة السنوية للتوعية بسرطان الغدة الدرقية؛ وهو محطة مهمة لتسليط الضوء على أحد أكثر أنواع السرطان شيوعًا، ولتصحيح مجموعة من المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالعُقد والأورام التي تصيب هذه الغدة الصغيرة في حجمها، الكبيرة في وظيفتها.
وبينت أن هناك ما يُقارب مليون حالة جديدة تشخص سنويا بـ«سرطان الغدة الدرقية» حول العالم، وتستحوذ النساء على نحو ثلاثة أرباع هذه الحالات، ما يجعله من أكثر السرطانات تشخيصًا بين الإناث، ولا سيما في الفئات العمرية الشابة.
غير أن هذه الأرقام تتطلب قراءة تحليليّة متأنية؛ فارتفاع عدد الحالات المسجلة خلال العقود الماضية لا يعني بالضرورة أن المرض بات أكثر شراسة أو فتكاً. إذ تُشير الدراسات إلى أن جانباً كبيراً من هذه الزيادة يعود إلى ما يُعرف بـ «الإفراط في التشخيص» (Overdiagnosis)؛ ويتمثل ذلك في اكتشاف أورام متناهية الصغر كان بمقدورها ألا تكبر، أو ألا تسبب أي أعراض، أو ألا تؤثر في حياة المريض لو لم تُكتشف أساساً. وتصل نسبة الإفراط في التشخيص في بعض الدول إلى مستويات مرتفعة للغاية.
ليس كل ما يظهر في الغدة الدرقية سرطانًا
وأشارت الى ان من أكثر العوامل إثارة للقلق لدى المرضى اكتشاف «عُقدة» في الغدة الدرقية. بيدَ أن وجود العُقدة لا يعني حتمية الإصابة بالسرطان؛ فالعُقد الدرقية شائعة جدًا، والغالبية العظمى منها تُعدّ كتلاً حميدة.
ومن هنا تتجلى أهمية التقييم الطبي المتخصص؛ إذ لا يقتصر الهدف على الإجابة عن سؤال: «هل توجد عُقدة؟»، بل يمتد إلى تحديد أيّ من هذه العُقد يحتاج إلى المتابعة الدورية، وأيّها يتطلب أخذ عيّنة للتحليل، وأيّها يستدعي التدخل الجراحي.
أنواع متعددة... ودرجات تباين في الخطورة
لا يُصنَّف سرطان الغدة الدرقية كمرض واحد، بل يضم عدة أنواع رئيسية، يُعدّ السرطان الحليمي أكثرها شيوعًا، إلى جانب النوع الجريبي، والنخاعي، والسرطان الكشمي. وتختلف هذه الأنواع اختلافًا بينًا في سلوكها البيولوجي، وسرعة نموها، ومستوى استجابتها للعلاج.
والخبر السار هو أن غالبية الحالات وبخاصة الأنواع الأكثر انتشارًا تتمتع بإنذار طبّي ممتاز ومعدلات شفاء عالية عند تشخيصها في الوقت المناسب. وبناءً على ذلك، فإن كلمة «سرطان» هنا لا تعني بالضرورة أن المرض عدواني أو مهدد للحياة.
وقالت: «قد لا يرافق سرطان الغدة الدرقية في مراحله المبكرة أي أعراض ظاهرة، وغالبًا ما يُكتشف مصادفةً أثناء الفحص السريري للرقبة أو عبر التصوير الإشعاعي لسبب طبي آخر.
ولكن، ثمة أعراض يستوجب ظهورها إجراء تقييم طبي عاجل، مثل: بروز كتلة جديدة في الرقبة، أو ملاحظة زيادة في حجم كتلة معروفة سابقًا، أو الشعور بصعوبة في البلع أو التنفس، أو استمرار بحة الصوت من دون سبب واضح. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأعراض ليست حكرًا على سرطان الغدة الدرقية، فقد تنجم عن حالات حميدة، لكنها تظل علامات يستحيل تجاهلها».
ونفت الدكتورة حنين ان يكون هناك حاجة ضرورية للجميع لفحص الغدة وهنا تبرز نقطة جوهرية في التوعية الصحية؛ إذ إن عدم إجراء الفحص الشامل للجميع لا يعني مطلقاً إهمال المرض أو التغاضي عن أي كتلة في الرقبة، بل يعني أن الفحص يجب أن يكون موجّهًا ومحصورًا بمن يحتاج اليه فعلياً، وأن يُبنى القرار على تقييم طبي متكامل.
هل تتطلب كل حالة سرطان استئصالاً كاملاً للغدة؟
هنا أيضًا، لم تعد الإجابة الجازمة هي «نعم».
لقد شهد علاج سرطان الغدة الدرقية تطورًا ملحوظًا، وأصبح أكثر تفصيلًا وتخصيصًا اعتمادًا على نوع الورم، وحجمه، وموقعه، وخصائصه الجينية، ومدى انتشاره إلى الغدد اللمفاوية أو الأنسجة المجاورة، إضافة إلى العوامل الخاصة بكل مريض.
ففي بعض الحالات، قد يكون استئصال فص واحد من الغدة كافيًا تمامًا، بينما يستدعي وضع مرضى آخرين استئصال الغدة بالكامل، مع إمكانية خضوعهم للعلاج باليود المشع أو بروتوكولات علاجية أخرى. بل إن المراقبة النشطة الدقيقة باتت خيارًا مقبولًا ومعتمدًا بديلًا عن الجراحة الفورية في حالات محددة بعناية من الأورام الصغيرة منخفضة الخطورة.
ويمثل هذا التطور نقلة نوعية في المفهوم العلاجي لسرطان الغدة الدرقية؛ إذ ليس الهدف تقديم علاج أشد أو أكبر، بل تقديم العلاج المناسب للمريض المناسب في الوقت المناسب.
دور الجراحة... وأهمية الفريق متعدد التخصصات
عندما يكون الخيار الجراحي أمرًا حتميًا، فإن تحديد نوع العملية ودقتها لا يقل أهمية عن قرار الجراحة ذاته. فجراحة الغدة الدرقية تتطلب دراية عميقة بتشريح الرقبة المعقد، وحرصًا شديدًا على حماية الأعصاب المسؤولة عن حركة الأحبال الصوتية، والحفاظ على الغدد جارات الدرقية المعنية بتنظيم مستويات الكالسيوم في الدم.
رسالة هذا الشهر
إن الرسالة الأساسية التي نسعى لإيصالها خلال شهر التوعية بسرطان الغدة الدرقية ليست «افحصوا الغدة أكثر»، بل «اعرفوا متى تحتاج الغدة إلى الفحص والتقييم». فالعُقدة لا تعني حتمًا وجود سرطان، والسرطان لا يعني بالضرورة مرضًا شرسًا، والجراحة ليست دائمًا الخيار الأول أو الوحيد.
وفي المقابل، فإن ظهور كتلة جديدة أو أعراض مقلقة في الرقبة أمرٌ لا يحتمل الإهمال؛ فالتقييم المبكر والمتخصص يضمن اكتشاف الحالات التي تستدعي العلاج بالفعل، ويُجنّب المرضى في الوقت ذاته الدخول في دوامة من الفحوصات والعلاجات غير الضرورية.
ختاماً، إن الرعاية الأمثل لمرضى سرطان الغدة الدرقية هي التي تحقق التوازن الدقيق بين الاكتشاف المبكر، والتشخيص الدقيق، والعلاج الخطي المناسب، مع تجنّب الإفراط العلاجي.
لأن الهدف الأسمى ليس أن نكتشف أوراماً أكثر... بل أن نكتشف الأورام التي تستحق العلاج حقاً.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك