شهدت أروقة المستشفيات والمختبرات الطبية في السنوات الأخيرة انضمام مساعد جديد لا يكل ولا يمل، ولا يحتاج إلى فنجان قهوة ليبقى يقظاً طوال الليل، ألا وهو الذكاء الاصطناعي؛ فما كان إلى وقت قريب مجرد فكرة في روايات وأفلام الخيال العلمي أصبح اليوم واقعاً يقرأ صور الأشعة، ويرصد مؤشرات الخطر، وينبه إلى الحالات الطارئة، ويساعد في إعداد التقارير الطبية.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة دينا محمد استشارية طب الأطفال وأمراض كلى الأطفال بمستشفى ابن النفيس، الحاصلة على شهادة الدراسات العليا في الذكاء الاصطناعي في الرعاية الطبية من جامعة (ووريك بالمملكة المتحدة)، أن الذكاء الاصطناعي أضحى اليوم يرتدي المعطف الأبيض كعقل إلكتروني يمثل ثورة تشخيصية حقيقية، لكنه يظل أداة مساعدة لا يمكنها إلغاء الدور الإنساني للطبيب. واستعرضت الدكتورة دينا رحلة نشأة هذه التقنية في الطب، مشيرة إلى أن الرحلة بدأت من سؤال فلسفي طرحه عالم الرياضيات البريطاني «ألان تورنغ» قبل أكثر من سبعين عاماً حين تساءل، (تستطيع الآلة أن تفكر؟ ثم ولد مصطلح الذكاء الاصطناعي رسمياً عام 1956 خلال اجتماع عدد من العلماء في كلية «دارتموث» بالولايات المتحدة الأمريكية.
وأوضحت د. دينا أن الحواسيب في ذلك الوقت لم تكن تملك جزءاً يسيراً من قوة الهواتف الذكية التي نحملها اليوم، لكن الفكرة كانت طموحة حول مدى قدرة الآلة على التعلم والاستنتاج ومحاكاة بعض صور الذكاء البشري. وفي سبعينيات القرن الماضي، بدأت التطبيقات الأولى في الطب عبر أنظمة مبكرة للمساعدة في تشخيص بعض الالتهابات البكتيرية واقتراح المضادات الحيوية المناسبة بناءً على معادلات وقواعد طبية ثابتة. ورغم أنها كانت أنظمة بطيئة وتعتمد كلياً على ما يلقنه لها البشر (وفق مبدأ: إذا حدث كذا ففكر في كذا) ولم تُستخدم على نطاق سريري واسع، فإنها أثبتت إمكانية تنظيم المعرفة الطبية المعقدة بواسطة الحاسوب.
وأضافت أن القفزة الكبرى جاءت مع ثورة البيانات وظهور الحواسيب السريعة، حيث بدأت الآلات تتعلم ذاتياً عبر تحليل آلاف السجلات الطبية، وصولاً إلى عصر «التعلم العميق» والشبكات العصبية الاصطناعية التي تحاكي العقل البشري وتستطيع قراءة الصور الإشعاعية والتحاليل الجينية بدقة تفوق أحياناً أمهر الأطباء. وحول التطبيقات الميدانية، بينت الدكتورة دينا محمد أن هناك تجارب ناجحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي لكنها محكومة بشروط دقيقة، ومنها:
1. فحص شبكية العين: حيث اعتمدت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية نظاماً مستقلاً يحلل صور قاع العين للكشف عن اعتلال الشبكية السكري والوقاية من فقدان البصر عبر التشخيص المبكر. وتبرز أهميته في المناطق التي تعاني من نقص اختصاصيي العيون، مع التأكيد بأنه يفحص مرضاً محدداً لفئة محددة ولا يغني عن الفحص الشامل أو رأي الطبيب.
2. السكتة الدماغية: تحلل بعض البرامج الأشعة المقطعية سريعاً وترسل تنبيهات عند الاشتباه بانسداد وعاء دموي كبير لتقليل التأخير العلاجي. ورغم ذلك، لا يفحص البرنامج المريض سريرياً، ولا يوازن بين فوائد العلاج ومخاطر النزف، ولا يتواصل مع أسرة المريض؛ مما يجعل القرار والمسؤولية حصراً على الفريق الطبي.
3. الكشف المبكر عن السرطان: تستطيع الخوارزميات فحص آلاف الصور الإشعاعية وتحديد المناطق المشتبه بها بدقة وسرعة فائقة، مما يحسن الاكتشاف ويقلل العبء على طبيب الأشعة.
4. تحليل تخطيط القلب: تساعد الأنظمة الذكية في اكتشاف اضطرابات نبض القلب كالرجفان الأذيني وتحديد المرضى المعرضين للمضاعفات القلبية.
5. تطوير الأدوية: يسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع اكتشاف مركبات دوائية جديدة وخفض تكاليفها، حيث وصل بعضها إلى مراحل التجارب السريرية بنجاح.
وشددت الدكتورة دينا في تصريحها على عدم إغفال المخاوف والتحديات المصاحبة لهذه التقنية، والتي تتلخص في:
معضلة الصندوق الأسود: تقديم الخوارزميات لتشخيص نهائي دون شرح الأسباب الطبية المنطقية، مما يضع الطبيب في حيرة.
الانحياز والبيانات غير الدقيقة: احتمال إعطاء نتائج خاطئة إذا تدربت الآلة على بيانات مرضى من عرق أو بيئة معينة ثم طُبّقت على مرضى آخرين.
أمن البيانات والخصوصية: تعرض السجلات الطبية الرقمية لخطر الهجمات السيبرانية والقرصنة.
المسؤولية القانونية: ضبابية تحديد المسؤول عند وقوع خطأ تشخيصي من الآلة (هل يتحملها المبرمج أم المستشفى أم الطبيب؟). المؤكد هو ضرورة سن تشريعات تضمن سلامة المرضى، وحماية البيانات، والرقابة على البرمجيات، مع إقرار حتمية الإشراف البشري والمسؤولية الكاملة للطبيب.
الريادة البحرينية والنموذج الخليجي
وفي إطار الأطر التشريعية، أشادت الدكتورة دينا بالخطوات المتقدمة لمملكة البحرين في تنظيم الاستخدام المسؤول للتقنية، من خلال إطلاق السياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي، وتبني الدليل الخليجي للاستخدام الأخلاقي، وتطبيق قانون حماية البيانات الشخصية. وأكدت أن هذه الأطر ترتكز على مبادئ حماية الخصوصية، منع الضرر، العدالة، والمحافظة على الإشراف البشري، وهي مقومات أساسية لتطبيق التقنية بأمان في قطاع الرعاية الصحية.
حتمية الحضور الإنساني: هل تختفي مهنة الطبيب؟
ورداً على التساؤل الشائع حول إمكانية اختفاء مهنة الطبيب، أجابت الدكتورة دينا محمد بجزم: الإجابة القاطعة هي لا.
وفسرت ذلك بأن الذكاء الاصطناعي أداة قوية تدعم الطبيب لكنه لا يمتلك حكمته السريرية ولا يستطيع أن يحل محل حضوره الإنساني؛ فالطب ليس مجرد معادلات أو أرقام ونتائج مخبرية، بل هو القدرة على اتخاذ قرارات سريرية وأخلاقية معقدة في لحظات حرجة لا تكفي فيها الخوارزميات وحدها، فضلاً عن القدرة على طمأنة المريض، وفهم ما لا تقوله الكلمات، وقراءة لغة الجسد، ومساندته عند تلقي الأخبار الصعبة.
واختتمت الدكتورة دينا محمد تصريحها بالقول:
«سيظل الذكاء الاصطناعي مساعداً للطبيب، بينما يبقى الطبيب صاحب القرار والمسؤولية والقلب النابض للرعاية الصحية. إن الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الطبيب، ولكن الأفضلية ستكون للطبيب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي؛ ومستقبل الطب المعزز بالتقنية سيكون في شراكة ذكية عنوانها: عقل الآلة الخارق والمنظم قانونياً، وقلب الطبيب النابض بالرحمة والإنسانية».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك