تشكل الجلطة الدماغية حدثا مفاجئا يغير مجرى حياة المريض وأسرته، مما يجعل رحلة التعافي تتطلب رعاية تخصصية شاملة مبكرة لاستعادة الحركة والاستقلالية. في الحوار التالي مع الدكتورة آلاء حسن مدير قسم التأهيل والعلاج بمستشفى أمانة للرعاية الصحية - البحرين، الذي تم تطويره بالشراكة مع شركة ممتلكات البحرين القابضة (ممتلكات) وجزء من محفظة مقدمي الرعاية الصحية العالمية المستوى لمجموعة M42، نسلط الضوء على المحاور الأساسية للتأهيل بعد الجلطات لضمان التعافي بأمان.
*متى تبدأ عادةً رحلة العلاج الطبيعي والتأهيلي لمريض الجلطة الدماغية في المستشفى؟
- تبدأ رحلة التأهيل في أقرب وقت ممكن بعد استقرار الحالة الصحية والعصبية للمريض، والتأكد من أن الحركة والنشاط آمنان بالنسبة إليه. وفي كثير من الحالات، يمكن البدء بالتقييم والتدخلات التأهيلية المبكرة خلال 24 إلى 48 ساعة من حدوث الجلطة، بحسب حالة المريض وتوجيهات الفريق الطبي.
وفي مستشفى أمانة للرعاية الصحية - البحرين، لا تعني البداية المبكرة الانتقال مباشرة إلى تمارين مكثفة. ففي المرحلة الأولى، يركز الفريق على الحركة الآمنة، وتغيير الوضعيات، والجلوس، والوقوف أو الحركة التدريجية بحسب قدرة المريض، ثم يزيد مدة العلاج وشدته بصورة مدروسة وفق استقرار حالته وقدرته على التحمل.
ويهدف هذا النهج المتدرج إلى الاستفادة من قدرة الدماغ على التكيف وإعادة تنظيم مساراته العصبية في الفترة المبكرة بعد الجلطة، مع الحفاظ على سلامة المريض وتجنب إجهاده.
*كيف يتم تقييم الحالة الحركية والعصبية للمريض في اليوم الأول لوضع الخطة التأهيلية المناسبة؟
- يبدأ التقييم منذ اللقاء الأول مع المريض، ولا يقتصر على قياس قوة العضلات، بل يهدف إلى تكوين صورة متكاملة عن قدراته الحالية واحتياجاته وأهدافه، لتحديد المسار الذي يساعده على الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الاستقلالية.
ويقيّم أخصائي العلاج الطبيعي درجة الوعي والقدرة على فهم التعليمات والاستجابة لها، إلى جانب حركة المفاصل، وقوة العضلات، والإحساس، والتناسق الحركي، والتوازن، والتحكم في الجذع، والقدرة على الحركة في السرير والانتقال والجلوس والوقوف والمشي، متى سمحت الحالة بذلك.
كما يقيّم الفريق مقدار المساعدة التي يحتاج إليها المريض، ومدى أمانه أثناء الحركة، وخطر السقوط، وأي ألم أو تيبس أو ضعف قد يؤثر في التأهيل. ويستخدم مستشفى أمانة للرعاية الصحية - البحرين مقاييس تقييم معيارية ومعتمدة علميًا لتحديد نقطة البداية بصورة موضوعية، ومتابعة التقدم، وتعديل الخطة وفق استجابة المريض.
وفي الوقت نفسه، يقيّم باقي أعضاء الفريق القدرة على أداء أنشطة الحياة اليومية، والتواصل، والإدراك، والنطق والبلع. ويسمح هذا التقييم التعاوني بوضع خطة فردية تراعي الجوانب الطبية والوظيفية والنفسية والاجتماعية للمريض، وتتوافق مع أهداف وتطلعات أسرته.
*ما المحاور الأساسية التي تركز عليها خطة التأهيل مثل التوازن والمشي وتحريك الأطراف؟
- لا توجد خطة واحدة تناسب جميع مرضى الجلطات الدماغية، لأن تأثير الجلطة ومسار التعافي يختلفان بحسب عمر المريض، وحالته الصحية السابقة، والأمراض المصاحبة، وشدة الجلطة وموقعها. لذلك يضع مستشفى أمانة للرعاية الصحية - البحرين لكل مريض خطة علاجية فردية مبنية على تقييم شامل واحتياجات وظيفية واضحة.
ويرتكز التأهيل على الاستفادة من قدرة الدماغ على إعادة تنظيم نفسه، أو ما يعرف باللدونة العصبية، من خلال التدريب المتكرر والهادف على المهارات التي يحتاج إليها المريض في حياته اليومية.
فعلى سبيل المثال، يعمل الفريق على تحسين التحكم في الأطراف العلوية لاستخدام اليد في الأكل وارتداء الملابس والعناية الشخصية، وعلى تقوية الأطراف السفلية والتحكم بالجذع لدعم الانتقال والوقوف والمشي بأكبر قدر ممكن من الاستقلالية.
ويحظى التوازن بأهمية خاصة، لأن القدرة على تحريك الساقين أو المشي لا تعني بالضرورة أن الحركة أصبحت آمنة. لذلك يُدرّب المريض على التوازن والتناسق الحركي للحد من خطر السقوط وتعزيز قدرته على أداء الأنشطة اليومية بثقة وأمان.
كما يراعي الفريق موقع الجلطة وما قد يرتبط به من تحديات في التوازن أو التناسق أو الرؤية والإدراك. ومع ذلك، تبقى الخطة مبنية على حالة كل مريض ونتائج تقييمه، وليس على التشخيص وحده.
*كيف تتكامل جهود فريق التأهيل، من العلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي إلى علاج النطق والبلع، في مستشفاكم؟
- في مستشفى أمانة للرعاية الصحية - البحرين، نؤمن بأن نجاح تأهيل مريض الجلطة الدماغية لا يعتمد على تخصص واحد، بل على فريق متعدد التخصصات يضع المريض واحتياجاته وأهدافه في صميم الخطة العلاجية.
ويتعاون الأطباء والممرضون بصورة مستمرة مع فرق العلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي وعلاج النطق واللغة والبلع، إلى جانب أي تخصصات أخرى يحتاج إليها المريض. ويركز كل تخصص على جانب محدد، ولكن ضمن أهداف مشتركة ومسار علاجي متكامل.
العلاج الطبيعي يركز على الحركة والتوازن والانتقال والوقوف والمشي والقدرة البدنية، بينما يدعم العلاج الوظيفي استقلالية المريض في أنشطة الحياة اليومية مثل الأكل وارتداء الملابس والعناية الشخصية واستخدام اليدين. أما فريق النطق واللغة والبلع، فيتعامل مع اضطرابات التواصل والكلام واللغة ومشكلات البلع التي قد تحدث بعد الجلطة.
والأهم أن هذه التخصصات لا تعمل بصورة منفصلة. إذ يجتمع الفريق الطبي والتأهيلي أسبوعيًا لمراجعة تطورات الحالة، والتقدم المحقق، والتحديات، ثم تعديل الخطة بالتشاور وفق استجابة المريض وأولوياته. كما تُشرك الأسرة في فهم الأهداف ودعم تطبيقها بما يعزز استمرارية التأهيل.
ويظل الهدف المشترك هو مساعدة المريض على الوصول إلى أعلى مستوى ممكن من الاستقلالية والأمان، والاستعداد للعودة إلى المنزل والمجتمع بأفضل قدرة وظيفية ممكنة.
*ما أبرز التقنيات أو الأجهزة الحديثة المستخدمة حاليًا في تأهيل مرضى الجلطات الدماغية؟
-شهد مجال التأهيل العصبي تطورًا كبيرًا، وأصبحت التقنيات الحديثة عنصرًا مساعدًا مهمًا إلى جانب العلاج الطبيعي والوظيفي. ومن الخيارات التي يمكن استخدامها، بحسب احتياج المريض، أجهزة التدريب على المشي مع دعم جزء من وزن الجسم، بما يتيح تكرار نمط المشي بصورة أكثر أمانًا.
كما يمكن في حالات مختارة استخدام التحفيز الكهربائي العصبي العضلي أو الوظيفي للمساعدة على تنشيط العضلات الضعيفة وتحسين استخدامها ضمن الحركة الوظيفية، إلى جانب وسائل تدريب التوازن والتحكم في الجذع، وتمارين الأطراف، والعلاج بالمرآة.
وفي مستشفى أمانة للرعاية الصحية - البحرين، تتكامل هذه الوسائل مع صالتين مخصصتين للتأهيل وغرف علاج متخصصة. ومع ذلك، لا تُستخدم التقنية لمجرد حداثتها؛ بل يختارها الفريق بعناية عندما تضيف قيمة واضحة لخطة المريض، وفي التوقيت المناسب، وبما يخدم أهدافًا وظيفية قابلة للقياس.
*ما الدور المنوط بعائلة المريض لضمان استمرارية نجاح خطة التأهيل داخل وخارج المستشفى؟
- للعائلة دور أساسي في رحلة التعافي منذ الأيام الأولى، وليس بعد الخروج فقط. فالجلطة قد تغيّر حياة المريض بصورة مفاجئة، وقد يمتد التعافي لأسابيع أو أشهر، لذلك يحتاج المريض إلى دعم نفسي ومعنوي وتشجيع مستمر، لا سيما عندما يكون التحسن تدريجيًا.
وخلال الإقامة في مستشفى أمانة للرعاية الصحية - البحرين، يحرص الفريق على إشراك الأسرة في رحلة التأهيل وتدريبها على طرق المساعدة الآمنة. ويشمل ذلك الالتزام بتعليمات الحركة والانتقال للحد من خطر السقوط، وعدم محاولة مساعدة المريض على الوقوف أو المشي قبل تعلم الأسلوب الصحيح من الفريق.
كما يوضح الفريق للأسرة توصيات الطعام والسوائل عند وجود اضطراب في البلع، لأن تقديم قوام غير مناسب قد يؤدي إلى دخول الطعام أو الشراب إلى مجرى التنفس وحدوث مضاعفات. لذلك يجب الالتزام بالخطة وعدم تقديم أطعمة أو مشروبات خارجها دون الرجوع إلى الفريق.
ومن خلال التواصل الواضح والمستمر، والتدريب العملي، تصبح الأسرة شريكًا حقيقيًا في الرعاية، بما يساعدها على فهم تقدم المريض، ودعمه بطريقة متوازنة، والاحتفاء بما يحققه من خطوات، وتسهيل انتقاله بأمان إلى المنزل مع الحفاظ على ما حققه من تقدم.
*كيف يتم إعداد المريض وأسرته لمرحلة ما بعد الخروج من المستشفى والاستقلالية في الحياة اليومية؟
في مستشفى أمانة للرعاية الصحية - البحرين، يبدأ التخطيط للخروج منذ بداية رحلة التأهيل، حيث يعمل الفريق بالشراكة مع المريض وأسرته على تحديد ما يحتاج إليه ليعود إلى المنزل بأمان ويواصل تقدمه في حياته اليومية.
ومع اقتراب موعد الخروج، قد يجري فريقا العلاج الطبيعي والعلاج الوظيفي تقييمًا للبيئة المنزلية للتعرف على أي عوائق قد تؤثر في السلامة أو الاستقلالية، مثل ترتيب الأثاث، أو الحاجة إلى وسائل مساعدة، أو تعديل بعض المناطق للحد من خطر السقوط وتسهيل الحركة.
كما يجتمع الفريق الطبي والتأهيلي مع المريض وأسرته لمراجعة الأهداف المحققة والمتبقية، وشرح الأدوية والتعليمات الطبية، والتمارين، ووسائل الوقاية من المضاعفات، والطريقة المناسبة لمساعدة المريض دون زيادة اعتماده على الآخرين. ويأتي تدريب الأسرة جزءًا أساسيًا من هذا الاستعداد.
وفي إطار استمرارية الرعاية، يوفر مستشفى أمانة للرعاية الصحية - البحرين مواعيد متابعة بعد الخروج لتقييم حالة المريض، ومراجعة تقدمه وأهدافه العلاجية، وتقديم الإرشادات اللازمة له ولأسرته عند الحاجة. فالخروج من المستشفى لا يمثل نهاية التأهيل، بل انتقالًا مدروسًا إلى مرحلة جديدة يواصل فيها المريض العمل على استعادة أكبر قدر ممكن من استقلاليته ودوره في حياته اليومية، بدعم من أسرته وإرشادات الفريق.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك